سياسة

تحديات أمام «مجلس السلام» في غزة.. من الحرب إلى الإعمار

تشكل مبادرة «مجلس السلام»، التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن تقاطعاً جديداً في جهود تحقيق الاستقرار في غزة،

إذ اجتمع أكثر من 47 دولة حول طاولة لإعادة الإعمار، وتعزيز وقف إطلاق النار، وإنهاء الأزمة الإنسانية المدمرة في القطاع.في أول اجتماعاته أعلن المجلس تعهدات مالية ضخمة، تتجاوز 17 مليار دولار لإعادة البناء ودعم الخدمات الأساسية،

كما طرحت رؤية لانسحاب تدريجي للقوات ونشر قوة استقرار دولية، لكن التحديات تبقى جذرية، حتى بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فلا تزال الخروقات اليومية مستمرة، وتلقي بظلالها على الآفاق السياسية.

إعادة الإعمار

يرى خبراء أن نجاح المجلس يعتمد على قدرته في تنظيم جهود إعادة الإعمار، وتنسيق دعم عالمي واسع، إضافة إلى إشراك فاعلين مؤثرين دولياً، معتبرين أن تقديم تعهدات مالية كبيرة واستثمارات قد يحولان المبادرة إلى رافعة ضغط غير مباشرة على الأطراف الميدانية.

مصادر فلسطينية محلية تشدد على أن الاختبار الحقيقي للمجلس لن يكون في التصريحات فقط، بل في قدرته على إجبار إسرائيل على وقف الانتهاكات، ورفع الحصار، واستعادة الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.

يبقى الرأي السائد بين الخبراء أن أي دور حقيقي لـ«مجلس السلام» يتطلب تضامناً دولياً أوسع، وأدوات تنفيذية ملزمة، تتجاوز التفاهمات السياسية الرمزية.

أدوات ضغط

في هذا السياق يقول د. عامر تمام، خبير العلاقات الدولية، إن مجلس السلام يمتلك أدوات ضغط وشكلاً من الثقل السياسي، يمكنه أن يؤثر في مسار الحرب، وإمكانية إطلاق النار في قطاع غزة. ويوضح د. تمام أن القدرة الفعلية للمجلس محدودة نسبياً مقارنة بالقوة الفعلية للولايات المتحدة الأمريكية،

حيث تصل سيطرة واشنطن على أدوات اللعبة إلى نحو 70%.ويضيف أن هذا يعني أن أي نجاح في وقف الحرب أو إطلاق مرحلة إعادة الإعمار في غزة يعتمد بشكل رئيسي على الإرادة السياسية للإدارة الأمريكية،

فإذا أرادت الولايات المتحدة التنفيذ الفوري لأي قرار أو مبادرة فإنها تستطيع أن تفرضه على الأطراف الأخرى، بما في ذلك الحكومة الإسرائيلية.

ويشير إلى أن إسرائيل غالباً ما تحاول التملص من التزاماتها، لكنها لن تتمكن من الاستمرار في أي حرب دون دعم أمريكي، إذ إن الدعم العسكري والسياسي الأمريكي يمثل العمود الفقري لاستمرار الحكومة الحالية، خصوصاً مع ضعف موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام المجتمع الدولي، بسبب قضايا جرائم الحرب.

ويؤكد أن الولايات المتحدة تملك قدرة كبيرة على التأثير على أي قرار يتعلق بالقطاع.ويضيف د.تمام أن هناك دولاً أخرى تمتلك أدوات ضغط وتأثيراً على القرار،

أبرزها مصر وقطر، فمصر تمتلك دوراً محورياً تاريخياً واستراتيجياً في القضية الفلسطينية، ولا يمكن اتخاذ أي قرار في غزة دون موافقتها، فيما تلعب دول الخليج دوراً مالياً وسياسياً مهماً عبر دعم القطاع.

ويقول د. تمام، إن مجلس السلام قد يمتلك قدرة محدودة مقارنة بمجلس الأمن الدولي، خصوصاً أن مجلس الأمن مشلول، بسبب الفيتو الأمريكي، لكن الولايات المتحدة تستطيع تنفيذ أي قرار يصدر عن مجلس السلام بسرعة، ووفق الآلية التي تراها مناسبة.

ويؤكد أن هذا يعكس أن النفوذ الأكبر في غزة مركزي في واشنطن، بينما يبقى دور مجلس السلام داعماً وتنسيقياً، وقادراً على توجيه القرارات، وإظهار التوافق الدولي، لكنه يظل رهين الإرادة الأمريكية في الميدان.أداة أمريكية فعالة.

تأثير مباشر

من جهته يرى خبير العلاقات الدولية، د. محمد ربيع الديهي، أن مجلس السلام الدولي، يمثل أداة مهمة لتحقيق تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، ومعالجة ملفات أخرى إقليمية ودولية، مؤكداً أن دوره يتجاوز مجرد المبادرات الرمزية.

ويضيف أن هذه الفاعلية تأتي في المقام الأول من خلال الولايات المتحدة، بصفتها صاحبة المبادرة وإحدى القوى الكبرى في المجتمع الدولي، التي تمتلك أدوات ضغط كبيرة على إسرائيل سواء سياسية، أو عسكرية، أو اقتصادية،

ما يجعلها قادرة على التأثير المباشر على مواقف الحكومة الإسرائيلية، وضمان تنفيذ أي اتفاقيات تهدئة أو إعادة إعمار.

ويشير الديهي إلى أن مجلس السلام لا يقتصر تأثيره على غزة فقط بل يمتد إلى القضايا الدولية والإقليمية الأخرى، حيث يمكن للدول الكبرى المشاركة التأثير على ملفات متعددة، مستفيدين من وزنهم السياسي والعسكري والإقليمي، ما يتيح تحقيق اختراقات مهمة لتعزيز الاستقرار الدولي، وتقليل احتمالات التصعيد العسكري.

ويختتم بالقول، إن مجلس السلام يمتلك دوراً فاعلاً وحقيقياً في إدارة النزاعات، وإن قدرته على التأثير مرتبطة بشكل وثيق بالإرادة السياسية الأمريكية في الضغط على الأطراف المختلفة، بما يعزز فرص نجاح أي هدنة أو تسوية سلمية، ويضع الأطر اللازمة لتحقيق استقرار دولي نسبي في مناطق الصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى