يشهد الموسم الزراعي في ريف اللاذقية تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج وصعوبة تأمين بعضها في الوقت المناسب،
الأمر الذي يفرض أعباء إضافية على المزارعين ويؤثر في قدرتهم على الاستمرار والإنتاج، وسط مطالب بتوفير الدعم وتعزيز الخدمات الإرشادية بما يخفف من حجم الخسائر ويحافظ على استقرار القطاع الزراعي.
ومع اقتراب ذروة الأعمال الزراعية، تتزايد شكاوى المزارعين من ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات والمحروقات وتكاليف تشغيل الآليات الزراعية،
في وقت تؤكد فيه الجهات المعنية أنها تدرس إعادة هيكلة التكاليف بما ينسجم مع المتغيرات الاقتصادية، إلى جانب استمرار عمل الوحدات الإرشادية في متابعة الواقع الزراعي ميدانياً.
ارتفاع التكاليف يرهق المزارعين
أوضح أحمد ديوب، وهو مزارع حمضيات من منطقة عين شقاق في ريف جبلة، أن تكلفة خدمة الأراضي الزراعية ارتفعت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة،
مبيناً أن شراء الأسمدة والمبيدات يحتاج اليوم إلى مبالغ كبيرة مقارنة بالمواسم السابقة، الأمر الذي دفع كثيراً من المزارعين إلى تخفيف كميات السماد أو تأجيل بعض عمليات الخدمة الزراعية.
وأضاف أن ذلك ينعكس مباشرة على الأشجار والإنتاج، ولا سيما في مواسم الحمضيات التي تحتاج إلى متابعة مستمرة وكلفة مرتفعة للحفاظ على جودة المحصول.
ومن منطقة الحفة، أشار سامي شاهين إلى أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع الأسعار، وإنما تمتد إلى توقيت توفر بعض مستلزمات الإنتاج،
لافتاً إلى أن تأخر تأمين بعض المبيدات أو مستلزمات الري يضع المزارعين أمام خسائر إضافية، لأن العمليات الزراعية مرتبطة بمواعيد دقيقة، وأي تأخير قد يؤثر في جودة الإنتاج أو يزيد من انتشار الآفات الزراعية.
أما المزارع محمد إسماعيل من ريف القرداحة، فأكد أن تكاليف المحروقات وصيانة الآليات الزراعية أصبحت عبئاً إضافياً، خاصة مع الحاجة المستمرة للري وخدمة الأراضي،
مشيراً إلى أن عدداً من المزارعين خففوا المساحات المزروعة هذا الموسم بسبب ارتفاع الكلفة وعدم وضوح هامش الربح.
وأضاف أن تفعيل دور الوحدات الإرشادية من خلال الجولات الميدانية يسهم في توجيه المزارعين والحد من بعض الخسائر، ولا سيما فيما يتعلق بالأمراض الزراعية وطرق الاستخدام الصحيح للمبيدات والأسمدة.
ضغط على الإنتاج
وفي هذا السياق، أوضح المهندس مدحت عنقود، المختص في الاقتصاد والإرشاد الزراعي، في حديثه لـ”الثورة السورية”، أن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي يُعد من أبرز التحديات التي تواجه المزارعين اليوم،
إذ ينعكس بشكل مباشر على تكاليف الزراعة ويؤثر في قدرة المزارع على تنفيذ العمليات الزراعية بالشكل الأمثل، فارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات والبذار والمحروقات يؤدي إلى زيادة الأعباء المالية، ما يدفع بعض المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو خفض مستوى الخدمة المقدمة للمحصول.
وأضاف أن عدداً من المزارعين يلجؤون إلى تقليل كميات الأسمدة أو المبيدات المستخدمة بسبب ارتفاع تكلفتها، الأمر الذي قد يؤثر سلباً على نمو النباتات وقدرتها على مقاومة الآفات والأمراض،
موضحاً أن الاستخدام غير الكافي للمستلزمات الزراعية يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية وتراجع جودة المحصول من حيث الحجم والمواصفات التسويقية، كما يزيد من احتمالية تعرض المحاصيل للإصابات المرضية والحشرية.
كما لفت عنقود إلى أن بعض المناطق تعاني من صعوبات في تأمين بعض أنواع الأسمدة المتخصصة والمبيدات الزراعية والمحروقات اللازمة للعمليات الزراعية والري، إضافة إلى ارتفاع أسعار قطع الغيار والمستلزمات المرتبطة بالآليات الزراعية،
مبيناً أن التوقيت عامل أساسي في الزراعة، وأي تأخير في توفير الأسمدة أو المبيدات أو مستلزمات الري قد يؤدي إلى انخفاض فعالية العمليات الزراعية وخسارة جزء من الإنتاج المتوقع، خاصة في المحاصيل الحساسة للمواعيد الزراعية.
الإرشاد الزراعي في مواجهة التحديات
وحول أهمية الإرشاد الزراعي، أكد عنقود أنها تزداد في الظروف الحالية، لأنه يساهم في توجيه المزارعين نحو الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، واعتماد أساليب حديثة تقلل التكاليف وتحافظ على الإنتاج، إضافة إلى المساعدة في تشخيص المشكلات الزراعية ومكافحتها،
موضحاً أن الوحدات الإرشادية تبذل جهوداً مهمة في خدمة القطاع الزراعي، إلا أن حجم التحديات واتساع المساحات الزراعية قد يتطلبان دعماً أكبر للإمكانات البشرية والفنية لضمان وصول الخدمات الإرشادية إلى جميع المزارعين بالشكل المطلوب.
وأشار إلى أن أبرز القضايا التي تتطلب متابعة إرشادية مكثفة في الساحل تتمثل في مكافحة الآفات والأمراض الزراعية، وإدارة الري، وترشيد استخدام الأسمدة، بالإضافة إلى تحسين عمليات التقليم والخدمة في الأشجار المثمرة، والتعامل مع تأثيرات التغيرات المناخية،
مؤكداً أن ضعف التوعية أو غياب المعلومات الفنية الدقيقة قد يؤدي إلى تأخر اكتشاف الإصابات المرضية أو سوء استخدام المبيدات، ما يسهم في انتشار الآفات وانخفاض الإنتاجية.
وفيما يتعلق بالدور الميداني، شدد على أن الجولات الميدانية تُعد من أهم وسائل الإرشاد الزراعي، لأنها تتيح تشخيص المشكلات مباشرة في الحقول والبساتين، وتقديم الحلول المناسبة للمزارعين وفق الواقع الفعلي لكل منطقة،
لافتاً إلى أن الخبرة المتوارثة لا تزال تلعب دوراً مهماً، لكن التحديات الحالية وتطور المشكلات الزراعية يجعلان من الضروري الجمع بين الخبرة العملية والإرشاد العلمي المتخصص لتحقيق أفضل النتائج.
وبرأيه، تبرز اليوم محاصيل الحمضيات والزيتون والتبغ والخضروات المختلفة في الساحل السوري بوصفها أكثر المحاصيل التي تحتاج إلى دعم ومتابعة، نظراً لأهميتها الاقتصادية وتأثرها بالظروف المناخية والآفات الزراعية،
مشيراً إلى أن تخفيف الأعباء عن المزارعين يمكن أن يتحقق عبر توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، وتأمين المحروقات اللازمة، وتسهيل الحصول على القروض الزراعية، ودعم برامج التسويق والتصنيع الزراعي، إضافة إلى تعزيز الخدمات الإرشادية.
وختم حديثه بالتأكيد على أن تحسين الواقع الزراعي يتطلب العمل على عدة محاور، أهمها دعم مستلزمات الإنتاج، وتطوير شبكات الري، وتعزيز الإرشاد الزراعي، وتشجيع استخدام التقنيات الحديثة، ودعم البحث العلمي الزراعي، وتحسين عمليات التسويق والتخزين والتصنيع، بما يضمن استقرار دخل المزارعين وزيادة الإنتاج.
دراسة لإعادة هيكلة التكاليف
من جانبه، أوضح المهندس أحمد الأحمد، مدير الشؤون الزراعية ووقاية النبات في وزارة الزراعة، أن واقع مستلزمات الإنتاج يرتبط بجملة من الظروف الاقتصادية واللوجستية التي انعكست على مختلف القطاعات خلال السنوات الماضية.
وأشار الأحمد إلى أنه لم المديرية تتلق أي شكاوى تتعلق بكلفة مستلزمات الإنتاج أو توفرها، موضحاً أن الصعوبات المطروحة ترتبط بالظروف التي مرت بها المنطقة بسبب حرب النظام المخلوع، وما نتج عنها من انقطاع سلاسل التوريد وارتفاع كلفة المواد الأولية نتيجة أزمة الطاقة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الصناعات المرتبطة بالغاز والمحروقات.
كما أكد الأحمد أيضاً أن أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي شهدت ارتفاعاً مقارنة بالمواسم السابقة، مبيناً أن نسبة الزيادة تتراوح وسطياً بين 10 و15 بالمئة،
لافتاً إلى وجود عدة عوامل تؤثر في كلفة مستلزمات الإنتاج الزراعي، من بينها كلفة الشحن، ولا سيما بعد إغلاق مضيق هرمز، وما تسبب به ذلك من شح في البواخر القادمة إلى المنطقة وارتفاع الطلب عليها، وبالتالي زيادة الأسعار، إضافة إلى ارتفاع كلفة المواد الأولية،
موضحاً أن العديد من الدول رفعت أسعار مستلزمات الإنتاج نتيجة الأزمات القائمة والخشية من انقطاعها في أي وقت.
وفيما يتعلق بإجراءات دعم المزارعين، بين الأحمد أنه تم العمل حالياً على موضوع القرض الحسن بالنسبة لمحصول القمح، مشيراً إلى وجود دراسات لإعادة هيكلة التكاليف بما يتناسب مع الارتفاعات الطارئة، إلا أن هذه الإجراءات لن تطبق خلال الموسم الحالي، وإنما من المتوقع اعتمادها اعتباراً من الموسم القادم،
موضحاً أن دراسة التكاليف تأخذ بعين الاعتبار الزيادات التي طرأت مؤخراً، بهدف أن تكون أسعار المحاصيل مناسبة لارتفاع تكاليف الإنتاج التي يتحملها المزارعون.
من جانبه، أوضح مدير الزراعة في اللاذقية المهندس عبد الفتاح السمر أن دور الوحدات الإرشادية يتمثل في القيام بجولات على الحقول وتقديم النصائح الزراعية والفنية للمزارعين، إضافة إلى إجراء الجولات الإحصائية والتنظيم الزراعي الذي يتم على أساسه استجرار مستلزمات الإنتاج من أسمدة وبذار.
وأشار إلى أن هذه الجولات تسهم في متابعة الواقع الزراعي بشكل مباشر، وتحديد احتياجات المزارعين في مختلف المناطق الزراعية، إلى جانب تنظيم البيانات المرتبطة بالمحاصيل والإنتاج، بما يساعد على تأمين مستلزمات الإنتاج وفق الاحتياجات الزراعية لكل منطقة.
ختاماً، تبقى كلفة الإنتاج من أكثر الملفات حضوراً مع بداية كل موسم زراعي، في ظل تطلع المزارعين إلى إجراءات تسهم في تخفيف الأعباء وتأمين مستلزمات العمل الزراعي، بما يدعم استقرار الإنتاج ويحافظ على استدامة النشاط الزراعي ويعزز الأمن الغذائي خلال المواسم المقبلة.
الثورة السورية- علا محمد
