حان الوقت للتعامل بجدية مع مخاطر الذكاء الاصطناعي

قدم التقرير الجديد الصادر عن شركة «أنثروبيك» بشأن «إساءة استخدام» تقنياتها نظرة مفزعة عن المآرب المظلمة التي يمكن أن تستخدم فيها أحدث حلول الذكاء الاصطناعي اليوم. 

ولعل أكثر ما يثير الصدمة في التقرير استشهاده بخمس حالات قام فيها علماء بالالتفاف على ضوابط الأمان لاستخدام نماذج الشركة «بطرق قد تدعم تطوير أسلحة بيولوجية».

ويرى رئيس «أنثروبيك»، إلى جانب المئات من العاملين في كبرى شركات الذكاء الاصطناعي، أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب تحركاً دولياً جاداً ومنسقاً من الحكومات العالمية.

غير أنه وفقاً للمعطيات الراهنة، يبدو احتمال اتخاذ مثل هذا التحرك الجماعي أبعد من أي وقت مضى.

وإذا آلت الأمور بالذكاء الاصطناعي لإلحاق أضرار كارثية بالبشرية، فلن يكون بوسعنا الادعاء أن مبتكريه لم يحذرونا مبكراً.

وقد حظيت رسالة جاكوب كوكسون، الباحث البالغ من العمر 27 عاماً والذي استقال مؤخراً من شركة «أنثروبيك»، باهتمام واسع هذا الأسبوع.

إذ حذر فيها من أن «القائمين على تطوير الذكاء الاصطناعي يعتقدون جازمين أنه قد يودي بحياة البشرية جمعاء بحلول نهاية هذا العقد».

ويتطابق تحذير كوكسون في مجمله مع تحذيرات متكررة صريحة أصدرتها قيادات رفيعة في كبرى شركات القطاع لا تزال تتولى مناصبها حتى اليوم.

فقبل ثلاثة أيام فقط من تصريح كوكسون، حذر يعقوب باتشوكي، كبير العلماء في شركة «أوبن إيه آي»، في مقال عبر مدونته بعنوان «عقل غريب»، من «مخاطر جديدة وواضحة» نابعة مما قد يتحول إلى «عقل فضائي غريب يفوق عقليتنا البشرية»، بما يهدد سيطرة الإنسان على مستقبله.

وكتب باتشوكي: «أشعر بالقلق لعدم وجود أحد مستعد لمواجهة تبعات التسارع المستمر في الذكاء الآلي»، مشيراً إلى أن النماذج الأكثر تطوراً أصبحت تستعصي بشكل متزايد على سيطرة مطوريها أنفسهم.

وجاء الدليل المثير للقلق على ذلك في يوليو الماضي، عندما تمكنت مجموعة كبيرة من «وكلاء» الذكاء الاصطناعي التابعة لشركة «أوبن إيه آي» من الانفلات من قيودها، وتنفيذ هجوم منسق على شركة التقنية «هاجينج فيس» دون أي توجيه أو أوامر بشرية.

وحث باتشوكي الحكومات على وضع «معايير أمان مشتركة» للحد من المخاطر المتصاعدة للذكاء الاصطناعي المتقدم، كاتباً: «إن فكرة المضي قدماً بأي ثمن تبدو عبثية بمجرد إدراك حجم المخاطر الجسيمة على المحك».

وتأتي هذه الدعوة عقب سلسلة مناشدات مماثلة من كبار التنفيذيين والخبراء.

ففي يوليو الماضي، وقع أكثر من 1300 موظف في شركات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بمن فيهم داريو أمودي، المدير التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، وشخصيات بارزة في «أوبن إيه آي» و«جوجل ديب مايند» و«ميتا»، بياناً حثوا فيه الحكومة الأمريكية على دعم جهود دولية لتطوير «أدوات تقنية وحوكمة» تضمن ضبط سرعة تطور التقنية، لـ«كسب الوقت الكافي لمعالجة المخاطر الناشئة».

وأكد الموقعون أنه في غياب هذه الضوابط الدولية، ستظل «كل شركة، وكل دولة، تحت ضغط تنافسي شديد» لمواكبة هذا التسارع الخطير.

غير أنه خلال اجتماع مجموعة العشرين في ولاية نورث كارولاينا الأسبوع الماضي، مررت أمريكا اتفاقاً دولياً بين الاقتصاديات الكبرى، بدا وكأنه يهدف لإعاقة الإجراءات التنظيمية بدلاً من تمكينها.

ويستند هذا التوجه إلى النهج الأوسع لإدارة ترامب حيال الذكاء الاصطناعي، والذي يركز بشكل مكثف على ترسيخ ريادة الشركات الأمريكية في القطاع وتقليل العوائق أمام نموها.

