الحرف التراثية.. وجه آخر للهوية الثقافية في حلب

يحمل سوق الإنتاج الصناعي والزراعي في حلب الحرف التقليدية إلى واجهة المشهد الثقافي، ويجمع تحت سقف واحد عشرات الحرفيين الذين يقدمون صناعات ارتبطت بتاريخ المدينة وهويتها.

ويعرض السوق مراحل إنتاج المهن اليدوية أمام الزوار، ويعرّفهم بتفاصيل صناعات توارثها الحرفيون عبر الأجيال، في وقت يشكل فيه منصة لدعم المنتج المحلي، والحفاظ على التراث الحرفي، وفتح قنوات تسويقية أمام العاملين في هذا القطاع.

ومن خلال تنوع الحرف المشاركة، يؤكد السوق حضور الموروث الثقافي في الحياة اليومية، ويعزز استمراره عبر ربط الحرفيين بالمجتمع والأسواق.

الحرف التراثية تستعيد مكانها

شهد جناح اتحاد الحرفيين في الدورة الحالية من سوق الإنتاج الصناعي والزراعي مشاركة واسعة، ضمت أكثر من عشر حرفٍ يدوية وتراثية، يعود تاريخ بعضها إلى مئات السنين، فيما يجهل كثير من الزوار تفاصيلها وآليات إنتاجها.

وفي حديث خاص لـ”الثورة السورية”، وصف رئيس اتحاد الحرفيين في حلب، عمار مجنو، المشاركة بأنها مثمرة،

مبيناً أن الاتحاد حرص على تقديم باقة متنوعة من الحرف القديمة بهدف تعريف الزائرين بها وإبراز قيمتها التاريخية، إلى جانب إتاحة الفرصة أمام الحرفيين لعرض مهاراتهم مباشرة أمام الجمهور، بما يرسخ حضور هذه المهن في الوعي المجتمعي.

وأشار إلى أن السوق لا يكتفي بعرض المنتج النهائي، ويقدم تجربة حية تتيح للزائر مشاهدة مراحل التصنيع التقليدية، وهو ما يمنح هذه الحرف بعداً ثقافياً يتجاوز الجانب التجاري.

من جانبه، ذكر المسؤول عن قسم الحرفيين في سوق الإنتاج، محمد عزو، في تصريح خاص لـ”الثورة السورية”، أن جناح الحرفيين خُصص بالكامل لعرض إبداعات منتسبي اتحاد الحرفيين، ويضم ما بين عشرة واثني عشر حرفياً يمثلون مجموعة واسعة من المهن التراثية التي شكلت جزءاً من هوية مدينة حلب على امتداد عقود طويلة.

وأضاف أن المعرض يضم حرف القصب، وصناعة الكراسي والمجسمات، والنول، ونسيج البرم، والفسيفساء، والمكرمية، والسجاد اليدوي، وفنون السيراميك والجبصين، والزجاج المعشق، إلى جانب فن العجمي،

فضلاً عن مشاركة مجموعة من السيدات اللواتي افتتحن ورشة نجارة متخصصة بإنتاج قطع الزينة المنزلية من الخشب، في تجربة تؤكد قدرة الحرف التقليدية على استقطاب شرائح جديدة من المجتمع.

من النول إلى الفسيفساء.. مهن تقاوم الاندثار

تمثل الحرف المشاركة في السوق جانباً مهماً من الذاكرة الثقافية لمدينة حلب، إذ ما تزال مهن، مثل النول العربي، والنقش على النحاس، والتطريز اليدوي، والرسم على البورسلان وتشكيله، وتشكيل الخيزران، وصناعة لوحات الفسيفساء، والزجاج المعشق، وحياكة البرم، تحافظ على حضورها رغم التحديات.

ويؤكد مجنو أن كثيراً من هذه المهن ارتبط تاريخياً بمدينة حلب، فيما انتقل بعضها من مدن سورية أخرى ليجد مكانه ضمن المشهد الحرفي الحلبي، مشيراً إلى أن حياكة البرم كانت من الصناعات السورية التي وصلت منتجاتها إلى أسواق الخليج، بينما حافظت مهن أخرى على مكانتها بفضل تمسك الحرفيين بها جيلاً بعد جيل.

ولا تقتصر أهمية هذه الحرف على قيمتها الاقتصادية، إذ تشكل جزءاً من الهوية الثقافية والاجتماعية للمدينة، وتعكس ذائقة المجتمع وتاريخه، وتحمل في تفاصيلها أساليب إنتاج متوارثة لا تزال تعتمد على المهارة اليدوية والخبرة المتراكمة.

ورغم هذا الإرث، يواجه القطاع تحدياً يتمثل في تراجع عدد الحرفيين الشباب، إذ أوضح رئيس اتحاد الحرفيين أن النقص في الكوادر الخبيرة بات من أبرز العقبات، لكون معظم العاملين في هذه المهن من أصحاب الخبرات المتقدمة في العمر، في وقت ما تزال فيه عملية نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة تسير بوتيرة أبطأ من المطلوب.

وأفاد بأن الاتحاد يعمل على تشجيع الشباب على تعلم هذه المهن، بما يضمن استمرارها ويحميها من الاندثار.

المعارض جسر يربط الحرفيين بالأسواق

يحمل سوق الإنتاج الصناعي والزراعي للحرفيين أكثر من وظيفة، فهو يفتح نافذة مباشرة للتواصل مع المستهلكين، وأصحاب المحال التجارية، والمستوردين، بما يسهم في توسيع دائرة تسويق المنتج المحلي.

ويبين مجنو أن اللقاء المباشر بين الحرفي والجمهور يخلق فرصاً جديدة للتعاون التجاري، سواء من خلال عرض المنتجات داخل المتاجر، أو عقد اتفاقيات توريد، أو الوصول إلى أسواق خارجية، وهو ما يمنح الحرف التقليدية فرصة أكبر للاستمرار في ظل المنافسة المتزايدة.

وفي الوقت نفسه، يؤدي السوق دوراً توعوياً، إذ يشاهد الزوار الحرفيين أثناء العمل على النول، أو تنفيذ النقوش على النحاس، أو إنجاز أعمال التطريز اليدوي، الأمر الذي يعرّفهم بتفاصيل هذه الصناعات ويعيد ربطهم بها بصورة عملية، بدلاً من الاكتفاء بمشاهدة المنتج النهائي.

ويرى محمد عزو أن تخصيص جناح للحرف التراثية داخل سوق الإنتاج يعكس اهتماماً بالحفاظ على الموروث الثقافي، ويوفر دعماً معنوياً للحرفيين، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

وذكر أن الإقبال على جناح الحرف اليدوية كان لافتاً، رغم محدودية القدرة الشرائية، مبيناً أن كثيراً من الزوار كانوا يقضون وقتاً طويلاً بين الأجنحة، يلتقطون الصور مع القطع التراثية والحرفيين أثناء العمل، وهو ما يعكس تعطش المجتمع لمشاهدة هذه المهن عن قرب، ويمنح الحرفيين دافعاً معنوياً للاستمرار.

وفي جولة داخل قسم الحرف اليدوية، التقت “الثورة السورية” عدداً من الزوار الذين أكدوا أهمية هذه المشاركة.

وقالت الزائرة هبة الأحمد، وهي معلمة من مدينة حلب: “أكثر ما لفت انتباهي أن الأطفال كانوا يشاهدون الحرفيين وهم يعملون أمامهم، فالكثير من هذه المهن لم يعد موجوداً في حياتنا اليومية، هذه المعارض تعرّف الجيل الجديد بتاريخ مدينته بطريقة عملية أجمل من أي درس أو كتاب”.

بدوره، رأى الزائر أحمد مصطفى، وهو صاحب متجر، أن وجود هذا العدد من الحرفيين في مكان واحد يتيح للتجار فرصة التعرف مباشرة إلى المنتجات المحلية، مضيفاً: “وجدت منتجات ذات جودة عالية يمكن أن تلقى رواجاً في الأسواق، وأعتقد أن استمرار هذه المعارض سيفتح فرص تعاون جديدة بين الحرفيين وأصحاب المحال التجارية”.

أما محمد إسماعيل، وهو طالب جامعي، فرأى أن تخصيص مساحة للحرف اليدوية داخل سوق الإنتاج أضفى بعداً ثقافياً على المعرض، موضحاً أن المنتجات المعروضة تعكس تاريخاً طويلاً من الإبداع والصناعة، وأضاف أن مشاهدة مراحل تصنيع القطعة منذ بدايتها وحتى اكتمالها منحت الزوار فرصة لفهم قيمة الجهد الذي يبذله الحرفيون، الأمر الذي يعزز تقدير المجتمع لهذه المهن.

وأعربت الطفلة سارة علي عن سعادتها بزيارة جناح الحرف اليدوية، قائلة: “كنت أتوقف عند كل طاولة لأشاهد كيف تُصنع الأشياء، وأحببت الفسيفساء لأنها تتكون من قطع صغيرة تتحول إلى لوحة جميلة”.

وتمتد قيمة هذه المشاركة إلى ما بعد انتهاء المعرض، من خلال بناء علاقات تسويقية جديدة، وإعادة تقديم الحرفة التقليدية باعتبارها منتجاً قادراً على المنافسة، ورسالة ثقافية تستحق أن تنتقل إلى الأجيال المقبلة.

ويعكس سوق الإنتاج الصناعي والزراعي في حلب مكانة الحرف التقليدية، ويؤكد أن الحفاظ على هذه المهن يبدأ بتقديمها للجمهور، ودعم الحرفيين، وتوسيع حضور منتجاتهم في الأسواق،

كما تؤكد المشاركة الواسعة للحرفيين، والإقبال الكبير من الزوار، أن التراث الحرفي ما يزال حاضراً في وجدان المجتمع، وأن المعارض المتخصصة تؤدي دوراً مباشراً في صونه وتعزيز استمراره، وربط الماضي بالحاضر عبر إنتاج يحمل تاريخ حلب ويواصل حضوره في المستقبل.

الثورة السورية – ورد الشهابي

Exit mobile version