محليات

الجامع الأموي في حلب.. ترميم يحفظ التاريخ ويحيي المكان

في قلب المدينة القديمة، حيث تتقاطع الأسواق العتيقة مع أزقة حملت آثار حضارات متعاقبة، يقف الجامع الأموي الكبير في حلب شاهداً على أكثر من ثلاثة عشر قرناً من التاريخ.

تعاقبت عليه دول وسلاطين، ومرّ بزلازل وحرائق وغزوات، قبل أن يواجه واحدة من أقسى محطاته خلال سنوات الثورة السورية، حين طالت قذائف النظام المخلوع مئذنته التاريخية وأجزاء واسعة من بنائه، فتحولت صورته الراسخة في ذاكرة الحلبيين إلى مشهد من الركام.

واليوم، تفتح أعمال الترميم فصلاً جديداً في تاريخ هذا الصرح، في محاولة لإعادة الحياة إلى أحد أبرز المعالم الإسلامية في سوريا، واستعادة مكانته الدينية والثقافية والحضارية، وإحياء جزء أصيل من ذاكرة مدينة لم تتوقف عن النهوض بعد كل محنة.

سجل معماري يختصر قروناً من الحضارة

يعد الجامع الأموي الكبير في حلب أحد أبرز المعالم الإسلامية في سوريا والعالم الإسلامي، ويعرف أيضاً بأسماء عدة، منها «الجامع الكبير» و«جامع بني أمية»، كما يطلق عليه اسم «جامع النبي زكريا» لاحتضانه مقاماً ينسب إلى النبي زكريا عليه السلام.

ويرجع تاريخ بنائه إلى العصر الأموي، وسط روايتين تاريخيتين حول الجهة التي أنجزته؛ إحداهما تنسب البناء إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك عام 715 ميلادية، والأخرى ترجح أن الخليفة سليمان بن عبد الملك استكمل المشروع بعد وفاة أخيه، خلال عامي 716 و717 ميلادية.

وقال الباحث المتخصص في الآثار الإسلامية عدنان المحمد، في حديث لصحيفة «الثورة السورية»، إن الجامع الأموي الكبير في حلب يمثل واحداً من أهم المعالم الإسلامية والتاريخية والأثرية في سوريا والعالم العربي والشرق الإسلامي،

مضيفاً أن الروايات التاريخية تشير إلى أن الوليد بن عبد الملك بدأ المشروع في أواخر فترة حكمه، قبل أن يستكمله سليمان بن عبد الملك، في حين يبقى المؤكد تاريخياً أن الوليد هو باني الجامع الأموي في دمشق.

وبيّن أن قيمة الجامع لا ترتبط بتاريخ تأسيسه فقط، وإنما بما شهده من توسعات وترميمات متعاقبة عبر قرون طويلة، الأمر الذي جعله يحتفظ بعناصر معمارية تنتمي إلى عصور مختلفة، تبدأ بالعصر الأموي، وتمر بالعصور السلجوقية والزنكية والأيوبية والمملوكية، وصولاً إلى العهد العثماني.

وأضاف أن هذا التنوع منح الجامع خصوصية استثنائية، إذ تحول إلى سجل معماري حي يوثق تطور العمارة الإسلامية عبر قرون متتالية، من خلال الزخارف الحجرية، والنقوش العربية، واستخدام الحجر الحلبي المحلي الذي ارتبط بهوية المدينة العمرانية.

وأشار إلى أن الجامع يتجاوز كونه مبنى دينياً، فهو وثيقة حضارية متكاملة تعكس تطور الفن الإسلامي، وتحفظ آثار مدارس معمارية متعاقبة داخل بناء واحد، وهو ما يميزه عن كثير من الجوامع التاريخية في المنطقة.

ولم يقتصر دور الجامع على الجانب الديني، إذ شكل عبر تاريخه مركزاً للعلم والقضاء والحياة الاجتماعية، بحكم موقعه في قلب المدينة القديمة، إلى جانب قلعة حلب والأسواق التاريخية المدرجة على قائمة التراث العالمي، الأمر الذي جعله محوراً للحياة اليومية في المدينة على مدى قرون.

ولفت المحمد إلى أن المئذنة السلجوقية، التي شيدت عام 1090، كانت من أبرز عناصر الجامع، وتميزت بزخارفها الحجرية الدقيقة وكتاباتها الكوفية، حتى عدّت من أجمل المآذن الإسلامية على مستوى العالم.

من منبر للعلم إلى هدف للقصف

حافظ الجامع الأموي الكبير على مكانته رغم ما تعرض له عبر التاريخ من زلازل وغزوات وحرائق، قبل أن يدخل واحدة من أصعب مراحله مع اندلاع الثورة السورية.

في شهر آذار عام 2011، خرجت أول مظاهرة مناهضة للنظام في مدينة حلب من داخل الجامع الأموي، قبل أن تعتقل قوات الأمن عدداً كبيراً من المشاركين فيها، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الجامع ارتبطت بأحداث الثورة.

وخلال عامي 2012 و2013، تعرضت الأسواق التاريخية المحيطة بالجامع لدمار واسع نتيجة المعارك، ثم امتدت الأضرار إلى أجزاء من الجامع، حيث احترق مصلى النساء بالكامل، وفقدت مقتنيات تاريخية، من بينها آثار منسوبة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، إضافة إلى منبر الخطيب، الذي كان يعد ثاني أقدم المنابر الإسلامية بعد منبر المسجد الأقصى.

وفي نيسان عام 2013، تلقى الجامع الضربة الأكبر مع سقوط مئذنته التاريخية نتيجة قصف قوات النظام المخلوع.

وأشار المحمد إلى أن عالم الآثار الألماني إرنست هرتسفلد وصف المئذنة بأنها إحدى أبرز نماذج العمارة الإسلامية في منطقة البحر المتوسط، موضحاً أن ارتفاعها بلغ نحو 54 متراً، وخضعت لعدة عمليات ترميم وتطوير عبر العصور، قبل أن تتحول إلى ركام.

وذكر أن أعمال الترميم الحالية نجحت في إعادة بناء المئذنة اعتماداً على نسبة كبيرة من حجارتها الأصلية التي أمكن إنقاذها بعد انهيارها، في حين استبدلت الأحجار التي تعرضت للتفتت بقطع جديدة مطابقة للمواصفات التاريخية، وهو ما يعكس حرص فرق الترميم على الحفاظ على أصالة الموقع.

وأكد أن الجامع لا يضم زخارف فسيفسائية كما هو الحال في الجامع الأموي بدمشق، وإنما يتميز بزخارف حجرية ورخامية تعود إلى عصور متعددة، وهو ما يمنحه شخصية معمارية متفردة ضمن العمارة الأموية.

وأوضح المحمد أن أعمال الترميم ستسهم أيضاً في الحفاظ على الحرف التقليدية من الاندثار، وتوفير فرص عمل للحرفيين، وتنشيط قطاع اقتصادي وثقافي ارتبط بتاريخ المدينة، مضيفاً أن إعادة بناء الجامع تعني كذلك استعادة جزء من البيئة الثقافية والاجتماعية التي تشكلت حوله عبر الأجيال.

كذلك شدد على أن الجامع ظل على الدوام محطة رئيسية لكل من يقصد حلب، من سكانها وزوارها، بحكم موقعه الذي يربط قلعة حلب بالأسواق القديمة، الأمر الذي يمنحه أبعاداً دينية وسياحية واجتماعية في آن واحد.

الترميم.. استعادة للهوية قبل إعادة البناء

تتواصل اليوم أعمال ترميم الجامع الأموي الكبير بإشراف مديرية أوقاف حلب، وتنفيذ المؤسسة السورية للبناء والتشييد، بهدف استكمال تأهيل الصرح وتهيئته لاستقبال المصلين والزوار.

وأوضح مسؤول المكتب الإعلامي في مديرية أوقاف حلب، محمد إسقاطي، في حديث لصحيفة «الثورة السورية»، أن الأعمال الحالية تشمل صيانة الأروقة، والحجازية، وبلاط صحن الجامع، وتأهيل السبيل والموضأ، إلى جانب استكمال بناء المئذنة التاريخية.

وأضاف أن فرق العمل تركز على تنفيذ الأعمال الإنشائية والمعمارية الأساسية وفق معايير ومواثيق ترميم المدينة القديمة، بما يحافظ على القيمة الأثرية للموقع، ويتيح إعادة افتتاحه أمام المصلين في أقرب وقت.

