في العام الماضي أفاد طبيب نفسي في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو أنه أدخل 12 شخصاً إلى المستشفى خلال عام واحد فقط بعد أن «فقدوا صلتهم بالواقع بسبب الذكاء الاصطناعي».
وقد أطلق على هذه الحالة اسم «الذهان الناتج عن الذكاء الاصطناعي AI psychosis»، كما كتب نيك كينلي (*).
زعزعة الإدراك بسبب الذكاء الاصطناعي
ولا يُعد هذا التشخيص رسمياً، والحالات الشديدة منه نادرة. لكن الآلية الكامنة وراءه تستحق اهتمام كل مدير، أو قائد، إذ إن الأمر الذي أدى إلى زعزعة إدراك هؤلاء المرضى للواقع هو التعرض المطول لصوت بدا مطلعاً، وواثقاً، ويُشعرهم دائماً بالدعم، والصبر.
نصف كبار قادة المؤسسات قالوا إنهم يثقون برأي روبوت محادثة أكثر من رأيهم الشخصي
إن ما تعده تقنيات الذكاء الاصطناعي معلومات حقيقية، وقادة الأعمال محقون في السعي وراءها. لكن ما يجب أن يقلقهم هو مدى ثقتهم به، وسرعة هذا التفاؤل.
وفي استطلاع رأي حديث، قال 74 في المائة من المديرين التنفيذيين إنهم يثقون بنصائح الذكاء الاصطناعي أكثر من ثقتهم بنصائح زملائهم، أو أصدقائهم، وقال 44 في المائة إنهم سيعتمدون على منطقه بدلاً من آرائهم الشخصية.
تأمل في هذا للحظة. يقول ما يقارب نصف كبار القادة إنهم يثقون برأي روبوت محادثة أكثر من رأيهم الشخصي، وفي الأسئلة التي تم توظيفهم للإجابة عنها. قد لا يكون هذا جنوناً، ولكنه ليس جيداً أيضاً.
إن ميل الذكاء الاصطناعي إلى الإيجابية المفرطة، وميله إلى تعزيز المعتقدات السائدة بدلاً من تحديها، أمر موثق جيداً. وكذلك ميله إلى الخطأ.
كشف أعراض الثقة المفرطة
إذن، كيف تعرف ما إذا كان أحدهم يقع في فخ الثقة المفرطة بالذكاء الاصطناعي؟ تبرز هنا ثلاثة أعراض.
* أول الأعراض هو توقف القادة عن التدقيق فيما يكتبه الذكاء الاصطناعي نيابةً عنهم. يحدث هذا لأنه كلما زادت ثقة الناس بالذكاء الاصطناعي، قلّ تفكيرهم النقدي تجاه مخرجاته.
وبالتالي يمكن إرسال تحديثات مجلس الإدارة، ورسائل البريد الإلكتروني، وأوراق الاستراتيجية التي يكتبها الذكاء الاصطناعي بعد قراءة سريعة، لأن مسودة الذكاء الاصطناعي السلسة والواثقة تبدو مكتملة بطريقة لا تبدو عليها المسودة الشخصية غير المكتملة أبداً.
مخرجات مصقولة ظاهرياً
أطلق باحثون في جامعة ستانفورد وشركة «BetterUp» على هذه النتيجة اسم «العمل غير المتقن»، أي المخرجات المصقولة ظاهرياً، ولكنها تفتقر إلى الجوهر. قد يبدو الأمر جيداً، لكنه غالباً ما يُكشف.
في الواقع، وجد الباحثون أن ما يقرب من نصف الموظفين الذين يتلقون رسائل بريد إلكتروني مُصوغة بواسطة الذكاء الاصطناعي ينظرون إلى مُرسليها على أنهم أقل جدارة بالثقة نتيجةً لذلك، وأكثر من ثلثهم ينظرون إليهم على أنهم أقل ذكاءً. هذا ما يُسمى بتحسين الذكاء الاصطناعي لنا.
