
أعلنت وكالة “رويترز” البريطانية، اليوم الأربعاء، عن وفاة رفعت الأسد الذي يُعدّ رمزًا للعنف والفساد في تاريخ سوريا الحديث..
وهو شقيق لحافظ الأسد، حيث تجسّدت مسيرته الدموية والإجرامية التي أودت بحياة عشرات الآلاف، مع تراكم ثروات هائلة من نهب الشعب السوري.
المولد والنشأة
ولد رفعت في 1937 في قرية القرداحة، بمحافظة اللاذقية، لأسرة فقيرة تعمل في الزراعة، والده علي سليمان الأسد، وأمه أنيسة مخلوف من أسرة غنية.
تلقى تعليمه الأساسي في قريته، ثم درس العلوم السياسية في جامعة دمشق، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد منها عام 1977.
تزوج 4 مرات، وكانت أولى زوجاته ابنة عمه أميرة عبد العزيز الأسد، ثم تزوج لاحقا لين الخير، ورجا بركات وسلمى مخلوف وأخت عايدة فستق، إحدى زوجات الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، وله 8 أبناء أكبرهم دريد، و8 بنات أكبرهن تماضر.
بداية مسيرته الدموية وحياته العسكرية
انضم رفعت عام 1952 إلى “حزب البعث” ثم الجيش، بعد ذلك انتقل إلى وزارة الداخلية عقب الانفصال بين مصر وسوريا عام 1961، ودرس في الكلية العسكرية في مدينة حمص بعد انقلاب عام 1963، الذي نفذته اللجنة العسكرية للإطاحة بحكم الرئيس ناظم مقدسي، وكان أحد أعضاء اللجنة حينها أخوه حافظ الأسد.
أوكلت إليه أولى المهام العسكرية برفقة اللواء سليم حاطوم عام 1966، وهي مهمة اقتحام منزل الرئيس السوري حينها أمين الحافظ، لأنه حاول نقل عدد من الضباط من بينهم حاطوم إلى مناصب أخرى في الجيش،
وأسفرت المهمة عن استسلام أمين الحافظ وتنازله عن رئاسة البلاد، وعودة اللجنة العسكرية لحكم البلاد بقيادة صلاح جديد وحافظ الأسد.
شارك رفعت في حرب 1967 بين الدول العربية و”إسرائيل”، وكان مسؤولا عن كتيبة الدبابات في جبهة القنيطرة، وحمل رتبة نقيب حينئذ، وانسحبت الكتيبة مع اللواء 70 الخاص بالمدرعات من الجبهة، بعد الإعلان المبكر عن سقوط جبهة القنيطرة قبل سقوطها فعليا.
ومع نهاية الستينيات أصبح الصراع محصورا في حزب “البعث” بشكل أكبر بين حافظ الأسد وأخيه الأصغر رفعت من جهة، وبين صلاح جديد ومدير المخابرات العامة عبد الكريم الجندي من جهة أخرى،
وأفضت تلك المواجهة إلى هزيمة جديد والجندي، واستلام حافظ الأسد السلطة في تشرين الثاني 1970، وكان دور رفعت محوريا عبر تأمين دمشق من أي محاولة انقلاب على أخيه.
أسس سرايا الدفاع عام كأداة قمع شخصية عام 1971 وهي قوات عسكرية ضاربة مجهزة بأحدث الأسلحة، قوامها 40 ألف مقاتل، وكانت تُعتبر بمثابة جيش موازٍ داخل الدولة ومهمتها الأساسية حماية النظام من أي تهديدات داخلية.
وانتشرت سرايا الدفاع بين طلاب الجامعات بهدف تشجعيهم على التطوع فيها، إذ أسس رفعت “الرابطة العليا للخريجين”، والتي أصبحت كيانا طلابيا عسكريا موازيا له، وعُين فيما بعد رئيس مكتب التعليم العالي حتى عام 1980، وذلك بالتزامن مع تعيينه رئيسا للمحكمة الدستورية.
بداية التمرد
في السبعينيات من القرن الـ 20 ارتفعت حدة المواجهة بين رفعت الأسد وأخيه حافظ من جهة وجماعة الإخوان المسلمين والطليعة المقاتلة من جهة أخرى، وفي تلك الفترة بدأ رفعت بتعزيز سلطته في البلاد.
وظهرت أفكار رفعت ونواياه تجاه المعارضة على نحو جلي عام 1979، حين ألقى خطابا خلال المؤتمر القطري السابع لحزب “البعث” المنحل بوصفه عضوا في القيادة القطرية،
أوضح فيه أنه من أجل مواجهة الإخوان المسلمين، وكل حزب يحمل “قيم رجعية” تُعارض الدولة يجب تكرار ما قام به “جوزيف ستالين” في روسيا، حين قتل 10 ملايين مواطن روسي في سبيل تمكين وجود حزبه في السلطة.
