إعادة تأهيل ضفاف العاصي.. مشروع لإحياء هوية حماة

في خطوة طال انتظارها من أهالي مدينة حماة، المعروفة بنهر العاصي ونواعيرها، والملقبة بـ«أم النواعير»، انطلقت أعمال إعادة تأهيل مجرى نهر العاصي داخل المدينة،

ضمن مشروع يهدف إلى استعادة أحد أبرز معالمها التاريخية والسياحية، وإعادة الحياة إلى ضفاف النهر الذي ارتبط على مدى عقود بصورة المدينة وهويتها الثقافية.

ويمتد المشروع على جانبي مجرى النهر، من منطقة البشريات حتى جسر الكيلانية، حيث تنفذ الورشات الفنية والخدمية سلسلة من الأعمال لإعادة ضفتي النهر ومحيطه إلى واجهة المشهد الحضري في المدينة.

مراحل تنفيذ المشروع

يشرح مدير منطقة حماة، حافظ طيفور، في حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، تفاصيل المشروع، موضحاً أن المرحلة الأولى بدأت بإزالة جميع التعديات والمقاهي والمنشآت المقامة بصورة مخالفة على ضفاف النهر،

إضافة إلى تنظيف وتعزيل مجرى العاصي، وإزالة الرواسب والمخلفات التي تراكمت خلال سنوات حكم النظام المخلوع، وتحولت إلى بؤر للتلوث وتجمع النفايات ومصدر لانتشار الأمراض والحشرات.

ويضيف أن المرحلة الثانية تتضمن إعادة تأهيل الحدائق والممرات الممتدة على جانبي النهر، وتحويلها إلى متنزهات عامة ومساحات خضراء توفر متنفساً للأهالي ومقصداً للزوار، بما يسهم في تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية في المدينة.

أما المرحلة الثالثة، فتشمل تنفيذ منظومة إنارة على امتداد مجرى العاصي، وتركيب أعمدة إنارة على الممشى الذي سيعاد تأهيله بالكامل من خلال أعمال الرصف والتشجير، إلى جانب تخصيص عمال نظافة بصورة دائمة، ومراقبين لمنع عودة الإشغالات والحفاظ على الموقع بعد انتهاء المشروع.

وذكر طيفور أن مدة تنفيذ أعمال التأهيل الأساسية تبلغ نحو شهر ونصف، فيما ستخصص المرحلة الرابعة للاستثمار طويل الأمد،

مؤكداً أن المحافظة حددت سقف الاستثمار بما لا يتجاوز 10 بالمئة من مساحة الموقع، لضمان عدم حجب الرؤية عن النواعير أو ضفاف العاصي، والحفاظ على الطابع التراثي للمكان، على أن تخصص المساحة الأكبر للممرات العامة والحدائق وأماكن الترفيه المفتوحة.

ولفت إلى أن الخدمات الاستثمارية ستقتصر على عربات متنقلة لتقديم الخدمات الأساسية لرواد الموقع، دون إقامة منشآت ثابتة تؤثر في المشهد البصري للنهر.

وبيّن طيفور أن تمويل المشروع يتم من موازنة محافظة حماة، بالتعاون مع عدد من المبادرات المجتمعية الفردية التي أسهمت في تنفيذ بعض الأجزاء،

لافتاً إلى أن جميع الأعمال يشرف عليها مهندسون من أبناء المدينة، وأن المحافظة فتحت الباب أمام المهندسين والمختصين لتقديم مقترحاتهم وأفكارهم لتطوير المشروع، بما ينسجم مع الرؤية العامة لإحياء ضفاف العاصي والحفاظ على هوية المدينة التاريخية.

من جانبه، أوضح مدير مجلس مدينة حماة، المهندس معاوية جرجنازي، في حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، أن أعمال الإزالة شملت جميع المقاهي والصالات والأبنية المشيدة على امتداد مجرى النهر ضمن المخطط المعد لإعادة التأهيل، مشيراً إلى أن جميعها كانت إشغالات واستثمارات انتهت مدتها ولم تُجدد.

وأكد جرجنازي أنه لم تُسحب أي رخصة استثمارية من المستثمرين السابقين، وأن المشروع يأتي ضمن خطة متكاملة لإعادة تأهيل المدينة وإحياء معالمها التراثية، وإعادة نهر العاصي إلى مكانته الطبيعية باعتباره القلب النابض للمدينة.

استعادة الذاكرة والهوية

من جانبه، قال مازن القرن، وهو سبعيني من سكان مدينة حماة، في حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، إن أهالي المدينة انتظروا هذا المشروع سنوات طويلة، لما يمثله من خطوة نحو استعادة الإرث التاريخي والأثري، وإبراز معالم المدينة التي غابت عن الأنظار لعقود.