فرض استخدام التقنيات قبل التحقق من عملها
* العَرَض الثاني هو فرض الاستخدام قبل إدارته (الجيدة). شهد عام 2025 موجة من قرارات الرؤساء التنفيذيين التي تُعلن استخدام الذكاء الاصطناعي كأمر أساسي، حيث اشترطت بعض الشركات على المديرين إثبات عدم قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء مهمة ما قبل السماح لهم بتوظيف شخص.
ومع ذلك، في استطلاع أجرته شركة «غرانت ثورنتون» عام 2026 لكبار المديرين التنفيذيين، اعترف 78 في المائة منهم بأنهم يفتقرون إلى الثقة الكافية في قدرتهم على اجتياز تدقيق مستقل لحوكمة الذكاء الاصطناعي لديهم في غضون 90 يوماً.
تدعم معظم فرق الإدارة العليا مبادراتها المتعلقة بالذكاء الاصطناعي علناً. ومع ذلك لا يستطيع سوى القليل منها الصمود عند التدقيق الحقيقي في كيفية فحص هذه الأنظمة، وامتلاكها، والتحكم فيها.
الثقة في حكم الآلة بدلاً من حكم العاملين
* العرض الثالث هو الأكثر خبثاً: الثقة في حكم الذكاء الاصطناعي على حساب حكم الموظفين. لقد شاهدتُ قادةً يُمررون اعتراضات فرقهم عبر روبوت محادثة، ويتركون له الكلمة الفصل في النقاش.
يلاحظ الفريق ذلك. وفي المرة التالية، يبقى الاعتراض صامتاً، ولا يسمع القائد سوى الذكاء الاصطناعي. وهذا يعزز نفسه بنفسه، فكلما قلّت الاعتراضات التي يسمعها القائد بدت إجابات الذكاء الاصطناعي أكثر منطقية، وثقة.
في الواقع، ليس هذا بالأمر الجديد. لطالما كانت هناك فرص لتفويض التواصل. وقد فُرضت إجراءات جديدة من قبل. ولطالما منحت السلطة القادة ما يفعله الذكاء الاصطناعي الآن، فبمجرد تولي زمام الأمور يبدأ الناس في الموافقة بشكل أسرع، والاعتراض بشكل أقل.
لكن الفجوة بين وعود الذكاء الاصطناعي وسهولة استخدامه، من جهة، وبين وضوح كيفية تطبيقه، من جهة أخرى، أكبر بكثير من أي ابتكار سابق. لذا، فبينما قد لا يكون الذكاء الاصطناعي قد خلق ثغرات جديدة، إلا أنه بالتأكيد فاقم الثغرات القديمة.
ما العمل إذن؟
ماذا يمكنك أنت، كقائد، أن تفعل؟ في بحثي الخاص حول الثقة، برزت علامتان تحذيريتان تُشيران إلى النقطة التي تتحول فيها الثقة الصحية إلى ثقة مفرطة: الشعور المتزايد بالتفوق، وتراجع الفضول (حبّ الاطلاع).
إنه حب الاطلاع، وما يجب مراقبته عند التعامل مع الذكاء الاصطناعي. لذا، استمر في طرح الأسئلة، حتى عندما تبدو الإجابة قاطعة. اسأل عن مكامن الخطأ المحتملة في الذكاء الاصطناعي. اسأل عن البدائل التي تم النظر فيها، ثم التخلي عنها. اسأل فريقك عما يمكنهم رؤيته ولا يستطيع النموذج رؤيته.
لقد فقد مرضى الذهان الناتج عن الذكاء الاصطناعي في سان فرانسيسكو قدرتهم على التشكيك في صوت لم يشك في نفسه قط. إلا أنك لا تزال تمتلك هذه القدرة… وعليك الاستمرار في استخدامها.
* مجلة «فاست كومباني»
