محليات

النازحون السوريون… معاناة متراكمة وسط حلول معدومة للمخيمات

لا تزال آلاف العائلات السورية بعد عام على سقوط الأسد، عالقة بين خيارين؛ إمّا خيمة متهالكة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وإمّا بيت مدمر ومناطق معدومة الخدمات، رغم الوعود الرسمية بإنهاء المخيمات.

على الرغم من مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، وما رافق ذلك من وعود رسمية متكررة بإنهاء ملف المخيمات وفتح صفحة جديدة للنازحين، لا تزال الخيام هي المأوى الوحيد لآلاف العائلات السورية، في مشهد يعكس فجوة واسعة بين الخطاب والواقع.

فالمخيمات التي كان يُفترض أن تكون حلّاً مؤقتاً تحولت إلى أماكن إقامة دائمة، تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، فيما بقيت منازل سكانها في قراهم ومدنهم الأصلية مدمرة أو غير صالحة للسكن، من دون خطط واضحة لإعادة الإعمار أو التعويض.

في شمال غربي سوريا، حيث تنتشر عشرات المخيمات العشوائية والمنظمة، يعيش النازحون عاماً جديداً من الانتظار الثقيل، انتظار لم يخفّف من قسوته سقوط النظام، بل زاد الأسئلة حول المصير المجهول، وعمق المعاناة والإحساس بأن ملف المخيمات ما زال عالقاً في دائرة الوعود غير المنجزة.

وفي 23 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أطلق منسقو الاستجابة الإنسانية في شمال غربي سورية، نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية، محذّرين من “كارثة محتملة” في مخيمات النازحين، ولا سيما مع اشتداد الحاجة إلى تأمين مواد التدفئة.

ووفق بيان منسّقي استجابة سورية، لا يزال أكثر من 1.521 مليون مدني يقيمون في المخيمات، ما يعادل نحو 75.18% من إجمالي عدد النازحين، رغم حركة العودة إلى المدن والقرى.

وبحسب تقرير نشرته شبكة شام الإخبارية في الأول من يناير/ كانون الثاني الجاري، فإنّ العدد الإجمالي للنازحين في شمال غربي سورية يتجاوز 952 ألف نازح، يعيشون في 1,150 مخيماً، في ظل شحّ الدعم الإغاثي وغياب الحلول الجذرية.

وفي مخيم مهين أحد المخيمات الممتدة على أطراف ريف إدلب الشمالي، تجلس سميرة الدودة أمام خيمتها المهترئة، محاولة إشعال موقد بدائي لإعداد وجبة الغداء،

وتقول لـ”العربي الجديد”: “كانت آمال العائلات كبيرة مع سقوط النظام، اعتقدنا أن ذلك سيعني نهاية سريعة لمرحلة الخيام والعودة إلى البيوت، أو على الأقل تحسين ظروف العيش، إلا أن الواقع جاء معاكساً تماماً، إذ لم يتحقق أي تغيير ملموس، بل تراجعت الخدمات وتوقفت المساعدات التي كانت تشكل شريان حياة لكثير من الأسر”.

وتضيف سميرة النازحة من ريف حمص منذ سنوات، أن الخيمة لم تعد صالحة للحياة، فهي تتحول إلى فرن خانق في الصيف، ومستنقع مُوحل في الشتاء مع تسرب مياه الأمطار وشدة البرد، وأن الوعود التي أطلقت عقب التحولات السياسية بقيت حبراً على ورق، فلا مشاريع سكنية أُنجزت، ولا مخيمات أُزيلت، ولا حلول جدية طرحت لإنهاء معاناة النازحين.

تعكس حال سميرة واقع آلاف العائلات التي لا تزال بعد عام على التحول السياسي الكبير وسقوط نظام الأسد، عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ؛ إمّا خيمة متهالكة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، أو بيت مدمر في مناطقهم الأصلية لا يمكن العودة إليه بسبب الدمار أو غياب الخدمات الأساسية.

ويؤكد نازحون أن الإحباط يتزايد مع مرور الوقت، في ظل غياب خطط واضحة لإعادة الإعمار أو تأمين بدائل سكنية لائقة، ما يجعل حياة المخيمات واقعاً مفتوحاً بلا أفق زمني واضح.

وتعاني المخيمات اليوم تراجعاً واضحاً في مستوى الخدمات، مع تقلص الدعم الإنساني وغياب بدائل محلية قادرة على سد الفجوة، المياه تصل بشكل متقطع، والصرف الصحي شبه معدوم في كثير من المخيمات، فيما تشكل النفايات المتراكمة خطراً صحياً دائماً.

ويقول محمد السفراني، وهو نازح من ريف إدلب الجنوبي، إنّ الحياة داخل المخيمات ازدادت قسوة خلال الأشهر الأخيرة، بعدما تراجع حضور المنظمات الإنسانية.

ويوضح لـ”العربي الجديد”: “كانت المنظمات تؤمن بعض الخدمات، أما اليوم فالكثير منها انسحب أو خفّف دعمه، نحن نعيش في مخيم بلا عيادة طبية، وبلا صرف صحي، وحتى الخبز صار عبئاً يومياً على العائلات”.

ويشير إلى أن تراجع الدعم انعكس مباشرة على أوضاع النازحين الصحية والمعيشية، حيث بات المرض يشكل هاجساً دائماً في ظل غياب النقاط الطبية، فيما تتحول مشكلات الصرف الصحي إلى مصدر دائم للأوبئة، ولا سيما مع الاكتظاظ وتهالك البنية التحتية للمخيمات.

ويضيف السفراني: “بعد سقوط النظام، توقعنا أن تتحسن الأمور، وأن يكون هناك اهتمام حقيقي بالمخيمات، لكنها تُركت لمصيرها، وكأنها خارج أي خطة أو رؤية مستقبلية.

كما أن غياب الحلول الواضحة، سواء على صعيد السكن البديل أو دعم العودة الآمنة، عمّق شعورنا بالإهمال، وتركنا عالقين بين انتظار لا نهاية له، وواقع معيشي يزداد صعوبة يوماً بعد يوم”.

وفي مقابل بقاء العائلات داخل المخيمات، لا تزال القرى والبلدات الأصلية للنازحين تعاني دماراً واسعاً يمنع العودة الآمنة، فالبيوت إمّا مهدمة كلياً وإما متضررة بشكل يجعل السكن فيها خطراً.

وتقول مريم الجمول، النازحة من ريف معرة النعمان، إن فكرة العودة إلى قريتها ما تزال حاضرة في ذهنها، لكنها تصطدم في كل مرة بواقع الدمار والعجز،

وتوضح لـ”العربي الجديد” أنها دائماً تقصد القرية لترى بيتها، الذي لم يبقَ منه سوى الجدران، وتسأل: “من أين لي المال لإعادة بنائه، ومَن يعوّضنا عن سنوات النزوح الطويلة”.

وتؤكد الجمول أن العودة لا يمكن أن تتحقق في ظل غياب مقوّمات الحياة الأساسية. وتضيف: “يقولون لنا عودوا، لكن إلى أين، لا كهرباء، ولا ماء، ولا مدارس، العودة ليست قراراً عاطفياً فقط، بل تحتاج إلى مقوّمات ما زالت معدومة”.

تتشارك الكثير من العائلات النازحة الشعور ذاته، إذ باتت العودة أشبه بحلم مؤجل، مرتبط بتأمين الحد الأدنى من الخدمات وإطلاق مشاريع حقيقية لإعادة الإعمار، تضمن حياة كريمة وآمنة بعد سنوات طويلة من التشرد والمعاناة،

خصوصاً أن الأطفال يشكلون الحلقة الأضعف، بعد أن حرمتهم سنوات النزوح الطويلة من الاستقرار والتعليم المنتظم، فيما زادت الظروف القاسية من معدلات التسرب المدرسي وعمالة الأطفال.

ويوضح المعلم المتطوع في إحدى مدارس المخيمات، أيهم فرزات، أن سنوات النزوح خلّفت واقعاً تعليمياً هشّاً، إذ نشأ جيل كامل داخل الخيام من دون أن يعرف معنى الاستقرار أو الحياة في منزل حقيقي.

