ثقافة وفن

حوار بين الذكريات..مع عودة إذاعة دمشق إلى الأثير

“هنا دمشق” ليست مجرّد عبارة قالها المذيع يحيى الشهابي أمام الميكرفون، ولامست فيها إذاعة دمشق الأثير لأول مرة في الرابع من شباط عام 1947،

بل كانت بمثابة خطوة أولى لإذاعة حجزت لنفسها مكاناً في الصف الأول بين إذاعات العالم، واستطاعت أن تقدم للمستمع السوري والعربي العديد من البرامج المليئة بالمعلومة والثقافة والفكر، وحادثته بما لديها من موسيقى وشعر وأدب،

فانتظرها بكل تمثيلية إذاعية، درامية كانت أم كوميدية، رفيقة الأجيال على موعد مع انطلاقة جديدة في عيدها 79.

غرفة في شارع النصر

يروي المخرج محمد عنقا لـ “الثورة السورية” ذكرياته في إذاعة دمشق الذي بدأ مشواره معها عام 1964 كمهندس صوت ومساعد مخرج مع مجموعة كبيرة من المخرجين كالراحل ممتاز الركابي وحمد صالحية وتيسير السعدي، وتدرّج في العمل الإذاعي حتى صار مخرجاً للعديد من البرامج والتمثيليات أشهرها “حكم العدالة”.

وفي هذا السياق، يتحدث عنقا: “بدأت إذاعة دمشق، من غرفة في مبنى الهاتف الآلي في شارع النصر، ثم انتقلت لاحقاً إلى شارع بغداد، وهنا تبرز حادثة طريفة لا بد من ذكرها، عند انتقال الإذاعة إلى ذلك المكان، شغلت الطابق الثاني من المبنى،

وكان هناك جيران يسكنون فوقها، وقد تضرر هؤلاء من أصوات البث الإذاعي، فقام أحدهم بإحضار جرن كبّة، وأخذ يقرعه يومياً وكأنه يحتجّ على وجود الإذاعة تحت منزله، ومع استمرار الأمر، لجأ الطرفان في النهاية إلى المخفر، حيث حضر عناصر الشرطة وتمّ تنظيم تعهّد بعدم تكرار الجار لهذه التصرفات”.

ويضيف عنقا: “لاحقاً انتقلت الإذاعة إلى المبنى الإذاعي القديم في شارع النصر، وكان في هذا المبنى استديو مخصص للموسيقى، إضافة إلى استديو للبث المباشر والتمثيليات الإذاعية، وآخر مخصص للبرامج،

وتناوب على إدارتها العديد من الأسماء بداية مع الأمير يحيى الشهابي مع الجيل الأول الذي ضمّ المذيعين صباح قباني، وخلدون المالح، وعادل خياطة، ومنير الأحمد، وفاطمة البديري، وعبد الهادي البكار، ومن بعدهم أحمد عسة إلى أن توالت الإدارات جيلاً بعد جيل”.

صاحبة الشهرة

لمعت إذاعة دمشق في سماء الإعلام العربي، وكانت المحطة الأهم لأي فنان سوري وعربي أراد لأغنياته أن تصل إلى العالم وتلاقي الشهرة بعد أن تُذاع، يخبرنا عن ذلك المخرج محمد عنقا: “كانت الإذاعة بمثابة بوابة أساسية للانتشار،

إذ لم يكن من الممكن أن يحقق أي فنان شهرة واسعة من دون المرور عبرها، وعلى سبيل المثال، عند قدوم فيروز، وكان اسمها آنذاك نهاد حداد، أطلق عليها الأمير يحيى الشهابي اسمها الفني، وكذلك الأمر بالنسبة لوديع الصافي، الذي كانت إحدى أغنياته مرفوضة في الإذاعة اللبنانية،

فوافقت عليها إذاعة دمشق وكانت سبباً في انتشارها، كما انطلق من إذاعة دمشق عدد كبير من المطربين، مثل عبد الحليم حافظ وفايزة أحمد، وغيرهم من الفنانين الذين لمعوا على الساحة الفنية، والذين كان لانطلاقتهم من الإذاعة دور حاسم في شهرتهم.

توثيق التراث

نوّه الراحل يحيى الشهابي في حديث تلفزيوني ببدايات الإذاعة في توثيق الفلكلور عبر تسجيله: “عملية توثيق وتسجيل التراث لها قصة في إذاعة دمشق، فلم تكن هناك عمليات تسجيل بمعناها الواسع،

وإنما كان البث بشكل مباشر على الهواء، فكان ثمة استديو للأخبار والأحاديث وآخر للموسيقى، استديو الموسيقى كان يحتوي عدداً كبيراً من أهم الموسيقيين السوريين، وكنا نجمع ما نجده يتقن ويحفظ التراث، فقدّم الفنانون الذين اشتهروا في ذلك الوقت حفلات غنائية وموسيقية على الهواء مباشرة،

أمثال عازف البزق محمد عبد الكريم الذي قدّم العديد من الحفلات على الهواء مباشرة، ومن بعد ذلك تم استقدام آلة للتسجيل على أسطوانات من القاهرة في عام 1948، فكانت الحفلة التي تُبث مباشرة تجد طريقها للتسجيل على تلك الأسطوانات، إلى أن تطورت آلات التسجيل، وبدأت عمليات التوثيق الفعلي للتراث عام 1950.

