تذبذب الليرة السورية يربك الأسواق ويعمّق اختلالات التسعير

تشهد الليرة السورية تقلبات حادة في قيمتها أمام الدولار الأميركي، مع انتقال التذبذب إلى مستويات يومية ولحظية انعكست مباشرة على آليات التسعير وحركة الأسواق.

ويأتي ذلك في ظل ضغوط اقتصادية وإنتاجية متداخلة أسهمت في تعميق حالة عدم الاستقرار وارتباك قرارات البيع والشراء.

وبعد فترة استقرار نسبي قرب مستويات 110 و120 ليرة جديدة (11,000-12,000 ليرة قديمة) للدولار، بدأت الليرة مسار التراجع منذ آذار الماضي، لتصل إلى 143 ليرة (14,300 ليرة قديمة) للدولار، مع تسجيل تقلبات حادة.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن آلية تسعير السلع والخدمات في الاقتصاد المستقر تعتمد على حساب تكلفة الإنتاج أو الاستيراد مضافاً إليها هامش الربح وتكاليف التشغيل،

لكن في بيئة يسودها التذبذب اللحظي لسعر الصرف تصبح هذه المعادلة التقليدية غير قابلة للتطبيق، حيث يتجه التجار والبائعون تلقائياً إلى ما يُعرف بـ”التسعير التحوطي” أو “تسعير التكلفة الاستبدالية”.

وأوضح قوشجي لصحيفة “الثورة السورية”، أن التاجر في هذه البيئة لا يعود مهتماً بما دفعه فعلياً لشراء البضاعة الموجودة على الرف، لكنه يركز على “كم سيكلفه شراء بضاعة بديلة عنها غداً؟”، وهذا الخوف من خسارة رأس المال يدفع الأسواق إلى رفع الأسعار بشكل فوري ولحظي مع أي انخفاض لليرة وبنسبة أكبر من نسبة انخفاض سعر الصرف.

وبينما يمتنع التجار عن خفض الأسعار بالسرعة ذاتها عند تحسن الليرة، خوفاً من ارتدادات مفاجئة، فإن النتيجة تنعكس “فوضى” في الأسواق، وتفاوت في سعر السلعة الواحدة بين متجر وآخر، وحتى بين ساعة وأخرى، وفق قوشجي.

هيكلية الاقتصاد

يرى قوشجي أن الجذر الحقيقي لسرعة تأثر الأسعار المحلية بتذبذب الدولار يعود إلى هيكلية الاقتصاد السوري الحالية، والتي تعاني من اختلال عميق في ميزانها التجاري. فالاعتماد المفرط على الاستيراد جعل الأسواق المحلية تعتمد بشكل شبه كامل على الخارج لتأمين الطيف الأكبر من السلع،

بدءاً من المواد الخام والملحقات الصناعية، وصولاً إلى المواد الغذائية الأساسية وحوامل الطاقة (النفط والغاز). وهذا يعني أن أي حركة للدولار تُترجم فوراً وبشكل تلقائي إلى ارتفاع في تكلفة معيشة المواطن اليومية.

بالمقابل، تراجعت الصادرات السورية الصناعية والزراعية بشكل حاد نتيجة تضرر البنية التحتية ونقص الطاقة وصعوبة الشحن والتحويلات المالية، بحسب قوشجي.

فضعف التصدير يعني غياب القناة الرئيسية لتوليد وتدفق النقد الأجنبي الدولار إلى داخل البلاد، مما يترك المصرف المركزي والأسواق في حالة عطش دائم للقطع الأجنبي، ويجعل الليرة مكشوفة تماماً أمام أي مضاربة أو شائعة.

من جهته، أوضح المحلل الاقتصادي سامر مصطفى، أن هذا التذبذب يعود إلى تداخل ضغوط عدة، أولها ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، إذ إن أي اضطراب في هذا الملف ينعكس مباشرة على اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد.

كما أن تحسن بعض الأنشطة الإنتاجية، رغم كونه إيجابياً، أسهم في زيادة الطلب على القطع الأجنبي لتمويل استيراد المواد الأولية، وهي حالة يمكن وصفها بأنها “تكلفة أولية للتعافي”.

وأضاف مصطفى لصحيفة “الثورة السورية” أن العامل الموسمي يلعب دوراً مهماً، فمع انتهاء موسم الحوالات المرتبط بالأعياد تراجعت التدفقات المالية التي شكلت ركيزة أساسية لاستقرار السوق.

وفي الوقت نفسه، برز العامل النفسي كقوة دافعة للتذبذب، إذ دفعت حالة الترقب بعض الأفراد والتجار إلى التوجه نحو شراء الدولار والذهب كوسيلة للحماية، ما خلق طلباً إضافياً غير مرتبط بالإنتاج أو الاستهلاك الحقيقي.

تأثيرات متداخلة

من بين التأثيرات الناتجة عن التذبذب اللحظي لسعر الصرف “شلل الأسواق وانكماش حركة البيع والشراء”، وفق قوشجي.

وأوضح أن هذا “المزيج المعقد” من تقلبات سعر الصرف وفوضى التسعير أدى إلى نتيجة حتمية تتمثل بـ”ركود تضخمي خانق واهتزاز شديد” في حركة البيع والشراء، وهو ما يظهر بوضوح عبر سلوك طرفي العملية الاقتصادية:

– سلوك المستهلك (الانكفاء): مع تآكل القدرة الشرائية للأجور، بات المستهلك يتبع سياسة “اقتصاد الصمود”، حيث تقتصر المشتريات على الحد الأدنى من الغذاء والدواء.

وقد دفع غياب استقرار الأسعار المواطنين أيضاً إلى الإحجام عن الشراء بانتظار وضوح الرؤية، أو الهروب فوراً للتخلص من السيولة بالليرة عبر شراء الدولار الأميركي، مما يعني زيادة الطلب عليه وارتفاعه مجدداً.

– سلوك التاجر (تجميد البيع): في كثير من الأحيان، وعندما تشتد وتيرة التقلبات اللحظية، يفضل الكثير من التجار إغلاق مستودعاتهم أو “تجميد البيع” مؤقتاً، إذ إن البيع بالليرة في لحظة هبوط سريع يعني تكبد خسائر فادحة عند الرغبة في تجديد البضاعة.

حزمة متكاملة

يشير قوشجي إلى أن التذبذب اللحظي مرآة لواقع إنتاجي مأزوم، وأي محاولة لضبط الأسواق عبر الرقابة الإدارية الصارمة وحدها لن تؤدي إلا إلى اختفاء السلع وظهور الأسواق السوداء.

وأوضح أن المخرج الحقيقي يتطلب حزمة متكاملة تبدأ من تحفيز الإنتاج المحلي لإحلال بدائل المستوردات، وتقديم تسهيلات لقطاعي الزراعة والصناعات التحويلية بهدف إحياء الصادرات،

بالتوازي مع سياسات نقدية قادرة على توفير قنوات رسمية مستقرة لتمويل المستوردات، بما يسهم في إعادة بناء الثقة المفقودة في الدورة الاقتصادية.

الثورة السورية – ميساء العلي

Exit mobile version