منذ أن بدأت نازانين نشاطها التجاري في طهران قبل ما يزيد قليلاً على عقد، واجهت العقوبات الأمريكية، وانهيارات متتالية للعملة، وحربين، لكن هذه هي المرة الأولى التي تضطر فيها إلى استخدام الائتمان لشراء البقالة.
بدأت حرب إيران في أواخر فبراير، ومنذ ذلك الوقت، اضطرت نازانين، وعمرها 56 عاماً، إلى تسريح موظفين والتخلي عن أي إنفاق غير ضروري لمواجهة الارتفاع الحاد في التكاليف.
ويجعل العيش بمفردها الأمر أسهل، لكنها مع ذلك تعجز أحياناً عن تغطية نفقاتها.
«في بعض الأيام لا يكون لدي أي مبلغ من المال»، حسبما قالت نازانين، طالبة عدم ذكر اسم عائلتها وتفاصيل شركتها بسبب حساسية التحدث إلى وسائل إعلام أجنبية. أضافت: «من المفيد جداً أن أتمكن من شراء احتياجاتي الأسبوعية بالتقسيط».
تغيير عادات الإنفاق
يغير الصراع عادات الإنفاق لدى الإيرانيين، بعدما تلاشت قدرتهم الشرائية تحت وطأة تضخم يقترب من 90% وعملة فقدت نحو 30% من قيمتها هذا العام.
وكانت عقود من العقوبات والفساد وسوء الإدارة خنقت الاقتصاد قبل الحرب بوقت طويل، لكن الحرب الأخيرة فاقمت المعاناة ودمرت بنية تحتية رئيسية.
بعد مرور نحو 6 أشهر على بدء الحرب، يراهن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن تكثيف الضغوط الاقتصادية على طهران سينجح. كذلك أبقى ترامب على حصار بحري مستمر منذ أشهر على أكثر الموانئ البحرية الإيرانية ازدحاماً.
وفي مقابلة مع «نيوزماكس» الخميس، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة تستعد للإعلان عن إجراءات اقتصادية جديدة «لم يسبق أن شوهد مثلها».
التقسيط يصل إلى الغذاء والاحتياجات الأساسية
في أنحاء العاصمة الإيرانية، تغطي واجهات المتاجر لافتات تعلن عن الائتمان من دون فوائد وخطط «اشتر الآن وادفع لاحقاً».
كانت هذه الخطط شائعة منذ سنوات في شراء السلع المعمرة مثل الأثاث أو أجهزة المطبخ، لكن استخدامها ارتفع بقوة منذ الحرب بعدما وسع تجار التجزئة نطاقها ليشمل الضروريات الأساسية،
ومنها الغذاء، وفق تقارير وسائل الإعلام الرسمية ونحو 12 شخصاً تحدثت إليهم «بلومبرغ» داخل البلاد. وطلب معظمهم عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من الانتقام.
يشكل الإيرانيون الفقراء والمعرضون للخطر بالفعل نحو 70% من السكان، وفق تقديرات هادي كحل زاده، الزميل غير المقيم في «معهد كوينسي» ومقره واشنطن.
وقال: «شراء الطعام والاحتياجات اليومية بالتقسيط هو أحد أوضح المؤشرات على أن التضخم انتقل من كونه مشكلة في الاقتصاد الكلي إلى جزء من بنية الحياة اليومية».
الاحتجاجات والانكماش يفاقمان الضغوط على إيران
يمثل هذا الواقع تحدياً لإيران في وقت تتصدى فيه لتهديدات ترامب ومطالبه. وقبل شهرين من بدء الحرب، أدى تراجع الريال إلى احتجاجات عنيفة في أنحاء البلاد تطورت إلى تحدٍ كبير بالنسبة للسلطات.
وقال «صندوق النقد الدولي» في أبريل إنه يتوقع انكماش الاقتصاد الإيراني 6.1% هذا العام، وهي أسرع وتيرة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، مع وصول التضخم إلى مستوى قياسي يبلغ 70%، وهي نسبة مرتفعة حتى بالنسبة إلى دولة تسجل أحد أعلى معدلات التضخم في العالم.
وتقدر الحكومة الإيرانية أن الأسابيع الـ6 الأولى من الحرب ألحقت بالاقتصاد أضراراً بقيمة 270 مليار دولار.
وتشير نازانين، صاحبة النشاط التجاري في طهران، إلى أن الارتفاعات الهائلة في الأسعار تضع الأسر تحت ضغط شديد.
الائتمان يساعد التجار على الاحتفاظ بالعملاء
تعد زيادة خطط الدفع والائتمان، في اقتصاد كان تقليدياً واحداً من أكبر الاقتصادات المعتمدة على النقد في الشرق الأوسط، مؤشراً بحد ذاته على تكيف البلاد مع دورة جديدة من المصاعب الاقتصادية.
وقال محمود، الذي يدير نشاطاً صغيراً لبيع معدات الصوت والفيديو في طهران، إن التقسيط والائتمان كانا ضروريين لتجار التجزئة من أجل الاحتفاظ بالعملاء. وهو أيضاً يستخدمهما كثيراً لشراء السلع الأساسية.
الاقتصاد في قلب جدل التفاوض
الاقتصاد كان في صميم جدل سياسي حاد، يخوضه المتشددون في معظمه، بشأن ما إذا كان ينبغي للمسؤولين الإيرانيين مواصلة التواصل مع الولايات المتحدة، في وقت يقولون فيه إن جميع محاولات التفاوض مع ترامب انتهت بقصف إيران.
يرى كحل زاده أن إيران من المرجح أن تعيد توجيه الموارد إلى الجهود العسكرية وتنقل العبء فعلياً إلى السكان. فالآليات نفسها التي تساعد على تجاوز الضغوط الخارجية، مثل سيطرة الدولة والتجارة غير الرسمية وخفض الواردات، تقوض الاقتصاد ورفاه الأسر.
وقال كحل زاده: تساعد هذه الإجراءات على تجنب الانهيار الفوري، لكنها تتركنا أيضاً أمام تضخم مرتفع وبطالة وفقر، مشبهاً الأثر العام بـ«فخ الصمود».
في بداية القرن، كانت إيران أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط. أما الآن، فتتخلف عن عدد من جيرانها مثل السعودية أو الإمارات العربية المتحدة، كما تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالقيمة الاسمية.
الحصار البحري يهدد التجارة والاقتصاد الإيراني
حذر مجيد رضا حريري، رجل الأعمال ورئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية ومقرها طهران، من أن الحصار الأمريكي أكثر ضرراً من الحرب.
وقال في مقابلة نشرتها منصة «خبر أونلاين» شبه الرسمية، إن الطرق البرية والسكك الحديدية لا يمكنها أبداً تعويض التجارة البحرية التي تعتمد عليها إيران والتي أخذت تفقدها.
وقال محمد رضا فرزانغان، أستاذ الاقتصاد في جامعة فيليبس، إن استمرار الحصار البحري لفترة طويلة سيؤدي على الأرجح إلى «نقص خطير في الغذاء والوقود والأدوية ومدخلات الصناعة أو النقد الأجنبي»، مع احتمال توسيع نطاق التقنين وفرض ضوابط على الأسعار.
بلومبيرغ