برامج عربية وعالمية

انتشار عالمي سعت إليه الإذاعة عبر إعداد وتقديم البرامج العربية والعالمية، عن ذلك يقول المخرج العنقا: “عرفت الإذاعة برامج موجهة، من بينها برنامج مخصص للمغرب العربي عام 1962، كان يقدمه المذيع وجيه السراج،

وكان هناك أيضاً برنامج باللغة التركية يُبث ظهراً عند الساعة الواحدة والنصف، إضافة إلى ذلك، قُدم برنامج موجه للمغتربين، كان يُبث عبر الموجة القصيرة إلى أميركا اللاتينية”.

التمثيلية الإذاعية

يعود الفضل للراحل حكمت محسن في تأسيس الدراما الإذاعية بإذاعة دمشق، إذ إن الناس وخطواتهم كانت الشغل الشاغل لموضوعاته،

وعن ذلك قال المخرج محمد عنقا: “معظم البرامج التي قُدِّمت في البدايات آنذاك كانت من إعداده وتنفيذه، فقد كان يقدم فقرات متعددة، من بينها «زاوية الصباح»، وكانت الحلقات تحمل عناوين مختلفة تُحدَّد أثناء التسجيل، من دون وجود عنوان ثابت للبرنامج.

وفي بعض الأحيان خلال شهر رمضان كان يقدم تمثيليات إذاعية تمتد لنصف ساعة، وكان يُعرف في الشارع بلقب «القصّاص الشعبي»، يقدم التمثيلية ويعلن عنوانها بنفسه، ولم يعتمد على افتعال القصص، بل كانت جميع تمثيلياته مستمدة من الواقع اليومي،

وعندما سُئل عن سبب اعتماده على هذه القصص اليومية، فأجاب أنا أفتح النافذة وأراقب الناس ذهاباً وإياباً، وطالما أن الحياة تتحرك أمامي كل يوم، فهي تمنحني في كل يوم تمثيلية جديدة”.

تنظيم العمل في إنجاز التمثيليات الإذاعية كان من نصيب مدير الإنتاج، وصفي المالح، الذي ظل بعمله وإتقانه له موجوداً في ذاكرة العنقا، وعنه يقول: “قبل سبعين عاماً كان في إذاعة دمشق منصب أساسي وهو مدير الإنتاج،

تولاه الراحل وصفي المالح الذي كان يتولى دراسة التمثيليات، اختيار الممثلين، وتحديد أجورهم التي بلغت 15 ليرة للدور الواحد، مع صرفها مباشرة بعد التسجيل.

أما تسجيل التمثيليات فيتم بأسلوب مختلف عن اليوم، إذ يقسم الممثلون إلى مجموعتين تتناوبان الدخول إلى الاستديو وفق الفواصل التي يحددها المخرج”.

صوت من قلب الاستديو

تحمل الفنانة ثراء دبسي في ذاكرتها العديد من الذكريات حول الإذاعة، وقفت لساعات أمام الميكرفون في استديو التسجيل حتى أصبحت تلك الساعات عمراً بأكمله،

“الثورة السورية” سألتها عن ميلها نحو الإذاعة على الرغم من أنها فنانة مسرحية فقالت: “وجدت في الإذاعة فضاءً أكثر خصوصية ومرونة، فهي تمنح المتلقي مساحة واسعة للخيال، تتيح له أن يبني الشخصيات والأماكن في ذهنه، وهو ما لا يوفره المسرح أو التلفزيون بالصورة نفسها”،

وأضافت: “أعتبر الإذاعة بالنسبة لي تعويضاً جامعاً، استطعت من خلاله المزج بين المسرح والإذاعة عبر برنامج المسرح إذا روى، والذي قدمت فيه العديد من الأعمال المسرحية بصيغة إذاعية، وأسهم ذلك في توثيق المسرح السوري ونصوص كتّابه”.

برامج كثيرة لاسمها صدى رنان في ذاكرة المستمع، اختارت دبسي من بينها “حكم العدالة” و “محكمة الضمير”، وعنهما قالت: “قرب هذه البرامج من هموم الناس هو سبب نجاحها، فهي تطرح قضايا الجريمة من زاوية أخلاقية وإنسانية، وتبرز أن لا جريمة كاملة، وأن الصراع بين الخير والشر يفتح باب التفكير لدى المتلقي ويحرّك ضميره.

تظل إذاعة دمشق، عبر مسيرتها التي تمتد لتسعة وسبعين عاماً، بالإضافة إلى كونها محطة بث، ذاكرة حية وضميراً ثقافياً، وكانت بيتاً للتراث والموسيقى والشعر، ومدرسةً تخرجت منها أجيال من المبدعين والمستمعين على السواء،

ومع انطلاقتها الجديدة بعد تحرير سوريا من المنتظر استعادتها لدورها برؤية جديدة عبر البرامج الخدمية والاجتماعية والحوارية، التي تنقل هموم الشارع السوري.

الثورة السورية- حسين روماني

زر الذهاب إلى الأعلى