ويقول لـ”العربي الجديد”: “لم يرَ عدد من الأطفال بيتاً فعلياً في حياته، فيما بقيت المدارس عبارة عن خيام أو غرف مؤقتة تفتقر إلى أدنى الشروط التعليمية”.

ويلفت فرزات إلى أن العملية التعليمية تعاني نقصاً حاداً في الدعم، سواء على صعيد الكوادر أو التجهيزات، إذ لا تتوافر وسائل تعليمية كافية، ولا كتب مدرسية تغطي أعداد الطلاب المتزايدة، فضلاً عن غياب التدفئة، ما يحوّل الصفوف إلى بيئة غير ملائمة للتعلم، ويضطر الكثير من الأطفال إلى التغيب، بسبب البرد أو المرض.

ويحذّر المعلم من أن استمرار المخيمات على حالها، من دون حلول جذرية ومستدامة، لا يعني فقط إطالة أمد المعاناة الإنسانية، بل يُنذر بإنتاج أزمات اجتماعية جديدة في المستقبل، تمتد آثارها لتشمل ضعف التحصيل العلمي، وتفاقم عمالة الأطفال، وتآكل فرص الاندماج المجتمعي، ما قد يشكل تهديداً حقيقياً للاستقرار المجتمعي.

ومنذ إعلان سقوط النظام، خيّم شعور عام بأن مرحلة جديدة بدأت في سورية، في مقدمتها إنهاء ملف النزوح وإغلاق المخيمات، وقد رافقت تلك اللحظة وعود مبكرة أطلقتها الحكومة الانتقالية، أكدت فيها أن معاناة مئات آلاف النازحين شارفت على نهايتها،

وأن المخيمات التي غدت رمزاً دائماً لآثار الحرب ستُزال خلال فترة قصيرة، تمهيداً لعودة الأهالي إلى منازلهم ومناطقهم، مع عودة الأمن والمؤسسات إلى العمل.

إلا أن الواقع يعكس صورة مغايرة تماماً، فبدلاً من التقدم نحو استقرار يهيّئ لعودة النازحين، دخلت البلاد في دوامة أزمات اقتصادية وخدمية متلاحقة، انعكست على سكان المخيمات،

إذ تفاقمت معاناتهم اليومية مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الخدمات، وغياب أي بدائل حقيقية، ما جعل الوعود الأولى أقرب إلى آمال مؤجلة منها إلى خطط قابلة للتنفيذ.

ويرى الخبير الاجتماعي وسام الشيخ أن استمرار واقع المخيمات على حاله بعد مرور عام على سقوط النظام، يعكس خللاً في طريقة إدارة ملف النزوح، ولا سيما في ظل غياب رؤية شاملة تتجاوز المعالجات المؤقتة.

ويربط سبب إطالة أمد الأزمة بانعدام أي خطة أو جدول زمني محدد للتعامل مع المخيمات وإنهائها.

ويؤكد الشيخ لـ”العربي الجديد” أن مقاربة المخيمات بوصفها قضية إغاثية بحتة تُعدّ خطأ استراتيجياً، لأن الواقع يتجاوز مسألة نقص المساعدات الإنسانية إلى أزمة إسكان معقدة، ترتبط بإعادة الإعمار وحقوق الملكية وتعويض المتضررين، وضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية في مناطق العودة، مثل الكهرباء والمياه والتعليم والرعاية الصحية.

وينبّه إلى أن التركيز على توزيع المساعدات، من دون معالجة جذور المشكلة، لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة، ما يعني أن الخيام ستبقى الخيار الوحيد أمام آلاف العائلات التي لا تملك القدرة على إعادة بناء منازلها أو العودة إلى مناطق مدمّرة.

ويحذّر الشيخ من أن إطالة أمد وجود المخيمات من شأنه أن يحولها إلى بؤر فقر مزمن، ويعمّق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بين النازحين وباقي أفراد المجتمع،

الأمر الذي قد يهدد الاستقرار الاجتماعي في مرحلة يُفترض أن تكون انتقالية، وتحتاج إلى سياسات شاملة تُعيد إدماج النازحين، وتضع حداً لسنوات من التهميش والمعاناة.

العربي الجديد- هاديا المنصور

زر الذهاب إلى الأعلى