رياضة

ثورة الكرة النرويجية.. كيف صنع «الفايكنغ» جيلاً ذهبياً؟

لم يعد تأهل منتخب النرويج إلى ربع نهائي كأس العالم 2026 مفاجأة عابرة، بل أصبح ثمرة مشروع طويل الأمد بدأ قبل أكثر من عقد، غيّر فلسفة تطوير اللاعبين، واستثمر في البنية التحتية، ووضع الإنسان قبل اللاعب، ليصنع أحد أبرز المنتخبات الصاعدة في العالم.

وقبل المواجهة المرتقبة أمام إنجلترا، يؤكد المسؤولون عن المشروع أن ما تحقق حتى الآن ليس سوى البداية، سواء انتهت المغامرة في ربع النهائي أم استمرت إلى أبعد من ذلك، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «ديلي ميل».

ويقف هاكون غروتلاند، رئيس قسم تطوير اللاعبين في الاتحاد النرويجي منذ عام 2013، خلف الخطة التي أعادت تشكيل كرة القدم في البلاد، ويعد أيضاً أول من اكتشف موهبة مارتن أوديغارد عندما كان طفلاً، وهو ما غيّر نظرته بالكامل إلى كيفية صناعة المواهب.

وقال غروتلاند: إن تجربة أوديغارد دفعت الاتحاد إلى إعادة التفكير في منظومة اكتشاف اللاعبين وتطويرهم، مؤكداً أن النرويج احتاجت إلى نموذج واضح وموحد بدلاً من العمل بأساليب متفرقة.

وكشف غروتلاند أن الاتحاد النرويجي اضطر إلى كسر إحدى قواعده الأساسية من أجل أوديغارد، إذ كانت اللوائح تمنع اختيار اللاعبين قبل بلوغهم 12 عاماً، لكن موهبته الاستثنائية دفعت المسؤولين إلى استثناء نادر، وقال: «كان مميزاً للغاية، عبقرياً يرى حلولاً لا يلاحظها حتى المدربون».

ومنذ ذلك الوقت، تغير مفهوم الموهبة في النرويج، ليصبح التركيز على اللاعب الأكثر قدرة على تطوير نفسه، وليس فقط الأكثر سرعة أو قوة بدنية، ولذا أنشأ الاتحاد النرويجي ما يعرف بمدرسة المنتخب الوطني، وهي منظومة تدريب موحدة يمر بها معظم اللاعبين الدوليين.

ويواصل اللاعبون حتى سن الثانية عشرة اللعب مع أنديتهم المحلية، قبل الانضمام إلى برامج تطوير يشرف عليها أفضل المدربين، مع استمرار ارتباطهم بأنديتهم، ثم ينتقلون لاحقاً إلى أكاديميات الأندية الكبرى في سن 15 عاماً تقريباً، ويؤكد الاتحاد أن غالبية لاعبي المنتخب الحالي تخرجوا من هذا النظام.

ولم يقتصر المشروع على تطوير المواهب فقط، بل شمل تحديث الملاعب والمنشآت الرياضية، وخلال السنوات العشر الماضية تم إنشاء 539 ملعباً صناعياً جديداً، وتجديد 586 ملعباً، ومضاعفة أعداد المدربين الحاصلين على رخص الاتحاد الأوروبي،

وإنشاء نظام لتقييم أكاديميات الأندية، وتعزيز التعاون المستمر بين جميع الأندية والاتحاد، كما تبنت الأندية رقابة مالية صارمة جعلت معظمها يعمل بفوائض مالية مستقرة.

ولم تظهر نتائج المشروع مع المنتخب فقط، بل أيضاً على مستوى الأندية، إذ تحول نادي بودو/غليمت، إلى أحد أبرز قصص النجاح في أوروبا، بعدما بلغ الأدوار الإقصائية لدوري أبطال أوروبا وحقق انتصارات كبيرة على أندية عملاقة،

ويرى المدير الرياضي جريج بروتون أن سر النجاح يكمن في وضوح الهوية والاستثمار طويل الأجل في تطوير اللاعبين بدلاً من تقليد مدارس كروية أخرى.

ويرى القائمون على المشروع أن أهم إنجاز لم يكن إنتاج لاعبين كبار فقط، بل بناء شخصيات متواضعة تعمل من أجل الفريق، ويقول غروتلاند: إن فلسفة الاتحاد تقوم على تطوير اللاعب والإنسان معاً، والعمل الجماعي فوق النجومية الفردية، وغرس عقلية التعلم المستمر، ورفض الأنانية داخل المنتخب،

وأضاف: «لا مكان للأنانية أو للوقاحة، ولدينا رجال إيجابيون يعملون من أجل الفريق».

ويشير المسؤولون إلى أن نجاح التجربة النرويجية يرتبط أيضاً بثقافة المجتمع في العمل التطوعي والتضحية من أجل المصلحة العامة، وتنعكس هذه الثقافة داخل الأندية والمنتخب، حيث يضع اللاعبون مصلحة الفريق فوق أي اعتبارات شخصية.

وبات الأطفال في النرويج يرتدون قمصان إيرلينغ هالاند ومارتن أوديغارد بدلاً من قمصان ليونيل ميسي أو كريستيانو رونالدو، في مشهد يعكس حجم التأثير الذي تركه الجيل الحالي، ولا يقتصر التألق على الثنائي الشهير،

إذ برز أيضاً لاعبون مثل أنطونيو نوسا وباتريك بيرغ، الذي يعتبره كثيرون أحد أفضل لاعبي النرويج في البطولة الحالية، ورغم الإنجاز التاريخي بوصول النرويج إلى ربع نهائي كأس العالم للمرة الأولى منذ 28 عاماً، يرفض المسؤولون اعتبار ما تحقق نهاية المشروع.

ويؤكد غروتلاند أن المنتخب الحالي يجني ثمار استثمارات بدأت قبل سنوات طويلة، وأن الهدف الحقيقي هو استمرار إنتاج المواهب جيلاً بعد جيل، بغض النظر عن نتيجة مواجهة إنجلترا،

ويختتم قائلاً: «قبل 15 عاماً كنا ننتج لاعبين دفاعيين مجتهدين فقط، أما اليوم، صنعنا جيلاً من اللاعبين المبدعين، إنها ثورة حقيقية في تطوير كرة القدم النرويجية، وما تحقق حتى الآن ليس سوى البداية».

البيان

Related Articles

Back to top button