لم يعد الازدحام المروري في العاصمة دمشق ظاهرة موسمية أو مشكلة مرتبطة بساعات الذروة، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى أزمة يومية مزمنة ترهق سكان المدينة وتستنزف وقتهم وجهدهم وأموالهم،
فالتنقل بين أحياء العاصمة الذي كان يستغرق دقائق بات يحتاج، في أحيانٍ كثيرة، إلى ساعات طويلة، وسط اختناقات مرورية تمتد على معظم المحاور الرئيسية والفرعية، لتفرض واقعاً جديداً على حياة الدمشقيين الذين أصبحوا ينظمون يومهم بالكامل وفقاً لحالة الطرق.
ومع تزايد أعداد المركبات وارتفاع الكثافة السكانية واستمرار الضغط على شبكة الطرق، تبدو العاصمة السورية اليوم أمام تحدٍ حقيقي يتطلب حلولاً جذرية تتجاوز المعالجات المؤقتة، خاصة أن الأزمة لم تعد تؤثر على حركة النقل فحسب، بل باتت تنعكس مباشرةً على الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية والاجتماعية في المدينة.
ساعات ضائعة يومياً
تبدأ في ساعات الصباح الأولى ملامح الأزمة بالظهور على مداخل دمشق الرئيسية، قبل أن تتفاقم تدريجياً مع بدء دوام المؤسسات الحكومية والمدارس والجامعات والأسواق التجارية.
وفي ساعات المساء، تتحوّل طرق عديدة إلى ما يشبه مواقف سيارات مفتوحة تمتد فيها طوابير المركبات مسافات طويلة. وفي شهر رمضان تزداد الصورة تعقيداً، حيث تشهد الشوارع الرئيسية اختناقاتٍ غير مسبوقة قبيل موعد الإفطار، في محاولة آلافٍ الوصول إلى منازلهم أو شراء احتياجاتهم اليومية، ما يؤدّي إلى شلل شبه كامل في بعض المناطق الحيوية.
ويؤكد كثيرون من سكان العاصمة أن جزءاً كبيراً من يومهم يضيع داخل السيارات ووسائل النقل العامة، الأمر الذي ينعكس سلباً على حياتهم الأسرية وإنتاجيتهم في العمل، ويزيد من مستويات التوتر والإرهاق النفسي الناتج من التنقل اليومي.
طرقات لم تعد تحتمل
تفيد التقديرات الرسمية بأن عدد المركبات التي تتحرّك يومياً في دمشق يقترب من مليون مركبة، تشمل السيارات الخاصة والعامة والشاحنات والدراجات النارية، إضافة إلى آلاف السيارات القادمة من المحافظات الأخرى يوميّاً.
وهذا عدد ضخم مقارنة بالطاقة الاستيعابية الفعلية لشبكة الطرق في العاصمة، والتي صُممت في معظمها قبل عقود طويلة عندما كانت أعداد السكان والمركبات أقل بكثير مما هي عليه اليوم.
ويرى مختصّون في هندسة النقل بمحافظة دمشق أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في ازدياد أعداد السيارات، بل في عدم تطور البنية التحتية المرورية بوتيرة تواكب هذا النمو المتسارع، حيث بقيت محاور رئيسية عديدة على حالها تقريباً رغم التوسّع العمراني والسكاني الكبير الذي شهدته المدينة.
ولا تتوقف آثار الازدحام عند حدود التأخير في الوصول إلى أماكن العمل أو المنازل، بل تمتد لتشكّل عبئاً اقتصادياً متزايداً على الأفراد والدولة معاً.
فالمركبات العالقة ساعات طويلة في الازدحام تستهلك كميات إضافية من الوقود، كما ترتفع تكاليف الصيانة نتيجة التشغيل المستمر للمحرّكات، فضلاً عن الخسائر الناتجة من هدر الوقت وتعطل الأعمال وتأخر عمليات النقل والتوزيع التجاري.
ويرى خبراء الاقتصاد أن المدن التي تعاني من اختناقات مرورية مزمنة تفقد جزءاً مهماً من إنتاجيتها السنوية، لأن ساعات العمل الفعلية تتآكل تدريجياً داخل الطرقات، الأمر الذي ينعكس على القطاعات الاقتصادية.
مشاريع مرورية كبرى
في مواجهة هذه التحديات، تعوّل محافظة دمشق على مشاريع مرورية يجري إعدادها أو تنفيذها بهدف تحسين انسيابية الحركة داخل المدينة. في مقدمتها مشروع عقدة “المجتهد – باب مصلى”، حيث يُنظر إليه أحد أهم الحلول الهندسية المنتظرة لتخفيف الضغط عن واحد من أكثر المحاور ازدحاماً في العاصمة.
وتقوم فكرة المشروع على ربط شبكة الأنفاق والعقد المرورية الممتدة بين غرب دمشق وشرقها وجنوبها، بما يسمح بفصل الحركة العابرة عن الحركة المحلية داخل الأحياء السكنية، وتقليل التوقف عند التقاطعات والإشارات الضوئية، وهو ما من المتوقع أن يسهم في رفع سرعة الحركة المرورية بشكل ملحوظ.
كما تعمل الجهات المعنية على دراسة مشاريع إضافية تشمل تطوير عقد مرورية قائمة وإنشاء ممرّات ومحاور جديدة تسهم في توزيع الحركة بشكل أفضل داخل المدينة.
وقد شهدت دمشق انتشاراً واسعاً للدراجات النارية بوصفها وسيلة نقل منخفضة التكلفة وسريعة نسبياً، إلا أن هذا الانتشار ترافق مع زيادة المخالفات المرورية المرتبطة بها.
ففي شوارع عديدة بات من المعتاد مشاهدة درّاجات تسير بعكس الاتجاه أو بين المركبات عشوائيّاً أو تتجاوز الإشارات الضوئية، الأمر الذي يربك حركة السير ويزيد من احتمالات وقوع الحوادث.
ويرى خبراء المرور أن تنظيم قطاع الدراجات النارية أصبح ضرورة ملحّة من خلال تشديد الرقابة ومنح التراخيص وإلزام السائقين بقواعد السير، بما يضمن سلامتهم وسلامة مستخدمي الطريق الآخرين.
إشارات مرورية تتوقّف
تشكل الإشارات الضوئية العمود الفقري لتنظيم الحركة المرورية في المدن الكبرى، إلا أن إشارات كثيرة في دمشق تعاني من أعطال متكرّرة أو انقطاعات ناتجة من مشكلات التغذية الكهربائية.
وعندما تتوقف الإشارة في تقاطع حيوي، تتحول المنطقة خلال دقائق إلى نقطة اختناق رئيسية تمتد آثارها إلى شوارع ومحاور مجاورة، ما يؤدي إلى اضطرابات مرورية واسعة.
ولهذا يطالب مختصون بالاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية والتقنيات الحديثة لضمان استمرار عمل الإشارات على مدار الساعة، وتقليل تأثير الانقطاعات الكهربائية على تنظيم السير.
لا يقتصر الازدحام على حركة المركبات، بل تلعب سلوكيات المشاة دوراً مهماً في تعقيد المشهد المروري. فالعبور العشوائي من أماكن غير مخصصة للمشاة يدفع السائقين إلى التوقف المفاجئ والمتكرر، خصوصاً في المناطق التجارية والأسواق الشعبية التي تشهد كثافة بشرية مرتفعة.
ويرى مختصون أن تطوير البنية التحتية الخاصة بالمشاة، وإنشاء جسور وممرّات آمنة، إضافة إلى نشر الثقافة المرورية، يمكن أن تسهم بشكل ملموس في تخفيف الضغط على الطرقات.
ويجمع خبراء النقل على أن أي حل طويل الأمد لأزمة الازدحام لا يمكن أن ينجح من دون تطوير حقيقي لقطاع النقل الجماعي. ففي معظم المدن العالمية التي نجحت في الحدّ من الاختناقات المرورية، لم يكن الحل عبر توسيع الطرق فقط، وإنما من خلال توفير منظومات نقل عام فعالة ومريحة وذات تكلفة مناسبة تشجع المواطنين على ترك سياراتهم الخاصة.
