اقتصاد

العملة السورية.. ذاكرة وطنيّة بين الرمز والهويّة

لم تكن العملة عبر التاريخ مجرد أداة لتبادل السلع والخدمات، بل شكّلت واحدة من أهم وسائل التوثيق الحضاري التي استخدمتها الدول لتسجيل ذاكرتها الجماعية وتكريس هويّتها الثقافية،

فمن خلال النقوش، والرموز، واللغات، والشخصيات، والمعالم المعمارية، تحوّلت العملات إلى وثائق بصرية صامتة، تختزل سردية الدولة عن نفسها، وتقدّم للأجيال المتعاقبة رواية رسمية عن تاريخها وقيمها ومنجزاتها.

وفي مختلف الحضارات، لعبت العملة دورًا مركزيًا في تثبيت السلطة الرمزية، وتعريف الانتماء، وتأكيد الاستمرارية التاريخية، إذ حملت بصمتها الفنية والسياسية والاقتصادية معًا،

فكل تغيير في تصميم النقد يعكس تحوّلًا في مرحلة تاريخية، أو إعادة صياغة للهوية، أو انتقالًا في ميزان القوّة والثقافة، ما يجعل العملة شاهدًا مادّيًا على صعود الدول وانكساراتها، وعلى ما اختارت تخليده أو تجاهله من ذاكرتها.

وبهذا المعنى، تصبح العملة أرشيفًا متنقلًا، يعبر الحدود والأزمنة، ويمنح الباحثين والمؤرخين مفتاحًا لقراءة التاريخ من زاوية الحياة اليومية، حيث يلتقي الاقتصاد بالثقافة، وتتحوّل ورقة النقد أو القطعة المعدنية إلى مرآة تختزن ملامح الحضارة أكثر مما تختزن قيمة مالية.

وانطلاقًا من هذا الدور الحضاري الذي لعبته العملة عبر التاريخ، بوصفها سجلًا بصريًا للهويّة ومرآةً للتحوّلات الاجتماعية والثقافية، تأتي التجربة السورية نموذجًا واضحًا في توظيف النقد لتوثيق الذاكرة الجماعية،

فقد حرصت الإصدارات الورقية والمعدنية في سوريا، على امتداد قرن من الزمن، على تحقيق توازن دقيق بين الوظيفة الاقتصادية والبعد الثقافي، لتغدو العملة أكثر من أداة تبادل، بل وثيقة بصرية تعكس صورة الحياة الاجتماعية، ومخزون التراث بشقيه المادي وغير المادي، على الرغم من مرحلة الانحراف السياسي في عهد عائلة النظام المخلوع.

وفي هذا السياق، يوضّح الباحث في التاريخ محمد فياض الفياض، في حديثه لـ “الثورة السورية”، أن العملة السورية ليست مجرد وسيلة مالية، بل سجل حيّ للتراث الثقافي والاجتماعي، تحكي عبر رموزها وتصاميمها قصص الحضارات المتعاقبة، وتوثّق الهويّة الوطنيّة،

ويضيف أن الاهتمام بإدراج الآثار والمعالم التراثية على النقد “عكس وعيًا مبكرًا بأهمية نقل الثقافة والموروث الحضاري للأجيال القادمة”، وهو ما منح العملة السورية بعدًا فنيًا وحضاريًا واضحًا منذ صدورها الأول عام 1919.

مرحلة التحوّل والتكريس الثقافي (1958 – 1976)

يشير الفياض إلى أن مرحلة ما بعد عام 1958 شكّلت منعطفًا مهمًا في تاريخ النقد السوري، إذ أعاد مصرف سورية المركزي صياغة العلاقة بين العملة والهوية، مع اعتماد اللغتين العربية والإنكليزية، وظهور مفردات بصرية مستوحاة من الحضارات السورية المتعاقبة.

وإلى جانب البعد الرمزي، حضرت الرموز الاقتصادية بوضوح، ولاسيما الزراعة، حيث احتل القطن، بوصفه “الذهب الأبيض”، مساحة بارزة في معظم فئات العملات الورقية، تأكيدًا لدوره المحوري في الاقتصاد الوطني.

رحلة النقد الجديدة بعد عام 1976

ومع مطلع عام 1976، شهدت تصاميم الأوراق النقدية تحولًا بصريًا جديدًا، مع الحفاظ على جوهرها الثقافي، باستثناء فئة الخمسمئة ليرة،

ففي هذه الإصدارات، برزت معالم أثرية وتاريخية شكّلت أيقونات للذاكرة الوطنية، مثل قوس النصر في تدمر، ومدرج بصري، وأبجدية رأس شمرا، وقلعتي حلب والحصن، ونواعير حماة، وقصر العظم، والجامع الأموي الكبير.

كما ضمّت العملات لقى أثرية بارزة، من آلهة النصر والينبوع، وأورنينا، وفيليب العربي، إلى رقيمات إيبلا، والفسيفساء التاريخية، والمصكوكات النادرة كالدينار العربي الأول والدرهم الإسلامي الأول.

رمزية العملات .. سردية حضارية لا تمجيد شخصي

يؤكد الفياض أن سوريا لم تحِد، في مجمل مراحل الصك النقدي، عن جعل عملتها سجلًا حيًا لتراثها، باستثناء إصدارين خرجا عن هذا النهج بحملهما صورتي حافظ الأسد على فئة الألف ليرة، وبشار الأسد على فئة الألفي ليرة، في سابقة لم تعرفها العملة السورية منذ نشأتها.

وعند تحليل رموز النقد السوري عبر مختلف العهود، يلفت الفياض إلى غياب تمجيد الحاكم في التصاميم، حتى مرحلة التأليه السياسي في عهد نظامي الأب والأبن المخلوع،

فقبل ذلك، سعت الدولة منذ الاستقلال إلى ترتيب مفردات النقد بما ينسجم مع الذوق العام وثراء الحضارة السورية، حيث ظهرت في إصدار 1958 للمرة الأولى رموز اقتصادية وزراعية واضحة، إلى جانب استحضار شامل للحضارات القديمة.

ويستعرض الفياض أمثلة دالّة، من بينها فئة الخمسين ليرة التي حملت رقيمين طينيين من إيبلا وأوغاريت، وكتبت كلمة “سوريا” بخمس لغات تاريخية متسلسلة، موثقة تطور الكتابة منذ فجر التاريخ،

كما جسدت فئة المئة ليرة تطور الحياة المالية عبر معالم بصرى الشام، والمصكوكات اليونانية، وخزنة المسجد الأموي، ومبنى مصرف سورية المركزي، بينما قدّمت

فئة المئتي ليرة نواعير حماة ومعبد بل في تدمر، واحتفت فئة الخمسمئة ليرة بالفن والموسيقا من خلال أقدم نوتة موسيقية من أوغاريت، ولوحة “ميريامين” ودار الأوبرا.

بين التراث وانحراف التقديس السياسي

ويرى الفياض أن المقاربة المنصفة لإصدارات النقد السوري تقتضي التمييز بين القيمة الفنية والحضارية العامة، وبين الانحراف الذي مثّله إدراج صور حافظ وبشار الأسد المخلوع، بوصفه تكريساً لتقديس الفرد والديكتاتورية، دون أن يلغي ذلك ما راكمته بقية الإصدارات من ثراء رمزي وثقافي.

ويشير في هذا السياق إلى حمل بعض العملات صورة القائد التاريخي صلاح الدين الأيوبي، واحتفاء أخرى بآثار سوريا الممتدة على كامل الجغرافيا الوطنية، بما يعكس امتلاك البلاد خبرات حقيقية في التصميم والنحت واختيار الرموز الثقافية.

ويبرز مثال لافت ذكره الفياض يتمثل في فئة الخمسمئة ليرة إصدار 1998، التي حملت تمثال “حسناء بانياس” المكتشف في الجولان السوري المحتل،

في رسالة واضحة لتثبيت الذاكرة الوطنية للأرض المحتلة، إلى جانب إصدارات تميزت بزخارف الآلهة عشتار، والأمير الكنعاني من أوغاريت، والربة حتحور، وأبجدية رأس شمرا، في أعمال فنية حظيت بتقدير خبراء النقد عالميًا.

النقد بعد التحرير.. استعادة المعنى

يرى الفياض إن مرحلة ما بعد تحرير سوريا تفتح الباب أمام استعادة المعنى الحقيقي للعملة، بوصفها رمزاً للثبات والهوية والرسالة الثقافية، مؤكداً أن النقد ليس مجرد رقم متداول، بل حامل لذاكرة وطن، وسردية حضارة، وأمل متجدد في إعادة بناء العلاقة بين الإنسان وتاريخه.

وخلال لقاء مغلق مع الصحفيين حضرته “الثورة السورية” أوضح حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية بأن العملة الجديدة لن تتضمن صور أشخاص أو رموز تاريخية، إنما تتضمن رموزاً شاملة تراعي الوحدة الوطنية في سوريا.

تكشف رحلة العملة السورية أن النقد لم يكن يوماً مجرد أداة للتداول، بل مساحة سردية حملت ذاكرة البلاد وتحولات هويتها عبر قرن من الزمن، فمن توثيق الحضارات القديمة، إلى إبراز الرموز الاقتصادية والثقافية، وصولًا إلى لحظات الانحراف السياسي، بقيت العملة مرآة دقيقة للعلاقة بين الدولة والمجتمع والتاريخ.

واليوم، ومع استعادة الأمل بمرحلة جديدة، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للعملة بوصفها وثيقة وطنية جامعة، تحفظ الذاكرة، وتصون المعنى، وتعيد وصل الحاضر بجذوره الحضارية بعيداً عن تمجيد الأفراد، لترسخ سردية وطن لا تُختزل بوجه، بل تُكتب برموزه وتاريخه القديم والمعاصر،

ويبقى السؤال مفتوحاً حتى إشهار العملة السورية الجديدة وما تتضمنه من رموز ونقوش وعلامات فارقة، هل ستكون امتداداً لمراحل سابقة كانت العملة فيها تسجيل للذاكرة الجماعية وتكريس للهوية الثقافية؟.

الثورة السورية- عبير علي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى