
لم يكن صباح الأربعاء الماضي عادياً في مدينة معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي، إذ انهار سقف أحد المنازل المتضررة فوق العاملين على ترميمه، ما أدى إلى وفاة عاملَين وإصابة اثنين آخرين.
هذه الحادثة ليست معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة حوادث تعكس خطورة الأبنية المتضررة والآيلة للسقوط بعد سنوات طويلة من القصف والدمار، إضافة إلى تداعيات الزلزال الأخير، وسط ضعف الإمكانيات وغياب الرقابة الفنية.
في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أُصيب أربعة مدنيين في ريف حماة، إثر انهيار منزل متصدع أثناء ترميمه في مدينة كرناز. وفي حادثة أخرى في مايو/أيار، أُصيب ثلاثة مدنيين، امرأتان ورجل، بجروح وكسور متفاوتة، إثر انهيار شرفة منزل متصدع في بلدة إحسم بريف إدلب الجنوبي.
وفي وقت سابق، أصيب ستة عمّال بجروح متفاوتة الخطورة، إثر انهيار بناء قيد الترميم على طريق حمص- القصير، كما توفي ثلاثة مدنيين وأُصيب ثمانية آخرون جراء انهيار مبنى سكني في بلدة الزربة جنوب غربي حلب.
وحذّرت فرق الدفاع المدني مراراً من خطورة الأبنية المتضررة، إذ تزيد الأمطار والرياح والرطوبة من احتمالات الانهيار، وفي العاصمة دمشق، أنقذت فرق الدفاع المدني عائلة مؤلفة من سبعة أفراد، بينهم امرأة مسنّة، عقب انهيار سقف منزلهم المتصدع في حي المهاجرين.
من معرة النعمان، يقول وسام الناصيف لـ”العربي الجديد”، إنّ “الظروف المعيشية الصعبة وغياب الدعم الهندسي يدفعان الكثير من الأهالي إلى ترميم منازلهم بجهود فردية وبإمكانات محدودة، من دون الاستعانة بمهندسين أو بشركات بناء، بسبب التكاليف المرتفعة. العائلات تدرك حجم مخاطر الأبنية المتصدعة، لكنها تجد نفسها أمام خيارات شبه معدومة، في ظل الحاجة الملحّة إلى مأوى”.
ويضيف الناصيف أن “الأهالي يفضلون المجازفة بالبقاء تحت أسقف مهددة بالانهيار عوض مواجهة البرد في العراء أو تحمل كلفة الإيجارات المرتفعة. بات الخوف جزءاً من حياتنا اليومية، إذ يتوقع كثيرون الأسوأ مع كل منخفض جوي، في ظل غياب أي حلول عملية أو برامج دعم تساعد في ترميم المنازل بشكل آمن، أو إيجاد بدائل تحفظ كرامتهم وسلامتهم”.
من دارة عزة بريف حلب الغربي، تقول جميلة الدالي لـ”العربي الجديد” إنّ “الخوف لم يعد شعوراً عابراً، بل تحول إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية للأهالي الذين يسكنون منازل متضررة. نعيش تحت أسقف متشققة، وكل عاصفة تعيد إلينا كوابيس الانهيار، وطوال الليل نراقب الجدران ونصغي لأي صوت غير مألوف”.
وتوضح الدالي أن “أكثر ما يثقل كاهل العائلات هو القلق على الأطفال، خصوصاً أن الكثير منهم يعانون اضطرابات في النوم، وينامون خائفون، وبعضهم يستيقظ باكياً عند أول صوت رعد أو عند ارتطام المطر بالسقف. ضعف الإمكانيات يحرم الأهالي من أي ترميم يضمن السلامة، وما نقوم به هو مجرد ترقيع مؤقت، إذ نُغلق شقوقاً هنا أو ندعم جداراً هناك، لكننا نعرف أن البيت غير آمن. مع ذلك، تفضل عائلات عدة البقاء في هذه المنازل الخطرة عوض النزوح مجدداً، وفقدان ما تبقى من شعور الاستقرار، على أمل أن تمر العاصفة بسلام، وألا نفقد أحداً تحت الأنقاض”.
ويقول المهندس المدني محمود العلي لـ”العربي الجديد”: “هذا الواقع هو نتيجة تراكم سنوات من القصف والدمار وغياب التقييم الفني الجاد. العديد من الأبنية المتضررة بحاجة إلى فحص هندسي شامل قبل أي ترميم، فالعمل العشوائي، أو التسرع في البناء من دون الالتزام بالشروط الإنشائية، يحوّل ورش الترميم إلى مصائد موت، والزلزال الذي ضرب المنطقة قبل قرابة ثلاثة سنوات ضاعف خطورة التصدعات غير المرئية، وعلى السلطات المعنيين وضع برامج دعم فني وتمويل جزئي للأهالي، لأن التحذيرات وحدها لا تكفي”.
وبحسب فريق “منسقو استجابة سورية”، فإنّ أكثر من 58 ألف منزل تضرر نتيجة القصف في محافظات حلب وحماة وإدلب وحمص وريف دمشق، وتوزعت الأضرار بين 16.333 منزلاً منهاراً بالكامل، و21.844 منزلاً بأضرار جزئية، و19.483 منزلاً بأضرار طفيفة، ما يعني أن مئات آلاف السوريين يعيشون في بيئة سكنية غير آمنة.
ومؤخراً، بادرت محافظة ريف دمشق إلى وضع علامات على بعض الأبنية التي صنّفتها بأنها آيلة للسقوط، ولا يمكن إعادة ترميمها، ويجب هدمها، لكن هذا الإجراء أثار اعتراضات الأهالي، بسبب ما اعتبروه تصنيفات غير مدروسة جيداً، ورغم دعوات الدفاع المدني المتكررة للأهالي من أجل تفادي الاقتراب من الأبنية المتصدعة قبل تقييمها فنياً، إلا أن الواقع المعيشي الصعب، وغياب البدائل السكنية، يدفع الكثيرين إلى المخاطرة بحياتهم.
العربي الجديد- هاديا المنصور