المواقف الطابقية.. حل مروري أم مشروع خاسر؟
ضمن مساعيها لمعالجة الأزمة، طرحت محافظة دمشق فرصاً استثمارية لإنشاء مواقف سيارات طابقية تحت الأرض، أبرزها مشروع مرأب حديقة الأمويين المركزية الذي يستوعب نحو ألفي سيارة.
ورغم أهمية هذه المشاريع من الناحية المرورية، إلا أن العديد من الخبراء يشيرون إلى تحديات اقتصادية كبيرة تواجه المستثمرين، إذ إن تكلفة الإنشاء المرتفعة وأسعار مواد البناء والطاقة البديلة تجعل من العائد الاستثماري محدوداً للغاية وفق التسعيرات الحالية لرسوم الاصطفاف.
وتشير تقديرات أولية إلى أن فترة استرداد رأس المال في بعض هذه المشاريع قد تمتد لعقود طويلة، ما يثير تساؤلات حول جدواها الاقتصادية وإمكانية جذب المستثمرين إليها.
يؤكد شرطي المرور عمر حسين أن الزيادة الكبيرة في عدد المركبات بعد سنوات الحرب فاقت قدرة البنية التحتية الحالية على الاستيعاب، وأن إنشاء مزيد من الأنفاق والجسور والمواقف العامة أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها.
ويقول السائق زكريا ياسين إن دخله اليومي انخفض إلى النصف تقريباً نتيجة الوقت الطويل الذي يقضيه في الازدحام بدلاً من نقل الركاب، بينما يصف السائق خالد دودكي الأزمة بأنها أصبحت جزءاً مرهقاً من يومه المهني، خصوصاً في أشهر الصيف الحارّة.
ويوضح التاجر مروان الحسن أنه بات يترك سيارته في منزله ويعتمد على النقل العام بسبب صعوبة إيجاد موقف داخل مركز المدينة، في حين تؤكد المحامية جنى سعد الدين أنها أصبحت تعتمد على تطبيقات النقل الذكية بعد أن تحولت الرحلات القصيرة داخل دمشق إلى ساعات من الانتظار.
نحو إدارة مرورية ذكية
في عصر المدن الذكية، لم تعد إدارة المرور تعتمد فقط على رجال الشرطة والإشارات التقليدية، بل أصبحت تعتمد على منظومات إلكترونية متطورة تشمل الكاميرات وأجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي.
ويرى مختصون أن إدخال هذه التقنيات إلى دمشق يمكن أن يسهم في مراقبة الحركة المرورية لحظة بلحظة، وتعديل توقيت الإشارات الضوئية تلقائياً، ورصد المخالفات بشكل أكثر دقة، ما يساعد في تحسين انسيابية الحركة وتقليل الازدحام.
ورغم صعوبة الواقع الحالي، ليست معالجة أزمة المرور في دمشق مهمة مستحيلة، فالعاصمة تمتلك الإمكانات البشرية والهندسية القادرة على إحداث تغيير حقيقي إذا ما توفرت رؤية شاملة تجمع بين تطوير البنية التحتية، وتوسيع شبكة النقل العام، وإنشاء المواقف الحديثة، وتطبيق القوانين المرورية بصرامة، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في إدارة الحركة.
ويبقى الرهان اليوم على سرعة تنفيذ المشاريع المطروحة وتحويل الخطط والدراسات إلى واقع ملموس، لأن استمرار الأزمة بالوتيرة الحالية يعني مزيداً من الوقت المهدور والوقود المستنزف والخسائر الاقتصادية، في حين أن نجاح الحلول سيمنح دمشق شوارع أكثر انسيابية وحياة يومية أكثر راحة لملايين السكان الذين ينتظرون منذ سنوات نهاية معاناة الازدحام المروري.
العربي الجديد- مهند عصام الحسني
