تمثل احتجاجات المعلمين في الشمال السوري، التي جاءت تحت شعار «إضراب الكرامة»، نقطة تحول في ملف ظروف العمل والأجور، ففي تشرين الثاني الماضي، نفّذ مئات المعلمين إضراباً للمطالبة بتحسين الأجور، وتثبيت العقود، وزيادة الرواتب بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية الصعبة.
وعلى الرغم من الوعود التي قدمتها الحكومة، بما في ذلك تحسينات تدريجية على الرواتب، فإن المعلمين يرون أن هذه التدابير غير كافية، في المقابل، تضع هذه الاحتجاجات هيبة المعلم في المنطقة على المحك، وتسلط الضوء على واقع قطاع التعليم الذي يعاني نقصاً حاداً في التمويل.
واستأنف المعلمون في الشمال السوري الإضراب المفتوح بعد أسابيع من تعليقه قبيل عيد التحرير، وذلك عقب انتهاء المهلة التي منحوها للجهات المعنية كفرصة أخيرة لتنفيذ تعهداتها، وحدد المعلمون الثامن من كانون الأول 2025 موعداً نهائياً لبدء تنفيذ تلك الوعود.
وشمل الإضراب الجديد مدارس في ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، إضافة إلى عشرات المدارس في مناطق متعددة من ريف إدلب، كما توسع إلى مدينة منبج،
ويؤكد هذا التوسع خطورة الملف وأهمية تعاطي وزارة التربية بجدية مع حالة الإضراب، لما لها من انعكاسات سلبية على العملية التعليمية والتربوية، وعلى التلاميذ وأسرهم والمجتمع على حد سواء.
تدني الرواتب يعزز مظلومية المعلم
وفي حديث لصحيفة «الثورة السورية»، أوضح مدرس الرياضيات محمود السليمان أن إضراب المعلمين لا يقتصر على محافظة إدلب، بل شمل منذ بدايته كامل الشمال السوري، ويتوسع حالياً نتيجة المظلومية الكبيرة التي يعاني منها المعلمون في سوريا عموماً وفي الشمال على وجه الخصوص،
وتشمل هذه المظلومية تدني الأجور والرواتب، وعدم الوفاء بالوعود والتعهدات التي قدمها ممثلو وزارة التربية في إدلب وحلب، إلى جانب غياب التعاطي الجاد مع هذا الملف، ما حال دون تحقيق أي تقدم فيه، علماً أن المطالب طُرحت منذ نحو ثلاثة أشهر من دون أن يتحقق أي منها حتى اليوم.
وأشار السليمان إلى أن الوعود التي تلقاها المعلمون من الحكومة تراوحت بين تثبيت جميع الموظفين، وهو وعد لم يتم الالتزام به، وزيادة الرواتب التي حُدد موعد تنفيذها في ذكرى التحرير، لكنها لم تُنفذ حتى الآن،
كما شملت الوعود احتساب سنوات خدمة المعلمين في المناطق المحررة سابقاً كسنوات عمل رسمية، وهو ما لم يُطبق أيضاً، وانتقد السليمان طريقة تعامل الوزارة مع ملف المعلمين المفصولين تعسفياً في عهد النظام المخلوع، حيث أُعيدوا وفق عقود مؤقتة فقط.
في المقابل، أشار السليمان إلى تنفيذ الوزارة جزءاً من المطالب، والمتمثل بنقل المعلمين المثبتين في محافظة حلب إلى قراهم الأصلية، مع الإبقاء على اعتمادهم المالي وفق راتب ريف حلب، الذي يختلف عن راتب إدلب، إذ يبلغ راتب المعلم في إدلب نحو 130 دولاراً، في حين لا يتجاوز راتب المعلم في ريف حلب 90 دولاراً.
وحول تدني الأجور والتزام الوزارة بتسليم مستحقات المعلمين في مواعيدها، أوضح السليمان أن المعلمين “يشعرون باستياء شديد حيال هذا الموضوع، لأن الطالب حين ينظر إلى معلمه بعين الشفقة، لعدم قدرته على تأمين حياة كريمة لأسرته، تتراجع هيبته أمامه”، وأكد في هذا السياق حدوث تأخير متكرر في تسليم الرواتب، وعدم وجود موعد ثابت لتحويلها.
لماذا لم تتمكن الوزارة من تلبية مطالب المعلمين؟
لم تستجب وزارة التربية للأسئلة التي وجهتها صحيفة «الثورة السورية» بهذا الخصوص، مكتفية بالاعتذار عن الإجابة في الوقت الحالي.
من جانبه، أكد المدرس عبد الملك الحاج عثمان لصحيفة «الثورة السورية» أن استئناف الإضراب جاء نتيجة الوعود التي أطلقها مديرو التربية في إدلب وحلب، والتي نصت على زيادة رواتب المعلمين في الذكرى السنوية الأولى لسقوط النظام المخلوع، إلا أنه لم يصدر أي قرار بهذا الخصوص، الأمر الذي أثار حالة من الانزعاج في أوساط المعلمين، الذين اعتبروا ذلك استهزاءً واضحاً بحقوقهم ومكانتهم من قبل مديريات التربية.
ويوضح أن الاستياء الذي يشعر به المعلم إزاء تدني راتبه مقارنة برواتب بقية القطاعات لا يرتبط بتفضيل موظفي التعليم على حساب موظفي الوزارات الأخرى، بل يعد حقاً مشروعاً لجميع موظفي الدولة، ويؤكد أن المعلمين يدعمون جميع القطاعات، ولا يعارضون حصول موظفي وزارتي الدفاع والداخلية، على سبيل المثال، على رواتب مرتفعة.
وتابع قائلاً: “نحن نود أن يُصنَّف التعليم ضمن هذه الزيادات، لأنه حق مشروع لمن كان يدرّس أبناءنا في الخيام وفي مختلف الظروف التي مرت بها البلاد خلال سنوات الثورة”.
ويشير إلى أن الوزارة لم تصرف مستحقات المعلمين الذين راقبوا امتحانات الشهادتين في ريف حلب الشمالي، كما أن بعضهم لم يتقاضَ منحة عيد الأضحى حتى الآن، إضافة إلى عدم صدور ملف دمج كامل حتى اليوم.
ومن جانب آخر، يستبعد عثمان أن تؤدي مطالب المعلمين إلى خلق فجوة بينهم وبين الحكومة بأي شكل من الأشكال، مؤكداً: “نحن نسعى إلى بناء البلاد في ظل الحكومة، ونحمّل وزارة التربية ووزيرها محمد تركو مسؤولية شح الرواتب، وعدم انتظام مواعيد صرفها، وعدم تأمين مستلزمات المدارس من كتب ومدافئ ومازوت،
إذ لم يتم، وللأسف، تزويد المدارس بمادة المازوت، ونؤكد مجدداً مطالبنا بزيادة الرواتب، وإنصاف المعلمين المفصولين بسبب الثورة عبر إعادتهم إلى الخدمة بأسرع وقت، ومتابعة ملف دمج الشمال كاملاً، وتأمين حياة كريمة للمعلم، وتوفير مستلزمات المدارس كافة”.
تحديات أمام استقرار العملية التعليمية
وفي حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، يلفت الباحث في مركز عمران للدراسات أيمن الدسوقي إلى وجود تفاوت واضح في منظومة التعليم بين مناطق النفوذ القائمة قبيل سقوط نظام الأسد، ولا سيما من حيث المناهج والرواتب،
ففي شمال غربي سوريا كان قطاع التعليم يعتمد بشكل أساسي على دعم المنظمات المانحة في بعض المراحل، ومع سقوط النظام، برز تحدي إعادة دمج المنظومات التعليمية القائمة وتوحيد المعايير والرواتب،
ما أدى إلى احتجاجات كان مردّها التفاوت في الأجور، وقضايا اعتماد المعلمين وتثبيتهم، وإعادة المفصولين سابقاً، ومع بطء الاستجابة لهذه التحديات، لجأ المعلمون والكوادر التعليمية إلى الاحتجاجات والمظاهرات للتعبير عن مطالبهم.
ويرى الدسوقي أن من شأن هذه الاحتجاجات أن تضعف استقرار العملية التعليمية من جهة، وأن تزيد من فرص تسرب المعلمين من قطاع التعليم من جهة أخرى، في وقت يوجد فيه أكثر من مليون طفل، ولا سيما في المخيمات، خارج العملية التعليمية.
ويتابع أن الحلول المتاحة لمعالجة هذا الملف بشكل جدي متعددة، وتبدأ بتقديم حزم دعم اجتماعي للمعلمين تعويضاً عن تدني الرواتب، إلى جانب تبني معايير موضوعية وواضحة فيما يتعلق بالأجور، بما يقلل من حالة الاحتقان الناجمة عن غياب الشفافية، فضلاً عن منح قطاع التعليم أولوية في الإنفاق العام الحكومي.
وفي هذا السياق، يتوقع الدسوقي ألا يقتصر الإضراب على إدلب، في ظل تسجيل احتجاجات في مناطق أخرى، ويحذر من أن عدم استقرار العملية التعليمية سيؤدي إلى إضعاف الثقة بالتعليم الحكومي، ما قد يدفع الأسر إما إلى اللجوء للتعليم الخاص، بما يزيد الأعباء المالية عليها، أو إلى الانسحاب من التعليم كلياً.
ويعتقد الدسوقي أن تأخر استجابة الوزارة يعود إلى ضعف الموارد والتنسيق مع الجهات الحكومية المعنية، وما يترتب على ذلك من غياب خطة واقعية للعمل، الأمر الذي يوسع الفجوة بين التعهدات المعلنة والواقع الفعلي.
الثورة السورية – محمد كساح
