محليات

انهيار الأبنية قيد الإنشاء في سوريا.. وتساؤلات حول دور الرقابة!

تتكرر حوادث انهيار المنازل قيد الإنشاء في سوريا، وكان آخرها حادثة سُجّلت في مدينة حلب شمال البلاد، في حي كرم المعادي، وأسفرت عن إصابة ثلاثة أشخاص في 4 فبراير/ شباط الجاري.

وتعكس هذه الحوادث ضعف الرقابة وغياب الالتزام بالشروط الهندسية للبناء، في ظل إقبال السكان على البناء في عدة محافظات سعياً للاستقرار في مسكن.

في أغسطس/آب 2025، سُجّل انهيار مبنى سكني في بلدة الزربة جنوب محافظة حلب، ما أسفر عن وفاة ثلاثة أشخاص وإصابة ثمانية آخرين.

وتبع ذلك في سبتمبر/أيلول 2025 حادث مماثل في منطقة القصير بريف حمص الجنوبي الغربي، أدى إلى إصابة ستة عمال.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، توفي عاملان وأصيب اثنان آخران إثر انهيار مبنى سكني طابقي قيد الإنشاء في حي كرم القاطرجي بمدينة حلب.

وتعزو المهندسة المدنية علا بوشي تكرار حوادث انهيار الأبنية قيد الإنشاء في عدد من محافظات سورية إلى جملة من الأسباب. ومن أبرزها غياب الرقابة من الجهات المعنية على الأبنية،

مشيرة إلى أن بعض العمال يباشرون العمل من دون العودة إلى المعايير والأسس الهندسية المعتمدة.

وتبين بوشي، في حديثها لـ “العربي الجديد”، أن من بين العوامل المؤثرة أيضاً غياب الفحوصات الخاصة بنوعية التربة التي يقام عليها البناء، إلى جانب عدم الالتزام بالمواصفات الفنية المتعلقة بحديد التسليح، سواء من حيث عدد القضبان المستخدمة أوالمسافات ضمن أعمال التسليح.

وأشارت إلى أن بعض المقاولين والعاملين في مجال الإنشاءات لا يلتزمون بالأكواد الهندسية المعتمدة خلال تنفيذ هذه الأعمال.

وتشير المتحدثة إلى أن من بين الأسباب الفنية أيضاً ما يعرف بـ “تعشيش الخرسانة”، وهو ظهور فراغات أو فجوات داخل الكتلة الخرسانية نتيجة استخدام معدات يدوية في توزيع الخرسانة خلال عمليات الصب، من دون استخدام أجهزة الرج (الهزازات) المخصصة لضمان اندماج المكونات وطرد الهواء.

كما تلفت إلى أن فكّ القوالب الخشبية قبل انقضاء المدة الزمنية المحددة لتصلب الخرسانة يُعدّ عامل خطر إضافي، إذ يعرّض العناصر الإنشائية للتشقق أو الانهيار قبل بلوغها مقاومتها المطلوبة.

وتؤكد بوشي أن غياب الرقابة من قبل مهندسين مختصين يُعدّ من الأسباب الرئيسية لتكرار هذه الحوادث، مشددة على ضرورة تفعيل دور الرقابة في هذا المجال. كما تلفت إلى أهمية إجراء اختبارات الخرسانة، للتحقق من مقاومتها وقدرتها على التحمل.

ولجأ سوريون خلال الأشهر الماضية إلى مقاولين وعاملين في مجال الإنشاءات للبناء بشكل مباشر، ولاسيما عند بناء منازل لا تتجاوز ثلاثة طوابق، وذلك بهدف خفض التكاليف والتقليل من الأعباء المادية.

ومنهم الأربعيني عصام العبد الله، الذي كان يقيم في مخيم للنازحين في منطقة دير حسان شمال إدلب قبل أن يقرر خوض تجربة البناء سعياً لتأمين مسكن أكثر استقراراً لعائلته.

وأوضح العبد الله، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن عملية البناء جرت بطريقة تقليدية في إحدى مناطق بريف حمص الشمالي، مشيراً إلى وقوع بعض الأخطاء التنفيذية من قبل العمال، إلا أنها لم تؤثر على سلامة البناء، بحسب تقديره.

وبيّن أنه عاش حالة من القلق خلال عملية صب السقف، نظراً إلى حساسية هذه المرحلة، لكنه شعر بالاطمئنان بعد فك القوالب الخشبية.

وأكد أنه لم يستعن بمكتب هندسي للإشراف على البناء، وأن عمليات خلط البيتون تمت باستخدام خلاطة عادية، اعتماداً على خبرة مالك الخلاطة والمقاول.

وتجري عمليات البناء في معظم المحافظات السورية حالياً من دون تدقيق أو رقابة من قبل البلديات ومجالس المدن، ويقتصر تدخلها غالباً على الحالات التي تتعلق بتسجيل تعديات على الأراضي العائدة لملكية الدولة أو الطرق.

ولتجنب حوادث انهيار الأبنية قيد الإنشاء، شدد المهندس عمار الدو في حديثه لـ”العربي الجديد” على ضرورة الالتزام بالتشريعات والقرارات للامتثال لكود البناء المقاوم للزلازل، ومنع التلاعب بمواد البناء أو تخفيض كمياتها من قبل المتعهدين،

لافتاً إلى أهمية “التدقيق الفعلي من قبل مهندسين معتمدين لضمان جودة التصاميم والتنفيذ، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات سطحية مثل تقوية عمود واحد فقط، كما يحدث أحياناً”.

وأكد ضرورة “محاسبة البلديات والمسؤولين فيها عند وقوع مثل هذه الحوادث، وتطهير ملف التراخيص، وتشديد الرقابة لضمان عدم صدور تصاريح لأي منشآت معيبة أو مخالفة”.

ورغم خطورة حوادث انهيار الأبنية قيد الإنشاء، يرى المقاول وائل المحمد، في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن مسؤولية تجنب الأخطاء تقع على عاتق المقاول أو المنفذ، ولا سيما في ظل غياب الجهات الرقابية أو الإشراف الهندسي.

ويشير إلى أن معظم هذه الحوادث تقع خلال مرحلة صب الأسقف، مرجعاً ذلك إلى أخطاء في التدعيم وطريقة توزيع الخرسانة، خاصة مع استخدام الخلاطات التقليدية من دون الاعتماد على مضخات الإسمنت التي تضمن توزيعاً أكثر انتظاماً وتقليلاً للضغط غير المتوازن على الهيكل.

ويرى أن هذا النوع من الحوادث قد يكون محدود العدد، لكنه بالغ الخطورة، وغالباً ما يوقع ضحايا في صفوف العمال.

ويشدد على ضرورة توخي الحذر، ولا سيما خلال عمليات صب الأسقف مع انتشار العمال فوقها، إضافة إلى أهمية تفقد دعامات السقف في أثناء إجراء عمليات الصب للخرسانة.

العربي الجديد- عبد الله البشير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى