
يطرح ملف الأنقاض في دمشق وريفها إشكالية تعيق إعادة الإعمار، إذ لا يقتصر على إزالة الركام، بل على تحديات الملكية والتنظيم العمراني والاستثمار.
يشكل ملف الأنقاض في دمشق وريفها أحد أكثر التحديات تعقيداً في مسار التعافي وإعادة الإعمار، ليس فقط من حيث الحجم الهائل للركام، بل أيضاً لما يحمله من أبعاد تتّصل بحقوق الملكية وإعادة تشكيل المشهد العمراني في المناطق المتضررة.
وبدأت أعمال إزالة الأنقاض في عدد من مناطق ريف دمشق، في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، انطلاقاً من مدينة داريا، في أحد أوائل المشاريع المنظمة لمعالجة الملف.
وبحسب معطيات محافظة دمشق، يستهدف المشروع رفع ما لا يقلّ عن 85,500 متر مكعب من الأنقاض، موزّعة بين 46,500 متر مكعب في دوما و39,000 متر مكعب في داريا، وفق معايير فنية تهدف إلى ضمان السلامة العامة والتخلص الآمن من مخلفات الحرب.
وحتى الآن، رُحِّل أكثر من 75 ألف متر مكعب من الركام، ما يعكس تقدّماً تنفيذياً ملحوظاً مقارنة بالمراحل الأولى من العمل، خصوصاً في ظل التعقيدات اللوجستية المرتبطة بعمليات النقل والمعالجة.
وتُنفّذ هذه العمليات عبر فرق الدفاع المدني السوري بتمويل سعودي، ولا تقتصر الأعمال على الترحيل، بل تشمل أيضاً إدارة أكثر تقدماً للأنقاض.
ويجري تجهيز موقع خاص في مدينة داريا لإنشاء وحدة متخصصة بإدارة الركام وتدويره، يُتوقع أن تعالج نحو 30 ألف متر مكعب، عبر تحويله إلى مواد قابلة للاستخدام في تجهيز الطرقات والأرصفة، وهو توجّه يعكس محاولة للاستفادة من الركام بدلاً من الاكتفاء بترحيله.
ورغم أهمية هذه الأرقام، فإنها تبقى محدودة مقارنة بحجم الأنقاض في ريف دمشق، الذي يُقدّر بنحو 3 ملايين متر مكعب، ما يبرز فجوة كبيرة بين حجم الدمار وجهود الإزالة، ولا سيّما في المناطق التي شهدت دماراً واسعاً مثل حرستا والحجر الأسود وأجزاء كبيرة من داريا.
وأُطلقت حملة في وادي بردى شملت بلدتَي بسيمة وعين الفيجة، بهدف إزالة نحو 15 ألف متر مكعب من الأنقاض، في إطار تحسين الواقع الخدمي وفتح الطرقات وإتاحة المجال أمام عودة تدريجية للسكان.
وتشير التقديرات إلى أن دمشق وريفها يتضمنان عدداً من المناطق الأكثر تضرراً، إذ يتركز حجم الدمار في داريا ودوما والقابون وجوبر والحجر الأسود وحرستا. في داريا ودوما وحدهما، بلغت كميات الأنقاض المزالة نحو 85,500 متر مكعب، ولا تزال ملايين الأطنان من الركام باقية، ما يعكس الحاجة إلى خطط طويلة الأمد لإعادة التأهيل.
وتبرز أهمية هذه المناطق باعتبارها مناطق مكتظة، فضلاً عن وجود مرافق خدمية وبنية تحتية متضررة بشكل كبير، ما يجعل إعادة الإعمار أكثر تعقيداً مقارنة بالمناطق التي شهدت دماراً جزئياً فقط. ويرتبط التحدي الأساسي في تطبيق تصاميم تنظيمية حديثة وتثبيت الملكيات قبل الشروع في إعادة البناء، لضمان استفادة السكان الأصليين وحماية حقوقهم، مع تهيئة بيئة مناسبة لجذب الاستثمارات من دون الإضرار بالملكية الفردية أو البنية المجتمعية.
ورغم الطابع الخدمي، فإن ملف الأنقاض يُنظر إليه كمدخل مباشر لملف أكثر تعقيداً يتعلق بالملكية العقارية. من بسيمة، إحدى بلدات وادي بردى، يقول محمد عمران لـ”العربي الجديد” إنّ إزالة الأنقاض حسّنت الحركة داخل البلدة، لكنها لم تُترجم إلى تحسن ملموس في ظل غياب البنية التحتية الأساسية.
ويشير إلى أن “الإشكالية الأبرز تكمن في غياب الإجراءات المرتبطة بالملكيات الخاصة، ولا سيّما في الحالات التي تُزال فيها الأنقاض من دون وجود مسار محدد لإعادة البناء أو التعويض، ما يدفع بعض السكان إلى التريّث في تقديم طلبات إزالة أنقاض منازلهم”.
في المقابل، يطرح قاسم برو، من القابون، زاوية مختلفة ترتبط بالبُعد الاستثماري لملف الأنقاض. ويوضح لـ”العربي الجديد” أن إزالة الركام تُستخدَم مدخلاً لإعادة طرح الأراضي ضمن صيغ استثمارية، لافتاً إلى وجود مفاوضات غير رسمية مع مستثمرين تتضمن نماذج شراكة تمنحهم نحو 50% من الحصص التنظيمية مقابل تمويل مشاريع إعادة الإعمار.
ويرى أن هذه الصيغة تعكس خللاً في ميزان التفاوض، في ظل عدم قدرة عدد كبير من المالكين على تمويل إعادة البناء بشكل مستقل، وغياب تقييمات رسمية واضحة لقيمة العقارات قبل الدمار. ويحذّر من أن غياب إطار قانوني مستقر قد يؤدي إلى تفاوت كبير في شروط الاتفاقيات، بما يفتح المجال أمام إعادة توزيع الملكيات بشكل غير متكافئ، خصوصاً إذا جرى التعامل مع الأنقاض بمعزل عن توثيق الحقوق بشكل دقيق.
وتشير المعطيات إلى أن ملف إعادة الإعمار في دمشق وريفها يلتقي مباشرةً مع فرص الاستثمار، سواء من خلال مشاركة شركات وطنية أو دولية، أو عبر صيغ شراكة تمنح مستثمرين حصصاً من المشاريع مقابل تمويلها.
وتطرح هذه الصيغ تحديات واضحة، وخصوصاً ما يتعلق بقدرة السكان على المشاركة أو المنافسة، وضرورة وضع معايير عادلة لتوزيع الحصص، وربط أي مشاريع استثمارية بحقوق أصحاب الملكيات المتضررة، لضمان أن تكون إعادة الإعمار متوازنة بين البعد الاقتصادي والخدمي والقانوني.
وتحاول الحكومة تقديم رؤية أشمل لملف إعادة الإعمار، تربط بين إزالة الأنقاض والتنظيم العمراني وتثبيت الملكيات.
وقال وزير الإدارة المحلية والبيئة محمد عنجراني، على هامش المعرض الدولي للبناء “بيلدكس” الذي عُقد أخيراً في دمشق، إنّ الحكومة تتجه نحو إطلاق مسار شامل لإعادة الإعمار، بدعم مباشر من وزارات عدة، مشيراً إلى تشكيل لجنة خاصة لدعم المناطق المتضررة بهدف تحسين الواقع الخدمي والعمراني والمساهمة في إنهاء الملف.
وأوضح عنجراني لـ”العربي الجديد” أنّ “العمل جارٍ على إعداد دراسات وتصاميم تنظيمية حديثة لإعادة تنظيم هذه المناطق بما يلبّي احتياجات السكان، بالتوازي مع تعزيز الشراكة مع الشركات الوطنية والدولية لتطوير البنية التحتية، وبدء تنفيذ مشاريع لترحيل الأنقاض وتأمين السلامة المدنية وحفظ الملكيات. تتعاون الوزارة مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، وأنهت إعداد التقرير الختامي لتقييم الأضرار والاحتياجات في محافظات مثل حلب، الذي يتضمن خرائط تفصيلية لحجم الأضرار”.
وكشف عن قرب إطلاق منصة رقمية عبر مديرية المصالح العقارية لتثبيت الملكيات، وخصوصاً في المناطق المتضررة،
مؤكداً أن “أولوية الحكومة تتركز على إعادة إعمار المناطق المدمّرة عبر مزيج من التمويل الحكومي والمنح الدولية والاستثمارات الخاصة. هناك أيضاً خطة للتوسع العمراني في منطقة جوبر بريف دمشق ضمن مشاريع إعادة الإعمار، بما يتيح استيعاب أعداد العائدين،
وتوفير بيئة سكنية منظمة ومخدّمة، إلى جانب إعداد دراسة خاصة لإعادة إعمار منطقة القابون، تقوم على تحقيق توازن عادل بين حقوق المستثمرين وأصحاب العقارات المهدمة، ضمن رؤية تضمن العدالة وتحفّز الاستثمار. موازنة إعادة الإعمار متوفرة، مع العمل على تعديل قوانين الإعمار خلال شهرين، بما يعزز مرونة التمويل، ويشجع الشراكات”.
العربي الجديد- نور ملحم