ومن خلال التوقيع على «مبادئ كارولاينا للتقنيات الناشئة»، التي تعنى بوضوح بالذكاء الاصطناعي رغم تحاشيها استخدام المصطلح صراحة، ألقت الاقتصاديات الكبرى بثقلها عملياً خلف ما يعرف في القطاع بتيار «التسارعيين».

وتؤكد الوثيقة بقوة على التدابير التي يجب أن تتخذها الحكومات لتقليل الأعباء التنظيمية على مطوري التقنية، بما في ذلك تقديم إعفاءات من القواعد التنظيمية وتبسيط إجراءات الحصول على التراخيص.

وتنص الوثيقة على ضرورة اعتماد الحكومات على التشريعات القائمة قدر الإمكان بدلاً من صياغة قوانين جديدة، مع التأكيد على أن أي تقييم لتنظيم الذكاء الاصطناعي يجب أن «يأخذ في الحسبان تكلفة الفرصة البديلة الناتجة عن تأخير التبني أو الامتناع عنه».

وصحيح أن الوثيقة تشير بإشارة عابرة إلى أهمية أن تكون التجارب «مسؤولة»، إلا أن توجهها العام يصب صراحة في مصلحة تسريع الخطى؛ إذ تكرر فعل «تسريع» سبع مرات في النص المؤلف من 1200 كلمة، والذي ركز بوضوح على الآثار الإيجابية للتقنية دون ذكر السلبيات إطلاقاً.

وسهل صدور هذا البيان الختامي أمثال إيلون ماسك وجينسن هوانج، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، اللذين حثا اجتماع مجموعة العشرين على عدم فرض قيود تنظيمية مفرطة.

وقال هوانج أمام الحضور «لا تفرضوا قيوداً تنظيمية على أضرار افتراضية ونظرية».

في المقابل، لم يكن هذا التوجه محل ترحيب من جانب أندرو بيلي، محافظ بنك انجلترا ورئيس مجلس الاستقرار المالي العالمي حالياً؛ إذ وجه عشية الاجتماع رسالة إلى وزراء مجموعة العشرين حذر فيها من أن الخطر الأشد على النظام المالي العالمي هو التهديدات السيبرانية بواسطة الذكاء الاصطناعي.

وكتب بيلي «تفتقر العديد من الدول إلى البروتوكولات الكفيلة بإدارة تطوير ونشر واستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، ما يضاعف المخاطر على القطاع المالي والقطاعات الأخرى»، محذراً من أن هذه المخاطر «قد تقوض ثقة الأسواق على مستوى النظام المالي بأكمله».

ورغم قوة تحذير بيلي، فإنه يبدو هادئاً ومحافظاً إذا ما قورن باللهجة الصادرة عن مطوري الذكاء الاصطناعي أنفسهم.

ففي وقت سابق من هذا العام، نشر داريو أمودي، رئيس «أنثروبيك»، مقالاً مفصلاً حذر فيه من سلسلة مخاطر كارثية محتملة لنماذج الذكاء الاصطناعي التي تطورها شركته والشركات المنافسة.

ولإعطائكم لمحة، هذا جزء مما ذكره أمودي بخصوص خطر واحد فقط، الأسلحة البيولوجية: «أخشى أن وجود عبقري في جيب كل فرد قد يحول الجميع، عملياً، إلى حاملي دكتوراه في علم الفيروسات، يمكن توجيههم خطوة بخطوة لتصميم وإنتاج وتخليق ونشر سلاح بيولوجي… بعبارة أخرى، فإن استئجار نموذج ذكاء اصطناعي قوي يمنح قدرات استخباراتية وإدراكية لأي شخص عادي ذي نية خبيثة.

وصراحة ينتابني القلق لوجود أعداد كبيرة من هؤلاء الأشخاص، وإذا ما أتيحت لهم طريقة سهلة لقتل الملايين، فسيقدم أحدهم على ذلك عاجلاً أم أجلاً».

يرى البعض في هذه التحذيرات شكلاً غريباً من أشكال التسويق والترويج، وجذب المزيد من المستثمرين، إلى جانب تلميع صورتهم كقادة أعمال يتسمون بالمسؤولية والتفكير العميق.

وقد بات هذا التفسير شائعاً مع تزايد حدة التحذيرات القادمة من داخل قطاع الذكاء الاصطناعي نفسه.

ولا شك أنه يحمل جزءاً من الصواب، غير أنه مع كل دليل جديد يطرأ على تعاظم قوة هذه التقنية، ومحدودية قدرة مبتكريها على التحكم فيها أو حتى فهم آلية عملها، تبدو هذه الرواية المريحة أكثر هشاشة وزيفاً يوماً بعد يوم.

فايننشال تايمز

Exit mobile version