
يشهد الواقع التعليمي في مدينة حلب خلال الفترة الأخيرة تحولات واضحة في أنماط التعليم وخيارات الأهالي،
مع ازدياد الاعتماد على المدارس الخاصة والدروس الخصوصية، وتراجع الإقبال على التعليم في المدارس الحكومية، في مشهد يعكس فجوة متزايدة في الثقة بين الأسرة والمؤسسة التعليمية العامة.
فبعد أن كانت الدروس الخصوصية محصورة في طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية، أصبحت اليوم ظاهرة شائعة لدى مختلف المراحل الدراسية، بما فيها الصفوف الابتدائية، بالتوازي مع توسع المعاهد التعليمية وازدياد عدد المدارس الخاصة.
ويرى أهالٍ أن هذا التحول جاء نتيجة مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها تضرر عدد كبير من المدارس الحكومية خلال سنوات الحرب، ونقص الكوادر والمستلزمات التعليمية، إضافة إلى ازدحام الصفوف وضعف المتابعة الفردية للطلاب.
مناهج ضخمة وضيق في الوقت
مديرة ثانوية معاوية للبنات بتول حاج إسماعيل أوضحت لصحيفة الثورة السورية أن معظم الأهالي يفضلون المدارس الخاصة في مرحلة البكالوريا تحديداً، بسبب خشيتهم من عدم تمكن المدرسين في المدارس الحكومية من إنهاء المنهاج كاملاً قبل الامتحانات.
وأشارت إلى أن ضخامة المناهج، ولا سيما في المواد العلمية، وضيق الوقت الدراسي، يجعل من الصعب على المدرس إتمام جميع الدروس والتمارين المطلوبة، الأمر الذي يدفع الطلاب إلى اللجوء للدروس الخصوصية لتعويض النقص.
وأضافت أن حتى المدارس الخاصة، رغم بدء التدريس خلال أشهر الصيف، لا تتمكن أحياناً من إنهاء كامل المنهاج، ما يجعل الدروس الخاصة خياراً شبه إلزامي للطلاب الراغبين بتحقيق نتائج مرتفعة.
ضعف الضبط ونقص الكوادر
ولفتت حاج إسماعيل إلى أن غياب الضوابط التربوية في بعض المدارس، وضعف الرقابة الأسرية في المنازل، ساهما في انتشار حالة من الفوضى التعليمية، وصعوبة ضبط سلوك الطلاب داخل الصفوف.
وأقرت بوجود حالات إهمال لدى بعض المدرسين في المدارس الحكومية، معتبرة أن هذا الأمر من أبرز الأسباب التي تدفع الأهالي لتفضيل التعليم الخاص، بحثاً عن انضباط أكبر ومتابعة أدق لأداء أبنائهم.
كما أشارت إلى نقص واضح في الكوادر التعليمية، خاصة في المواد العلمية، إضافة إلى حاجة المعلمين الجدد لدورات تدريبية متخصصة في أساليب التدريس الحديثة والتواصل التربوي مع الطلاب.
وبيّنت حاج إسماعيل أن المدارس الخاصة تعتمد بشكل كبير على التسويق والإعلانات والتواصل المستمر مع الأهالي، ما يمنحها أفضلية إضافية في كسب ثقة الأسر.
وأوضحت أنها حاولت تطبيق تجربة مماثلة في المدرسة الحكومية عبر إنشاء مجموعات تواصل مع أهالي الطلاب على وسائل التواصل الاجتماعي، لتبادل الجداول والبرامج والنتائج، وهو ما لاقى تفاعلاً إيجابياً وساعد على تحسين العلاقة بين المدرسة والأسرة.
مخلفات الحرب والفجوة التعليمية
وترى حاج إسماعيل أن الحرب لعبت الدور الأبرز في تعميق الفجوة بين الأهالي والمدارس الحكومية، حيث أدى القصف والنزوح والتهجير إلى انقطاع آلاف الطلاب عن الدراسة، وخروج عدد كبير من المدرسين من العملية التعليمية.
وأشارت إلى أن كثيراً من الأهالي امتنعوا عن إرسال أبنائهم إلى المدارس خلال سنوات الحرب خوفاً على سلامتهم، واعتمدوا بدلاً من ذلك على التعليم المنزلي أو الدروس الخصوصية، ما خلق تفاوتاً كبيراً في المستوى التعليمي بين منطقة وأخرى.
وأضافت أن المناطق التي شهدت اشتباكات مكثفة تراجع فيها مستوى التعليم بشكل واضح مقارنة بمناطق أخرى أكثر استقراراً من الناحية الخدمية والمادية.
بين المجانية وجودة التعليم
وفي ختام حديثها، أكدت حاج إسماعيل أن المدارس الحكومية ما تزال تمتلك كفاءات تعليمية عالية من حيث الشهادات والخبرات، لكنها تعاني من ضعف الإمكانات والبنية التحتية المتضررة، حيث تحولت كثير من المدارس خلال الحرب إلى مراكز إيواء.
ورغم ذلك، شددت على أن المدرسين مستمرون في أداء رسالتهم التعليمية ضمن الظروف الصعبة، للحفاظ على حق التعليم المجاني، ومحاولة تطوير العملية التعليمية قدر المستطاع.
وتبقى أزمة التعليم في حلب اليوم مرتبطة بسؤال مركزي: كيف يمكن إعادة الثقة بالمدارس الحكومية، وتحقيق تعليم نوعي مجاني، دون أن يتحول التعليم الجيد إلى امتياز مرتبط بالقدرة المالية فقط؟
الثورة السورية – راما نسريني