واقترح في خطابه إصدار قانون “للتطهير العرقي” يطال كل “منحرف عن المسار الوطني ممن يعتنق أي مبادئ هدامة تمس الفكر القومي أو السلامة الوطنية”، حسب وصفه، وأوصى رفعت وزير الدفاع بأن يُغلق الجوامع في سوريا، واعتبرها “مكانا لإنتاج الفكر المُتعصب والطائفي”.
وخططت الطليعة المقاتلة في دمشق عام 1981 لاغتيال رفعت الأسد عبر سيارة مفخخة عن بعد، ولكن أُلغيت العملية قبل التنفيذ مباشرة،
بسبب تطابق موجات اللاسلكي التي تملكها الطليعة المقاتلة مع موجات اللاسلكي التي تملكها المخابرات السورية في تلك المنطقة، مما يعني عدم التأكد من انفجار السيارة في الوقت الصحيح.
وفي العام نفسه ألقى رفعت الأسد خطابا في حفل تخرج الدورة الثالثة للقفز المظلي لوحدة المظليين في سرايا الدفاع، وهاجم فيه النساء المحجبات،
وشجع المظليات على التصدي لهذا الفكر “الرجعي”، مما دفع المظليات إلى نزع حجاب بعض النساء في دمشق. وفي العام التالي قاد سرايا الدفاع في مجزرة حماة.
أحداث حماه وسجن تدمر
قاد رفعت مجزرة حماة في 1982، حيث أشرف على قتل وتعذيب عشرات الآلاف من المدنيين أثناء قمع ثورة الإخوان المسلمين، مما جعله متهماً بجرائم حرب وحقوق الإنسان.
ففي نهاية كانون الثاني 1982، وبقيادته وبقوات قوامها 20 ألف جندي، حاصرت سرايا الدفاع والفرقة الثالثة واللواء 21 واللواء 57 والمخابرات العسكرية، مساندة من القوات الخاصة بقيادة علي حيدر، مدينة حماة وأغلقت مداخلها، وبدأت مساء الثاني من شباط قصف المدينة من كل جوانبها.
وقُطعت الكهرباء والاتصالات عن المدينة، واستمرت عمليات القصف حتى الخامس من شباط 1982، وبدأت بعدها عملية برية لاقتحام المدينة وفرض حظر التجوال،
وسط اشتباكات مع مقاتلي تنظيم الإخوان المسلمين وعمليات إنزال مظلي قامت بها قوات الجيش، واستمرت المجازر في المدينة وإعدام المدنيين وحرق الممتلكات حتى 28 شباط، إذ سُمح بالتجوال في الأول من آذار.
وقد خلفت هذه الحملة العسكرية نحو 40 ألف قتيل، وُثقت أسماء نحو 10 آلاف منهم، و17 ألف مفقود وثقت أسماء نحو 4 آلاف منهم، بالإضافة إلى تدمير قرابة 79 مسجدا و3 كنائس، وتدمير أحياء كاملة في المدينة. (وفق تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر عن المجزرة عام 2022).
وفي مقابلة أجرتها إحدى القنوات التلفزيونية مع رفعت الأسد، ونشرت في كانون الأول 2011، نفى مسؤوليته عن مجزرة حماة، وقال إنها تهمة وكذبة روج لها “النظام السوري” وفق قوله، واتهم أخوه حافظ الأسد بالمسؤولية عما جرى.
وقال “أنا لا أعرف حماة حتى الآن”، (أي حتى سنة 2011 حين أجريت المقابلة)، وبرر ما حدث بأنه “تطبيق للقانون الدستوري السوري الذي ينص على أن من ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا يُعدم”.
وأنكر في المقابلة ذاتها وجود سرايا الدفاع، كما أنكر قيادته لها، واعتبر أن الأمر كله “كذبة كبيرة نُشرت وروج لها”، إلا أنه أقرّ بقيادته للوحدة 569.
كما اتُهمت قوات رفعت بتنفيذ تصفية لمئات السجناء في سجن تدمر عام 1980، رداً على محاولة اغتيال فاشلة لحافظ الأسد.
انقلاب فاشل ودعوات قضائية في المنفى
في عام 1983، أصيب حافظ الأسد بمرض عضال، مما دفع رفعت لمحاولة التحضير لتسلم السلطة، ثم تطور الأمر في عام 1984 إلى مواجهة عسكرية في دمشق بين “سرايا الدفاع” والقوات الموالية لحافظ الأسد (بقيادة شفيق فياض وعلي حيدر).
وانتهت الأزمة بتسوية قضت بخروج رفعت من سوريا بصفقة مالية ضخمة، ليعيش متنقلاً بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا.
وفي عام 1986 طلب رفعت في منفاه دعما بريطانيا لإسقاط حافظ، ولكن الرد البريطاني كان بالرفض، نظرا للعلاقة الحساسة التي كانت حينها بين بريطانيا وحافظ الأسد، وكذا العلاقات المتينة بينه وبين الاتحاد السوفياتي وقتها،
وفرضت على إثرها بريطانيا شروطا تُعقِّد حصول السوريين على تأشيرة الدخول إليها، ولكن رفعت وصل إلى لندن بعد شهرين من الرفض البريطاني عبر جواز سفر مغربي، وعدّ نفسه خليفة محتملا لرئاسة سوريا بعد تلقيه دعما من بعض الدول.
وبعد أن أسس نفسه كرجل أعمال ثري في أوروبا، استقر في البداية في جنيف، ثم انتقل لاحقا إلى فرنسا وإسبانيا.
وفي سنواته الأخيرة، كان يرى وهو يمشي مع مجموعة من الحراس الشخصيين في بويرتو بانوس بجنوب إسبانيا في ماربيا، حيث كان يمتلك أيضا ممتلكات على البحر.
لكن ثروته أصبحت بشكل متزايد محور تحقيقات الفساد، حيث رفعت مجموعة “شربا” لمكافحة الفساد في عام 2013 دعوى قضائية ضد رفعت في فرنسا، وذلك بتهمة غسل أموال سورية عامة ضمن عصابة منظمة،
وأدلى رفعت بإفادته عام 2015 أمام القضاء الفرنسي، ونفى ارتكاب أي مخالفات، ولكن محكمة البداية الفرنسية في عام 2020 أصدرت حكماً بسجنه لمدة أربع سنوات، مع مصادرة 100 مليون يورو، بالإضافة إلى عقار بقيمة 29 مليون يورو في لندن.
وفي بريطانيا أصدر الادعاء البريطاني قرارا يقضي بتجميد أصول بملايين الجنيهات الإسترلينية تعود لرفعت الأسد في بريطانيا، كما أمرت السلطات الإسبانية بمصادرة ممتلكات أسرة رفعت الأسد، وتجميد حساباتها المصرفية، وذلك ضمن تحقيق ضده بتهم تتعلق بغسيل أموال.
وأصدر القضاء الفيدرالي السويسري في 2023 مذكرة اعتقال بحقه بتهمة ضلوعه في جرائم حرب في سوريا عام 1982. وأصدر الاتحاد الأوروبي في مايو 2023 عقوبات متعلقة بتجارة المخدرات وانتهاك حقوق الإنسان على ابنه مضر من زوجته أميرة الأسد.
عودة مؤقتة
عندما توفي حافظ في عام 2000، اعترض رفعت على نقل السلطة إلى بشار وأعلن نفسه الخليفة الشرعي في القيادة.
وقد أظهر رأيه من الخارج مرة أخرى في عام 2011 مع اندلاع الثورة في سوريا، وحث ابن أخيه على التنحي بسرعة لمنع الحرب الأهلية. لكنه أيضاً حول اللوم عن بشار، ونسب الثورة ضد حكمه إلى تراكم الأخطاء.
بعد أكثر من عقد، سمح بشار – الذي كان لا يزال في السلطة آنذاك – لعمه بالعودة إلى وطنه، ما ساعده على الهروب من السجن في فرنسا.
ولم تكن عودته إلى سوريا في 2021 المرة الأولى منذ الانقلاب الفاشل، فقد حضر جنازة والدته عام 1992. وذكرت صحيفة مؤيدة للحكومة أنه عاد في 2021 “لمنع سجنه في فرنسا” ولن يلعب دورا سياسيا أو اجتماعيا.
وعندما سقط بشار، حاول رفعت الهرب عبر قاعدة جوية روسية لكنه منع من الدخول، وفي النهاية عبر إلى لبنان، محمولا عبر النهر على ظهر أحد المقربين، وفقا لأحد المصادر الذي كان لديه علم مباشر بالحادث متوجهاً إلى سلطنة عُمان.
تقديرات حجم ثروة رفعت الأسد ومصدرها
تتفاوت التقديرات حول الحجم الحقيقي لثروة رفعت الأسد، إلا أن التقارير القضائية والمخابراتية تشير إلى أرقام ضخم، حيث قُدرت المحفظة العقارية الإجمالية، بنحو 850 مليون دولار قبل بدء عمليات المصادرة.
كما بلغت التقديرات لثروته في فرنسا حوالي 160 مليون يورو (ما يعادل 173 مليون دولار). إضافةً إلى نحو 500 عقار اشتراها رفعت وعائلته بقيمة تقارب 691 مليون يورو في إسبانيا.
أما فيما يخص مصدر هذه الثروة، فهناك عدة روايات أساسية حول كيفية جمع هذه الثروة مثل، تسوية الخروج من سوريا (1984)،
حيث تشير تقارير (منها شهادات لمسؤولين سابقين مثل عبد الحليم خدام) إلى أن حافظ الأسد منح شقيقه مبلغاً ضخماً من خزينة الدولة السورية (يُقدر بـ 300 مليون دولار) مقابل مغادرته البلاد وتخليه عن طموحاته السلطوية.
ومن جهة أخرى، أكد القضاء الفرنسي إلى أن هذه الأموال هي نتاج اختلاس للمال العام السوري وتم تبييضها عبر شبكات معقدة من الشركات الوهمية في ملاذات ضريبية.
إعادة أموال رفعت الأسد إلى سوريا على مراحل
بدأت فرنسا خطواتها التنفيذية الأولى نحو إعادة جزء من الأموال المنهوبة التي تعود لرفعت الأسد، بعد مرور أكثر من أربعة عقود على تهريب مليارات الليرات من خزينة الدولة السورية إلى أوروبا.
وفي هذا السياق، صرح مازن درويش، رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، بأن الحكومة الفرنسية تستعد لتحويل مبلغ 32 مليون يورو من أصول رفعت الأسد إلى دمشق.
وتُعد هذه الدفعة المرحلة الأولى ضمن اتفاقيات التعاون المالي والقانوني المبرمة بين البلدين، والتي تستند إلى قانون التنمية التضامنية ومكافحة اللامساواة العالمية الصادر عام 2021.
وأوضح درويش، في تصريحه لنشرة “سوريا بالأرقام” الصادرة عن مركز كرم شعار للاستشارات، أن المبلغ المذكور يمثل الدفعة الأولية من عملية استعادة الأموال المصادَرة.
وأشار إلى أن الجهود مستمرة لتوسيع نطاق المصادرات لتصل إلى أكثر من 80 مليون يورو، والتي تتضمن عقارات فاخرة في باريس ومدن فرنسية أخرى.
كما كشف عن توقيع بروتوكولات تعاون مالي بين الحكومتين السورية والفرنسية لتحديد أوجه صرف هذه الأموال، حيث من المتوقع تخصيصها لتمويل مشاريع تنموية وإنسانية داخل سوريا.
وفي سياق متصل، لفت درويش إلى وجود تحركات قانونية في إسبانيا لتتبع ممتلكات إضافية تعود لرفعت الأسد.
وأكد أن “الإصرار القانوني والمجتمعي على العدالة أثبت أنه لا يوجد طريق مسدود أمام الضحايا”، مستشهداً بمذكرة التوقيف الدولية الصادرة عام 2023 بحق بشار الأسد، والتي وصفها بأنها “سابقة تاريخية أثبتت أن العدالة يمكن أن تطال الجميع مهما طال الزمن”.
بالإضافة إلى ذلك، كشف درويش عن دعوى قضائية مرتقبة في الدنمارك ضد شركة دنماركية قامت بتزويد الطائرات الروسية بالوقود بين عامي 2015 و2017، وذلك بهدف محاسبة الشركات المتورطة في دعم جرائم الحرب والمطالبة بتعويض الضحايا.
وأكدت مصادر، أن المحاكم الفرنسية كانت قد رفضت سابقًا إعادة الأموال إلى النظام السوري المخلوع، خشية استخدامها في قمع المدنيين. وتميّز الترتيب الحالي بضمانات قانونية ملزمة بشأن أوجه استخدام الأموال المستردة.
وتُقدَّر قيمة أصول رفعت الأسد المصادَرة في فرنسا بنحو 100 مليون دولار، فيما يُعتقد أن الأصول المجمّدة في إسبانيا تبلغ قرابة 700 مليون دولار.
وفي وقت سابق، أكد رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عامر العلي أن استرداد الأصول غير المشروعة يشكل أساسا لبناء اقتصاد مستقر وعادل، وخطوة مهمة نحو تجديد الثقة بين الدولة والشعب، وذلك خلال كلمته في اجتماع الشبكة الإقليمية لاسترداد الأصول (مينا-أرين) المنعقد في المملكة العربية السعودية.
وقال العلي في ذلك الوقت، إن استرداد الأصول لا يقتصر على البعد المالي، بل يعد جزءا من عملية بناء مستقبل اقتصادي مستدام وتشاركي يضمن العيش الكريم في بيئة يسودها القانون، مجددا التزام سوريا بالتعاون الدولي والعمل مع الدول الأعضاء لاستعادة الأموال المنهوبة.







