تتزايد تكاليف الزواج في سوريا عاماً بعد آخر، في ظل ارتفاع أسعار الخدمات والسلع المرتبطة بحفلات الزفاف وتجهيزاتها،
ما يفرض أعباء مالية كبيرة على الأسر والشباب المقبلين على الزواج، وبين صالات الأفراح والضيافة والتصوير والذهب وتجهيزات العروس، تتحول “ليلة العمر” بالنسبة لكثيرين إلى مشروع مالي يحتاج إلى تخطيط طويل وتدبير دقيق للموارد.
ومن داخل إحدى صالات الأفراح في دمشق، أوضحت موظفة الحجز بتول صبح أن الباقات المتاحة تبدأ من نحو 6 ملايين ليرة سورية، وقد تصل إلى 20 أو 25 مليون ليرة بحسب عدد المدعوين والخدمات المطلوبة.
وأضافت أن السعر يشمل الصالة والطاولات والإضاءة ومنسق الموسيقى وبعض الديكورات الأساسية، مشيرة إلى وجود طلب على الحفلات الفخمة رغم الظروف الاقتصادية، ولا سيما من العائلات التي تنظر إلى العرس بوصفه مناسبة اجتماعية مهمة.
وفي صالة أخرى، أوضح أحد المشرفين الذين التقتهم “الثورة السورية” أن الأسعار تختلف باختلاف الموسم، لافتاً إلى أن حفلة تضم 150 مدعواً مع الضيافة والعشاء قد تتجاوز 15 مليون ليرة بسهولة، خاصة عند اختيار بوفيه مفتوح أو إضافات خاصة بالزينة والخدمات.
في المقابل، أشار محمد حسن صاحب إحدى الصالات الشعبية في منطقة الغاب إلى أن كثيراً من العائلات باتت تتجه نحو الحفلات المختصرة، حيث يكتفي بعضها بتقديم القهوة والعصير فقط نتيجة ارتفاع تكاليف الطعام والضيافة.
الطعام والضيافة.. الطبخة الأغلى في الحفل
داخل مطبخ إحدى شركات الضيافة، أوضح الشيف عمار لاذقاني أن لوائح الأسعار شهدت تغيرات متكررة خلال الأشهر الماضية نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
وأشار إلى أن تكلفة ضيافة عرس يضم نحو 150 شخصاً تبدأ من 5 ملايين ليرة، وقد تتجاوز 18 مليون ليرة في الأعراس الكبيرة تبعاً لنوعية اللحوم وعدد الأصناف المقدمة.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الأرز والزيوت واللحوم دفع كثيراً من العائلات إلى تقليص عدد المدعوين أو تخفيض مستوى الضيافة، مبيناً أن تكلفة الطاولة الواحدة لستة أشخاص تجاوزت مليون ليرة سورية.
التصوير.. ذاكرة تبقى أم عبء إضافي
في أحد استديوهات التصوير بمنطقة مشروع دمر في دمشق، أوضحت المصورة إيمان. غ أن خدمات التصوير شهدت تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة مع انتشار تقنيات التصوير الجوي والمونتاج السينمائي.
وقالت إن الباقات تبدأ من نحو 3 ملايين ليرة للتصوير الأساسي مع إعداد مقطع ترويجي، وقد تصل إلى 6 أو 7 ملايين ليرة، بينما ترتفع إلى نحو 1500 دولار في الباقات المتقدمة التي تشمل التصوير بالطائرات المسيرة والجلسات الخارجية والمونتاج الاحترافي.
وأضافت أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً كبيراً في رفع سقف التوقعات لدى العرسان، حيث يسعى كثير منهم للحصول على محتوى بصري يحاكي أعراس المشاهير.
من جانبه، أشار المصور منصور الراعي في اللاذقية إلى أن بعض الأزواج قد يقلصون نفقات الطعام أو الزينة، لكنهم يتمسكون بخدمة التصوير باعتبارها الذاكرة الأهم التي تبقى بعد انتهاء الحفل.
الورد والكوشة.. ملايين تدفع من أجل ساعات
في أحد محال الزهور بمدينة جبلة، أوضح علي العباس وهو أحد منسقي الحفلات أن الورد الطبيعي أصبح من أكثر بنود الزينة تكلفة، ولا سيما الورود المستوردة مثل الجوري والليليوم والأوركيد.
وبيّن أن تنسيقاً بسيطاً للقاعة قد يبدأ من مليوني ليرة، في حين قد تتجاوز تكلفة بعض الكوشات الفخمة 10 ملايين ليرة عند استخدام كميات كبيرة من الورود المستوردة.
وأضاف أن عدداً متزايداً من العائلات بدأ يلجأ إلى الورود الصناعية أو الديكورات البسيطة بهدف تخفيف الأعباء المالية.
فستان العروس.. حلم أبيض بأسعار صادمة
وخلال جولة أجرتها “الثورة السورية” في سوق العرائس بمنطقة الحميدية في دمشق، أوضحت آلاء الدبس، صاحبة محل لتأجير فساتين الزفاف، أن أسعار الإيجار تبدأ من 3 ملايين ليرة وقد تصل إلى 10 ملايين ليرة بحسب الموديل ونوع التطريز والعلامة التجارية.
وأضافت أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على اختيارات العرائس، إذ تتجه كثيرات إلى موديلات مستوحاة من التصاميم اللبنانية والخليجية.
بدورها، أشارت ماريا الدبس إلى أن عدداً كبيراً من العرائس يقمن بجولات طويلة بين المحال بحثاً عن خيارات أقل تكلفة تتناسب مع إمكاناتهن المادية.
مكياج العروس بين الفخامة والبساطة
في أحد صالونات التجميل النسائية بمدينة اللاذقية، أوضحت صاحبة الصالون نسرين حيدر أن أسعار خدمات العرائس تختلف بحسب نوع المكياج والخدمات المرافقة.
وقالت إن الباقة الكاملة التي تشمل المكياج وتسريحة الشعر والعناية بالبشرة والرموش والأظافر تبدأ من نحو مليون ونصف المليون ليرة، وقد تصل إلى 8 ملايين ليرة في بعض الحالات.
وأضافت أن كثيراً من العرائس يفضلن الحجز المسبق قبل أشهر خشية ارتفاع الأسعار أو امتلاء المواعيد خلال مواسم الأعراس.
الذهب.. الرقم الأصعب في المعادلة
في سوق الصاغة بمنطقة الحريقة في دمشق، يؤكد عدد من العاملين في المهنة أن الذهب بات يشكل العبء الأكبر ضمن تكاليف الزواج.
وأوضح حسان العبد الله وهو أحد الصاغة أن أسعار الذهب الحالية دفعت كثيراً من العائلات إلى الاكتفاء بشبكات بسيطة أو رمزية، مشيراً إلى أن تكلفة الشبكة المتوسطة قد تتراوح بين 20 و80 مليون ليرة سورية بحسب عدد القطع والعيار المستخدم.
وأضاف أن كثيراً من العرائس أصبحن يكتفين بقطعة أو قطعتين فقط بما يتناسب مع الإمكانات المتاحة.
وتشير الأسعار التي رصدتها “الثورة السورية” إلى أن تكلفة حفل الزواج قد تتراوح بين عشرات الملايين وأكثر من مئة مليون ليرة سورية، تبعاً لمستوى الخدمات المختارة وعدد المدعوين وقيمة الذهب والمستلزمات المرافقة، وذلك من دون احتساب تكاليف السكن وتجهيز المنزل والأثاث والأجهزة الكهربائية.
شباب بين الحب والدَّين
يقول محمد مارديني، البالغ من العمر 29 عاماً والمقبل على الزواج، إن تقليص عدد المدعوين وخفض بعض النفقات لم يكن كافياً لتجاوز صعوبات التكاليف المرتفعة.
وأضاف: “أشعر أحياناً أن الزواج أصبح مشروعاً اقتصادياً أكثر منه بداية حياة جديدة”.
أما خطيبته سارة السيد فتقول إنها كانت تفضل حفلاً بسيطاً، إلا أن الضغوط الاجتماعية والمقارنات المستمرة تجعل الالتزام بالبساطة أمراً صعباً بالنسبة لكثير من العائلات.
وترى الباحثة الاجتماعية مجد كاميران الوسي أن الأعراس ما تزال تمثل بالنسبة للسوريين مناسبة تحمل أبعاداً اجتماعية وإنسانية تتجاوز الاحتفال بحد ذاته، إلا أن الظروف الاقتصادية الحالية جعلت من الزواج تحدياً حقيقياً لكثير من الأسر والشباب.
وتوضح أن ارتفاع تكاليف المهر والذهب وتجهيز المنزل وإقامة الحفل يدفع بعض العائلات إلى الاستدانة أو تأجيل الزواج، في حين يواجه الشباب ضغوطاً متزايدة نتيجة المقارنات الاجتماعية والرغبة في إقامة حفلات تتوافق مع التوقعات السائدة.
وتشدد على أهمية تعزيز ثقافة التيسير في الزواج، وتشجيع الأعراس البسيطة التي تراعي الإمكانات المادية للعائلات، بما يسهم في تخفيف الأعباء المالية ومنح الشباب فرصة لبناء حياة مستقرة بعيداً عن الديون والضغوط الاقتصادية.
وتقترح الوسي مجموعة من الخطوات التي قد تسهم في تخفيف أعباء الزواج، من بينها التركيز على الأولويات الأساسية، وتقليل النفقات غير الضرورية، والاتفاق المسبق بين العائلتين على ميزانية واقعية،
إضافة إلى تشجيع المبادرات المجتمعية الداعمة للشباب والأعراس الجماعية، بما يساعد على تحقيق التوازن بين متطلبات الفرح والإمكانات المادية المتاحة.
الثورة السورية – ديما صابر
