
كانت يداه تحملان آثار تراب تفوح منه رائحة الحياة الأولى، مُزج بالماء وعُجن على مهل حتى تحوّل إلى كتلة لزجة، ومن هذه العجينة،
وعلى آلة يدوية دوّارة، تبدأ الحكاية الأولى للفخار في مدينة أرمناز بريف إدلب، حيث يتحوّل الطين بين أصابع الحرفيين إلى أشكال حيّة تنبض بذاكرة المكان.
تُؤخذ كرة صغيرة من هذا المزيج وتوضع بعناية فوق العجلة، يدوس الحرفي بقدمه فتدور، فيما تتحرّك يداه بثبات، تضغطان وتشدّان وتنعّمان، لتولد خلال دقائق مزهرية أو قلّة ماء؛ قطعة صامتة تحمل روح الأرض،
ففي مدينة أرمناز بريف إدلب، لا يُنظر إلى الفخار بوصفه مجرد حرفة، بل هوية وتراث اشتهرت به المدينة عبر عقود طويلة.
حرفة متوارثة
طريف قدرو، ابن المدينة، خمسينيّ ورث المهنة عن خاله الذي تعلّمها بدوره عن جدّه، ويُعدّ اليوم أحد الحرفيين الذين ما زالوا يعيشون من هذه الصناعة ويعملون على تطويرها.
ويقول قدرو لصحيفة “الثورة السورية”، وهو يدوّر الطين على عجلة الفخار التقليدية: «من صغرنا كنا نشتغل على قطع الفخار المصنوعة من تربة أرمناز»، مضيفاً أنه «من الممكن استخدام ترب أخرى، إلا أن تربة المدينة تبقى مميزة».
ويشير إلى أن العمل يرتبط كثيراً بالعوامل الطبيعية، موضحاً أن فصل الشتاء لا يناسب تشكيل القطع بسبب تجمّد الطين وانخفاض درجات الحرارة، فيما يوفّر الربيع والصيف ظروفاً أفضل لاستمرار هذه الحرفة التي حفظت ذاكرة المدينة.
ولا يكاد يخلو بيت في أرمناز من حكاية مع الفخار؛ فهذه المهنة لم تكن حكراً على الحرفيين وحدهم، بل شكّلت جزءاً من الحياة اليومية للمدينة،
فمعظم رجال أرمناز جرّبوا يوماً الجلوس إلى عجلة الفخار، أو على الأقل شاهدوا قريباً أو جاراً يعمل بالطين ويديره بين يديه، وحتى من لم يتخذها مهنة أساسية، بقيت حاضرة في تفاصيل حياته كهوية لا تنفصل عن المكان.
ويستعيد طريف قدرو هذه الذاكرة، مشيراً إلى أن والده، رغم عمله مدرساً، كان يمارس صناعة الفخار في أوقات فراغه، لا كمصدر رزق أساسي، بل كامتداد للانتماء إلى المدينة وحرفتها الأقدم، مضيفاً: «كان الفخار بالنسبة لنا أكثر من عمل.. كان جزءاً من البيت ومن تربتنا».
تطوّر الحرفة ومصاعبها
على مدى سنوات، تطورت الحرفة التي كانت تقتصر يوماً على صنع أوعية لحفظ الماء «القلل» وأخرى للطبخ، لتشمل قطع الزينة والفخار الفني، مثل المزهريات، والأباريق، وكؤوس شرب المتّة، ويُدار هذا العمل كله يدوياً، باستثناء بعض القوالب الجاهزة المستخدمة في صناعة نفّاضات السجائر ورؤوس النرجيلة.
وتختلف الأسعار بحسب حجم القطعة والجهد والوقت اللازمين لإنجازها؛ فبعضها يحتاج إلى زخرفة دقيقة، وأخرى إلى تلوين خاص، ويبدأ سعر أصغر قطعة من ربع دولار، ليصل إلى نحو 50 دولاراً للقطع الكبيرة، كالشلالات والنوافير التي تنضح بالمياه وتُستخدم للزينة.
ورغم الانتكاسات التي شهدتها هذه الصناعة خلال 14 عاماً من الثورة، وتصاعد الأحداث في محافظة إدلب، وتوقف العمل أحياناً، فإن الحرفة بقيت حاضرة واستمرت بالتطور، مع ظهور أشكال جديدة من التحف الفخارية.
ويضحك طريف قدرو حين يسمع المثل الشعبي «فخّار يكسّر بعضه»، قبل أن يؤكد أن المثل ليس بعيداً عن واقع المهنة، موضحاً أن القطع الفخارية، بعد تشكيلها وتجفيفها، تُدخل إلى فرن بدرجات حرارة عالية، وهي المرحلة الأكثر حساسية في عملية التصنيع.
وخلال الحرق، قد تتعرّض بعض القطع غير المشغولة بإتقان للتشقّق أو الانفجار، ما يؤدي إلى تطايرها داخل الفرن وتكسّر قطع أخرى مجاورة، والفخار، عندما ينكسر، لا يمكن إعادة تشكيله من جديد، ما يعني خسارة القطع والمواد والوقت معاً، وهي إحدى أبرز المصاعب التي تواجه هذه الحرفة العريقة.
رمز للمدينة وتاريخها
على امتداد الشوارع الثلاثة التي تفتح على مدينة أرمناز من جهاتها المختلفة، تنتشر ورش الفخار والمعامل، وتفوح في الأجواء رائحة التراب المميّز التي باتت جزءاً من ذاكرة المكان.
ويقول محمد أرمنازي، أحد أبناء المدينة: «اعتدنا على مشاهدة ورش الفخار، فهي جزء لا يتجزأ من هوية مدينتنا»، ويضيف لصحيفة “الثورة السورية”: «كل زاوية فيها حكاية، وكل قطعة تحكي عن أهلنا وعن أرمناز نفسها، هنا تشعر أن الناس يحبون هذه المهنة، وهو حب متوارث عن أجدادنا».
ومن جهتها، تقول ابتسام، وهي سيدة من ريف دمشق كانت مهجّرة في ريف إدلب، إنها تعرّفت إلى الفخار الأرمنازي خلال فترة إقامتها هناك، واشترت بعض القطع لمنزلها، وبعد عودتها إلى مدينتها عقب سقوط النظام، حرصت على اقتناء المزيد لتوزيعها على أفراد عائلتها وجيرانها.
وتوضح ابتسام قائلة: «التحف الفخارية من أرمناز تتميّز برائحة مختلفة، وتأتي بأشكال متعددة، وهدية الفخار دائماً تبيّض الوجه وتدخل البهجة».
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن صناعة الفخار في أرمناز كانت معروفة منذ العصور الوسطى، واعتمدت على التراب الأحمر المميّز للمدينة،
ويوضح المؤرخ فايز قوصرة في كتابه «من إبلا إلى إدلب» أن أرمناز امتلكت عبر القرون ورشاً ومعامل لصناعة القدور والشربات الخزفية، وتميّزت منتجاتها بالزخارف اليدوية الدقيقة، والحروف العربية، والآيات القرآنية المنقوشة على القطع.
وفي كتابه «البوابة التاسعة: التوثيق التاريخي»، يشير قوصرة إلى أن هذه الحرفة حافظت على صيتها رغم منافسة الزجاج الأوروبي، وتطورت لتشمل أواني منزلية وقطع زينة وفنوناً يدوية متنوعة، لتصبح رمزاً لهوية المدينة الثقافية والحرفية.
معارض لحفظ التراث
سجّل الفخار السوري حضوراً لافتاً ضمن الجناح السوري في معرض «بنان 2025» في العاصمة السعودية الرياض، الذي أُقيم في شهر تشرين الثاني، وشاركت الحرفية ملاك ونوس بحرفة الفخار، مقدّمة نماذج تعبّر عن واحدة من أقدم الصناعات السورية المرتبطة بحاجات الإنسان منذ آلاف السنين.
ووصفت ونوس مشاركتها بأنها فرصة للتعريف بالفخار السوري أمام الجمهور السعودي والدولي، مؤكدة أن لهذه الحرفة خصوصيتها المستمدة من لون التربة المحلية وتقنيات الإنتاج التقليدية التي تطوّرت مع الزمن، من دون أن تفقد ارتباطها بالجذور التراثية.
وفي مطلع الشهر ذاته، أقام المركز الثقافي في برزة، بالتعاون مع مديرية الثقافة في دمشق، ورشة تدريبية لصناعة الفخار السوري، شهدت تطبيقات عملية لمراحل التصنيع، بدءاً من تحضير عجينة الطين، وصولاً إلى استخدام الدولاب لتشكيل نماذج متنوعة، مثل الأواني المنزلية والصحون، إضافة إلى المزهريات وحافظات النقود.
كما تُعرض أعمال الحرفيين المحليين، بما فيها الفخار الأرمنازي، في معارض الحرف اليدوية التي تُقام في محافظة إدلب، وفي المهرجانات التي تستقبل زواراً من المدينة والمحافظات الأخرى، في مسعى للحفاظ على هذا التراث وتعريف الأجيال الجديدة به.
الثورة السورية – شمس الدين الأحمد








