
تمثل الملكية العقارية في سوريا حقاً قانونياً حيوياً وأساسياً، لكنها تواجه تعقيدات عدة جراء تعدد السجلات والإجراءات القضائية والقيود القانونية لاختلاف أنواع الملكية وسبل نقلها وحماية الحقوق، ما يجعل ضمان الملكية الصحيحة مسألة دقيقة وحساسة لكل مالك ومستثمر.
تنظيم انتقال الملكية العقارية
القوانين السورية نظّمت آليات انتقال الملكية العقارية وفق عدة أسباب قانونية أبرزها البيع أو الهبة أو الإرث أو بموجب حكم قضائي، وهذه الانتقالات، وفق المدير العام للمديرية العامة للمصالح العقارية عبد الكريم إدريس، تتشابه في إجراءاتها العامة، إلا أن لكل نوع منها متطلبات خاصة تختلف باختلاف الحالة القانونية.
إدريس بيّن في تصريح لمراسلة سانا أن تسجيل انتقال الملكية في السجل العقاري يعد من حيث المبدأ إجراء بسيط، يتطلب حضور أطراف العقد إلى مكتب التوثيق مصطحبين وثائق إثبات الشخصية والمستندات المؤيدة للانتقال، ليخضع بعدها العقد للتدقيق ضمن إضبارة عقارية،
قبل أن يصدر أمين السجل العقاري قراره بالتسجيل على الصحيفة العقارية أو إعادته لاستكمال النواقص خلال مهلة محددة، وبعد إتمام التسجيل يصبح بإمكان المالك الجديد استخراج قيد عقاري أو الحصول على سند الملكية.
لكن تسجيل الملكية أصبح أكثر تعقيداً في بعض الحالات نتيجة عوامل متعددة، من بينها الإجراءات الاحترازية والمتطلبات المالية المسبقة، إضافة إلى كثرة الإشارات التحفظية وإشارات الذمم المالية المثبتة على الصحائف العقارية،
وحول ذلك أشار إدريس إلى أن المدة الزمنية اللازمة لنقل الملكية لا ينبغي أن تتجاوز ثلاثة أيام في الظروف المثالية، وبحد أقصى أسبوع واحد في حال عدم وجود موانع قانونية.
العقارات غير المسجلة…95 % من الأراضي القابلة للتملك في سوريا مسجلة في السجل العقاري
فيما يتعلق بالعقارات غير المسجلة أو التي لا يملك شاغلوها وثائق رسمية، أوضح إدريس أن نحو 95 بالمئة من الأراضي القابلة للتملك في الجمهورية العربية السورية مسجلة في السجل العقاري
وتشكل ما يقارب 60 بالمئة من مساحة سوريا، وأن أي انتقال للملكية أو تعديل في الحقوق العينية ضمن هذه الأراضي يوجب القانون قيده في السجل العقاري،
لافتاً إلى أنه في حالات الحيازة غير المسجلة أو فقدان الوثائق، فإن إثبات الملكية يعود للقضاء، والسجل العقاري ملزم بتنفيذ الأحكام القضائية القطعية وتثبيت مضمونها على الصحائف العقارية.
دعاوى النزاع العقاري
تتعاون المصالح العقارية مع الجهات القضائية لفض دعاوى النزاع العقاري، وفي هذا السياق أوضح إدريس أن هذه الدعاوى تستند بشكل أساسي إلى الوثائق الصادرة عن المصالح العقارية، كما يتم وضع إشارات بالدعاوى على صحائف العقارات موضوع النزاع لإعلام جميع ذوي العلاقة،
مشيراً إلى أن التعاون يمتد أيضاً إلى إعداد وتعديل القوانين العقارية بالتنسيق مع وزارة العدل، ومشاركة القضاة في اللجان القانونية المختصة.
دوائر عقارية متوقفة وتحديات بإعادة تكوين الوثائق المتضررة
من جهة أخرى، يواجه العمل العقاري في بعض المناطق المتضررة من الحرب في سوريا تحديات عدة، فهناك عدد من الدوائر العقارية متوقف عن العمل أو يواجه صعوبات في استكمال مهام التحديد والتحرير ومشاريع إزالة الشيوع، وفق إدريس،
إضافة إلى تحديات إعادة تكوين الوثائق العقارية المتضررة أو المفقودة، حيث بدأت هذه الأعمال في عدة محافظات منها ريف دمشق وحمص ودير الزور، فيما شهدت حلب جهوداً لأرشفة العقود المتعلقة بالصحائف التالفة بدعم لوجستي من برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN HABITAT).
وفيما يخص العقارات المملوكة على الشيوع، أوضح إدريس أن القوانين السورية أجازت التملك الشائع وتعدد المالكين، ولا سيما في حالات الإرث، إلا أن تفاقم هذه الظاهرة أدى إلى زيادة احتمالات النزاع وتراجع الجدوى الاقتصادية لبعض الأراضي،
مؤكداً أن القانون حدّد أوجه التصرف بالعقارات الشائعة، حيث تدار شؤون الصيانة والتحسين بموافقة الشركاء مجتمعين أو مالكي 75 بالمئة من الأسهم، في حين يتطلب البيع أو الإفراز موافقة جميع المالكين حكماً.
تسجيل الملكيات
تخضع الرسوم المتعلقة بتسجيل الملكيات لأحكام القانون رقم 17 لعام 2021، الذي حدد رسوم المعاملات العقارية، إضافة إلى الرسوم المفروضة من الجهات التي تمسك سجلات ملكية مؤقتة كالوحدات الإدارية، والمؤسسة العامة للإسكان والجمعيات السكنية، وفق القوانين والأنظمة النافذة لكل جهة.
وتعد الملكية العقارية في سوريا من المواضيع القانونية الأكثر إشكالاً، نظراً لتعدد السجلات العقارية وكثرة القوانين الناظمة لها، لضمان حقوق السادة أصحاب الملك، يجب فهم نوع الملكية والجهة التي توثقها، وهو ما يساعد في حماية الحقوق القانونية، وتجنب النزاعات المستقبلية.
وتعمل حالياً وزارة الإدارة المحلية والبيئة، على إنجاز مشروع مركزي للأرشفة والفهرسة الرقمية بدءاً من مديرية المصالح العقارية في دمشق، تمهيداً لتعميمه على باقي المحافظات والاستفادة من الأرشيف الإلكتروني المنجز سابقاً، ما يساعد بحل الكثير من هذه الأمور.
أنواع الملكيات ودرجة ضمان الحقوق
أوضحت عضو المجلس المركزي في نقابة المحامين الدكتورة سميرة الوتار في تصريح لسانا، أن الملكيات في سوريا تتنوع وتختلف درجة ضمان الحقوق فيها بحسب السجل الذي يكون فيه العقار، لافتة إلى أن السجل العقاري الدائم المعروف بـ”الطابو الأخضر”، يخضع لقانون السجل العقاري رقم 188 لعام 1926، ويعتبر أقوى أنواع الملكيات.
ولفتت الوتار إلى أن كل عقار تخصص له صحيفة عقارية مسجلة لدى مديرية المصالح العقارية “السجل العقاري” في سوريا، وهي التي تثبت ملكية العقار والحقوق المرتبطة به، وتعد الحقوق المسجلة فيه نهائية ومطلقة ولا يمكن الطعن بها إلا في حالات التزوير، مع ضمان الدولة لصحة البيانات، ما يجعله أقوى سند قانوني أمام القضاء.
أما السجل المؤقت، وفق الوتار فهو نظام قانوني يهدف إلى تسجيل العقارات المرخصة للبناء، وما يطرأ عليها من قيود إلى حين انتهاء المشروع، على أن تُنقل هذه القيود إلى السجل العقاري الدائم بعد اكتمال البناء،
ورغم طبيعته المؤقتة، فإن القيود المسجلة فيه تتمتع بقوة ثبوتية مماثلة للسجل العقاري الدائم، كما يمنع قانونياً التصرف بالعقار إلا عبر معاملات رسمية، ما يضمن حقوق الملاك بشكل كامل.
وفي حالات شراء العقارات غير المسجلة أو وجود نزاع على ملكيتها، يلجأ المتنازعون إلى استصدار حكم قضائي يثبت البيع، حيث يحوز مالك العقار حكماً مكتسب الدرجة القطعية ومبرماً من المحكمة المختصة التي يتبع لها موقع العقار،
ويذكر في الحكم رقم العقار ومنطقته العقارية وأوصافه التفصيلية، لافتة إلى أن هذا النوع من الملكية يعد قوياً قانونياً، إلا أنه يحتاج إلى متابعة عملية “تنفيذ الحكم” في السجل العقاري لضمان تثبيت الحق.
وكالة غير قابلة للعزل
يوجد نوع آخر شائع من الملكية، وهو “وكالة غير قابلة للعزل” والتي تكون منظمة لدى كاتب العدل، وفي هذا النوع، يقوم المالك بتنظيم وكالة خاصة تتضمن توكيل البائع للشاري وتفويضه بنقل وفراغ ملكية العقار أو الحصة السهمية بموجب هذه الوكالة،
ورغم أن هذا النوع له حجية قانونية، إلا أنه لا ينقل الملكية مباشرة في السجل العقاري، ويُعتبر تعهداً بالنقل، ما يجعل ضمان الحقوق فيه أقل قوة مقارنة بـ”الطابو”، ويستلزم متابعة المعاملة العقارية لتثبيت البيع.
أما في المناطق غير المحددة أو المحررة، التي لم تشملها عمليات التحديد والتحرير بعد، فيتم إثبات الملكية عبر الوثائق القديمة وشهادات الجوار أو مختار المنطقة حسب الحالة، ويعتمد ضمان الحقوق في هذه الحالة على وضع اليد والشهود والوثائق التاريخية.
البيع القطعي
بالنسبة للملكية بعقد البيع القطعي، فهي شائعة في مناطق المخالفات أو أملاك الدولة، وتعتمد على عقد موقع بين الطرفين، ويُعتبر ضمانها من أضعف الضمانات، وخاصة إذا كانت الأرض المبنية عليها العقارات تعود ملكيتها للدولة، وفق الوتار.
كما يوجد نوع من الملكية يُعرف بالملكية على الشيوع، حيث يكون العقار ملكاً لعدة مالكين بحصص سهمية غير مفرزة، ويتمتع هذا النوع من الملكية بضمان قوي لكنه يحتاج إلى متابعة الإجراءات في السجل العقاري، حتى يتم تخصيص حصة كل وارث، وذلك عند انتقال الملكية للورثة بعد وفاة أحد المالكين.
وفيما يتعلق بالعقارات المبنية على أملاك الدولة، فإنها تتطلب إجراءات قانونية محددة، تشمل تقديم العقد للمالية لاستيفاء رسوم العقد، ثم يتم التنازل بموجب هذا العقد عن عدادات الكهرباء والماء في شركات الخدمات
فيما تمتلك الأراضي المملوكة لأصحابها ” قيد عقاري” ولكن بشكل مخالف ودون ترخيص، يتم البيع فيها بتسجيل أسهم للمشتري مع إمكانية الحصول على حكم محكمة ووضع إشارات وإجراء الكشف حسب الحاجة.
حصر الإرث وأنواعه
وحول حصر الإرث، أكدت الوتار أن هذه الوثيقة الرسمية تصدر عن المحكمة المختصة لتحديد أسماء الورثة وحصصهم الإرثية، وتعد شرطاً أساسياً لأي تصرف بالتركة، سواء لنقل الملكية أو للمطالبة بالمستحقات كالمعاش التقاعدي.
وأشارت إلى أن حصر الإرث يختلف بحسب نوع العقار، حيث توجد عقارات “مُلك” تقع ضمن المخططات التنظيمية للمدن، ويتم توزيع الإرث فيها وفق قانون الأحوال الشخصية، حيث يكون للذكر مثل حظ الأنثيين،
فيما توجد العقارات الأميرية التي تقع خارج المدن، فعادة ما تكون أراضي زراعية تعود للدولة، ويُوزع الإرث فيها بالتساوي بين الذكر والأنثى وفق قانون انتقال الأموال غير المنقولة.