وأضاف: «منذ أكثر من خمسة عقود لم تتح لنا فرصة مشاهدة نهر العاصي والنواعير بصورة كاملة ومن مسافات بعيدة، بسبب التعديات والإشغالات التي حجبت المشهد التاريخي للنهر، وأفقدت المنطقة جزءاً كبيراً من جمالها».

وأكد أن إزالة تلك التعديات وإعادة تأهيل ضفاف العاصي ستعيد إلى المدينة أحد أبرز رموزها الحضارية، مشيراً إلى أن المشروع يحمل أبعاداً ثقافية وسياحية واجتماعية تعزز ارتباط الأهالي بتاريخ مدينتهم.

وقال: «نتمنى أن يعيد المشروع المنطقة إلى سابق عهدها، عندما كانت مقصداً للسياحة الداخلية والخارجية، ومتنفساً رئيسياً لأهالي حماة».

وأردف أن المشروع يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى الأجيال الشابة، إذ لم تتح لكثير من الأطفال والشبان فرصة التعرف إلى حماة بصورتها الحقيقية، بعدما نشؤوا في ظل سنوات القصف والإهمال التي حجبت النهر والنواعير عن الأنظار، مؤكداً أن جيلاً كاملاً من أبناء المدينة لم يعرفها كما عرفها آباؤه وأجداده، وأن إعادة تأهيل الضفاف ستتيح لهم اكتشافها من جديد وتعزز ارتباطهم بتراثها وهويتها.

ورغم التقدم في أعمال إعادة تأهيل ضفاف نهر العاصي، تواجه فرق العمل تحديات كبيرة في ترميم النواعير التاريخية، التي تعد من أبرز معالم مدينة حماة، بعد أن تعرضت خلال السنوات الماضية لأضرار جسيمة.

وقال مدير الحدائق والنواعير، محمد عهد سبع العرب، في حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، إن النواعير تعرضت على مدى أربعة عشر عاماً لأعمال نهب وتخريب وحرق وتكسير، إضافة إلى القصف الذي طال عدداً منها في ريف حماة، مثل نواعير شيزر والجنان، ما أدى إلى تدمير أجزاء من بنيتها الخشبية والحجرية وخروج عدد كبير منها عن الخدمة.

وأوضح أن مدينة حماة كانت تضم حتى عام 2011 نحو 25 ناعورة، فيما لا يتجاوز عدد النواعير العاملة اليوم 15 ناعورة، مشيراً إلى أن المديرية تعمل حالياً على إعادة بناء ناعورتين دمرتا خلال سنوات القصف،

هما ناعورة البشريات الصغرى، التي يبلغ قطرها 13 متراً وتتولى إحدى المنظمات دعم إعادة إنشائها، وناعورة الجعبريات الصغرى، التي يبلغ قطرها 15.75 متراً، ويجري العمل على إعادة بنائها ضمن الإمكانات المتاحة.

وذكر أن أعمال الترميم تواجه تحديات فنية ولوجستية، في مقدمتها صعوبة تأمين الأخشاب المستخدمة في صناعة النواعير، ما دفع الورشات إلى استخدام خشب الكينا بديلاً من خشب الجوز المستخدم تقليدياً، مع الحرص على الحفاظ على الخصائص الفنية للنواعير قدر الإمكان.

وأكمل أن المديرية تعاني أيضاً نقصاً كبيراً في الكوادر الفنية والعمالة المتخصصة، إذ تراجع عدد العاملين من 83 إلى 25 فقط، بمن فيهم الإداريون، الأمر الذي دفعها إلى تدريب عمال جدد على صناعة النواعير وصيانتها، حفاظاً على هذه الحرفة التراثية وضمان استمرارها.

ولفت إلى أن من أبرز التحديات غياب الحراس والمراقبين المكلفين بحماية النواعير، داعياً الأهالي إلى التعاون في الحفاظ عليها، ولا سيما من خلال منع الأطفال من الصعود فوقها أو العبث بأجزائها، لما قد يسببه ذلك من أضرار تؤثر في سلامتها واستمرار عملها،

مؤكداً أن الحفاظ على هذا الإرث التاريخي مسؤولية مشتركة بين الجهات المعنية والمجتمع المحلي.

وكانت محافظة حماة قد أطلقت، منذ مطلع العام الحالي، عدداً من المشاريع الهادفة إلى النهوض بالمدينة، من بينها مشروع «شريان حماة» الذي يربط المدخل الجنوبي بالمدخل الشمالي للمدينة، ويتضمن استبدال الدوارات بتقاطعات مرورية على امتداد الشريان.

كما طرحت المحافظة، من خلال مجلس مدينة حماة، عدداً من المشاريع الاستثمارية، من أبرزها منتزه قلعة حماة الأثرية، إلى جانب مشاريع استثمارية في عدد من الحدائق العامة.

الثورة السورية – عبد الجبار الجزماتي

Exit mobile version