وأفاد بأن الأضرار شملت معظم أجزاء الجامع، وكانت الجهة الشرقية والمئذنة الأكثر تضرراً، الأمر الذي استدعى أعمالاً دقيقة استغرقت وقتاً طويلاً لإعادة كل عنصر إلى مكانه الأصلي.

وتابع إسقاطي أن أهمية إعادة تأهيل الجامع الأموي الكبير تشمل استعادة رسالته الدينية والعلمية التي ارتبط بها على مدى قرون.

وبيّن أن الجامع شكّل عبر تاريخه مركزاً لتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية، واحتضن حلقات دائمة لتحفيظ القرآن الكريم وتجويده، إلى جانب دروس التفسير، والحديث الشريف، وعلوم اللغة العربية، كما استضاف حلقات إقراء القراءات العشر التي قصدها طلاب العلم من داخل حلب وخارجها.

ولفت إلى أن منبر الجامع احتضن دروساً منتظمة ألقاها كبار علماء المدينة في الفقه الشافعي والحنفي، والسيرة النبوية، والأخلاق، حتى غدا مرجعاً علمياً ودينياً لأجيال متعاقبة، ومقصداً لطلاب العلم والباحثين، وأسهم في ترسيخ منهج الاعتدال والوسطية داخل المجتمع الحلبي.

وأكد أن مديرية أوقاف حلب تنظر إلى مشروع الترميم على أنه خطوة لإحياء هذا الإرث العلمي والثقافي، إلى جانب الحفاظ على القيمة المعمارية للموقع، من خلال إعادة تفعيل رسالته الدعوية والتعليمية مع استكمال أعمال التأهيل، ليواصل الجامع دوره منارة للعلم، ومنبراً للاعتدال، وحاضنة للنشاط الديني والثقافي في مدينة حلب.

ولفت إلى أن أهمية الجامع تتجاوز وظيفته الدينية، إذ يمثل مركزاً اجتماعياً وثقافياً وتاريخياً يتوسط الأسواق القديمة، وأن استعادته تعني إحياء جزء أساسي من الحياة اليومية في المدينة، إلى جانب دوره في استقبال الزوار والسياح.

من جانبه، اعتبر أستاذ التاريخ محمد الرجب أن الجامع يجسد صمود مدينة حلب أمام الكوارث الطبيعية والبشرية، مبيناً أنه واجه عبر تاريخه الزلازل والغزوات، من اجتياح المغول وصولاً إلى الدمار الذي لحق به خلال سنوات الثورة السورية بسبب قصف النظام المخلوع.

وأردف، في حديث لصحيفة «الثورة السورية»، أن الجامع ارتبط تاريخياً بدور الإفتاء والعلم الشرعي في المدينة، وشكل مرجعاً دينياً وثقافياً لأجيال متعاقبة، الأمر الذي منح إعادة تأهيله بعداً يتجاوز إعادة بناء الحجارة.

ووفق الرجب، فإن استثمار الجامع بعد انتهاء أعمال الترميم يتطلب تعاوناً بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، إلى جانب بناء شراكات مع المؤسسات الدولية والدول الإسلامية المتخصصة في حماية التراث، بما يضمن استدامة أعمال الصيانة وربط الموقع بالمسارات السياحية والثقافية داخل المدينة.

ويرى أن مشروع الترميم يشكل فرصة لإحياء الحرف التقليدية المرتبطة بالعمارة الإسلامية، مثل نحت الحجر، وصناعة الزخارف، والأعمال الخشبية، وهي مهن ارتبطت بمدينة حلب عبر مئات السنين.

وتواصل المؤسسة السورية للبناء والتشييد تنفيذ اللمسات الأخيرة للمشروع، التي تشمل استكمال المئذنة، وترميم أرضيات الصحن، وتأهيل البنية التحتية والخدمات الكهربائية، اعتماداً على خبرات وطنية ومواد تتوافق مع الطابع المعماري التاريخي، بهدف الحفاظ على هوية الجامع وإعادته منارة دينية وثقافية كما كان عبر القرون.

الثورة السورية – ورد الشهابي

Related Articles

Back to top button