وأوضحت الوتار أن إجراءات حصر الإرث تختلف بحسب نوع العقار، حيث يصدر حصر الإرث الشرعي عن المحكمة الشرعية للعقارات (الملك)، ويتمّ بموجبه تعيين الورثة الشرعيين وحصة كل واحد منهم من التركة وحصصهم الشرعية، ويمكن لأي وريث الحصول عليه من المحكمة الشرعية، ولا يحتاج لحضور بقية الورثة ولا وكالات.
أما حصر الإرث القانوني فيصدر عن محكمة الصلح المدني للعقارات الأميرية، وتحسب عادة من 2400 سهم، ويتم تنظيم هذا النوع وفق قانون انتقال الأموال غير المنقولة المتعلق بالأراضي الأميرية،
ويجب في حال امتلاك المتوفى أكثر من نوع من العقارات استخراج كل من الحصر الإرث الشرعي والحصر الإرث القانوني معاً وفق ما بينت الوتار.
وأشارت كذلك إلى حصر الإرث العمالي، الذي يصدر من المحكمة العمالية ويختص بحقوق العامل أو الموظف الحكومي في مرتبه وحقوقه التقاعدية، حيث تنتقل هذه الحقوق الى ورثته حسب الحالة.
وأكدت الوتار أن ضمان حقوق الملكية في القانون السوري يتطلب دائماً نقل الملكية إلى السجل العقاري الدائم، وعدم الاكتفاء بالوكالات العدلية لفترات طويلة، مع ضرورة التأكد من نوع العقار قبل البدء بإجراءات حصر الإرث، سواء أكان عقاراً مُلكاً أم أميرياً، لضمان حماية حقوق المالكين والورثة وفق القانون.
نوع الملكية يحرك السوق العقارية
يشكل نوع الملكية القانونية للعقار عاملاً حاسماً في توجهات الزبائن داخل السوق العقارية السورية، إذ بات المشترون يولون أهمية متزايدة لسلامة الوضع القانوني للعقار قبل الإقدام على الشراء، وفي هذا الإطار، يوضح أصحاب مكاتب عقارية أن الطلب يتركز بدرجات متفاوتة تبعاً لنوع الطابو المسجل.
عدنان رزق صاحب مكتب عقاري في دمشق يؤكد أن العقارات ذات الطابو الأخضر والمسجلة نهائياً في السجل العقاري تتصدر قائمة الخيارات المفضلة لدى الزبائن، لما توفره من حماية قانونية كاملة، وإمكانية نقل الملكية بسهولة، إضافة إلى اعتمادها في المعاملات الرسمية والتمويلية، ما يجعلها الخيار الأكثر أماناً واستقراراً.
وفي المقابل، يشير هادي اليوسف صاحب مكتب عقاري آخر في ريف دمشق إلى وجود طلب انتقائي على العقارات المستندة إلى أحكام قضائية قطعية، ولا سيما في المناطق التي تعذر فيها استكمال أعمال التحديد والتحرير العقاري،
موضحاً أن هذا النوع يجذب شريحة من المشترين الباحثين عن أسعار أقل، رغم ما يتطلبه من إجراءات إضافية لتثبيت الملكية.
أما العقارات ذات الصفة الزراعية، فيشيران إلى أنها تسجل أدنى مستويات الطلب لأغراض السكن، نظراً للقيود القانونية على البناء وتغيير الصفة العقارية، ويقتصر الإقبال عليها في الغالب على الاستثمار طويل الأجل أو الاستخدام الزراعي.
وتسعى وزارة الإدارة المحلية والبيئة من خلال استراتيجيتها ورؤيتها الجديدة إلى التحول نحو حكومة رقمية، من خلال تحديث البنية التحتية الرقمية في الجهات التابعة لها ومن ضمنها المديرية العامة للمصالح العقارية، على مستوى أرشفة وأرقمة البيانات،
وتقوم بالتواصل مع دول ناجحة في مجال أتمتة السجل العقاري للاستفادة من تجاربها في هذا المجال.
سانا













