أسهمت إعادة افتتاح المسجد الأموي في حلب في تنشيط الحركة التجارية في الأسواق التاريخية المحيطة به، مع توافد الزوار وعودة عدد من أصحاب المحال إلى مزاولة أعمالهم بعد إغلاقها.
ويأتي هذا الانتعاش في منطقة لا تزال أجزاء واسعة منها تعاني آثار الدمار، وسط آمال بأن تسهم أعمال الترميم وتطوير المسارات السياحية في استعادة أسواق حلب القديمة دورها التجاري وتعزيز النشاط الاقتصادي المرتبط بها.
وتحيط بالمسجد الأموي 8 أسواق تاريخية وأثرية تُعد من الأسواق المركزية في حلب، وهي: الزرب، والبلاط/الصابون، والسقطية، والحدادين، والمناديل، والعطارين، والدهشة، والبالستان.
ورغم الدمار الواسع الذي طال أجزاء كبيرة من المنطقة المحيطة به، بدأت الحركة التجارية في الأسواق تشهد انتعاشاً مع توافد الزوار وعودة التجار.
إحياء الحركة التجارية
رغم عدم توفر إحصائية دقيقة لعدد المحال التجارية التي عادت إلى العمل عقب إعادة افتتاح المسجد الأموي في حلب في الثامن من شهر تشرين الأول الجاري، يؤكد عدد من الباعة تحسن الحركة التجارية في الأسواق المحيطة به، مع تزايد إقبال الزوار.
وقال إبراهيم مستت، صاحب محل لبيع الصابون قرب المسجد الأموي، في السوق الشعبي المعروف باسم «ورا الجامع»، في حديث لصحيفة «الثورة السورية»، إن حركة البيع شهدت نشاطاً ملحوظاً منذ افتتاح المسجد، مع توجه الزوار إلى الأسواق المجاورة،
مشيراً إلى ارتفاع المبيعات بنسبة 3 بالمئة خلال هذه الفترة.
وربط مستت هذا التحسن بإعادة افتتاح المسجد، موضحاً أن ارتياد المنطقة كان يقتصر سابقاً على من يقصدونها لشراء منتجات لا تتوفر إلا في أسواقها، بينما بات كثير من زوار المسجد يتوجهون بعد الزيارة إلى الأسواق القديمة المحيطة به، ومنها أسواق الزرب والحدادين والسقطية وسوق المدينة التاريخي.
وفي ظل استمرار الدمار في أجزاء واسعة من الأسواق القديمة، دعا مصطفى مخللاتي، صاحب محل لبيع الأقمشة في سوق السقطية، إلى تسريع أعمال الترميم، واصفاً الأسواق القديمة بأنها قلب حلب التجاري، وجزء من «الأصالة التجارية» لعاصمة سوريا الاقتصادية.
عودة التجار إلى الأسواق
مع نشاط الحركة، سارع عدد من أصحاب المحال التجارية إلى إعادة افتتاح محالهم، مؤكدين أن افتتاح المسجد الأموي شجعهم على العودة إلى الأسواق، لما يمثله المسجد من عامل جذب للزوار، سواء كانوا سائحين أو متسوقين أو غيرهم.
وقال أحمد سمّان، صاحب محل لبيع البهارات والتوابل في محيط المسجد، في حديث لصحيفة «الثورة السورية»، إنه عاد إلى السوق مع بدء أعمال ترميم المسجد، موضحاً أن الدمار الذي لحق بالمنطقة دفعه إلى نقل محله إلى سوق الفرقان الحديث في غرب حلب.
وأضاف أن المنطقة كانت شبه خالية في السابق، ولا يقصدها سوى عدد قليل من الأشخاص المتجهين إلى أماكن أخرى أو العائدين منها، مثل قلعة حلب وسوق السقطية وحمام النحاسين، لتكون مجرد محطة عبور، وفق تعبيره.
وتابع سمّان: «لست الوحيد الذي دفعه ترميم المسجد الأموي إلى العودة، فهناك الكثير من الباعة الذين بدؤوا بالتوافد بعد افتتاحه، حتى إنك تجد محالاً بدأت تمتلئ بالبضائع هنا قرب السور الرئيسي. وربما تعود هذه المناطق، في غضون أشهر، إلى أوجها ومكانتها اللذين كانت عليهما قبل 14 عاماً».
نسيج المدينة القديمة
ومع الرمزية الكبيرة للمسجد، تؤكد مديرية السياحة في حلب أن الجامع الأموي يشكل جزءاً من نسيج المدينة القديمة، الذي يضم القلعة والأسواق التاريخية والخانات والحمامات والمعالم التراثية، بما يعكس تكامل مكوناتها التاريخية.
وقال مدير السياحة في حلب، حسان سويد، لصحيفة «الثورة السورية»، إن إعادة افتتاح المسجد تمثل خطوة نحو تنشيط الحركة السياحية في المدينة، نظراً إلى مكانته كأحد أبرز معالم حلب التاريخية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أكد سويد أن تضافر أعمال ترميم الأسواق التاريخية في حلب، وتأهيل قلعتها وإعادة افتتاحها، وافتتاح الجامع الأموي الكبير، إلى جانب برنامج «نرتقي من الأساس» لتطوير المنشآت الفندقية والمشروعات المطروحة للاستثمار السياحي، تشكل خطوة مهمة نحو استعادة المقومات السياحية وتعزيز جاهزية سوريا لاستقبال الزوار.
ومن المتوقع أن تسهم هذه الجهود تدريجياً في تنشيط السياحة الداخلية والعربية والدولية، من خلال تشجيع الزيارات العائلية والثقافية، واستئناف الجولات السياحية المنظمة، وإدراج حلب ضمن برامج السياحة التاريخية والتراثية.
كما يتيح تكامل المعالم الأثرية مع الأسواق والمنشآت الفندقية والخدمات السياحية فرصاً لتنشيط التجارة المحلية وتوفير فرص العمل، إلى جانب تقديم تجربة سياحية متكاملة للزوار.
وأشار سويد إلى أن إعادة افتتاح المسجد والمواقع الأثرية المحيطة به تنشط أسواق حلب القديمة، متوقعاً أن يستفيد التجار وأصحاب المحال والحرفيون من زيادة حركة الزوار، لا سيما إذا شملت الزيارات الجامع والأسواق المسقوفة والخانات ومحال المنتجات التقليدية والحرف اليدوية.
مسار سياحي متكامل
وأكد سويد أن أعمال الترميم في قلعة حلب مستمرة رغم إعادة افتتاحها، مشيراً إلى إنجاز ترميم عدد من المواقع داخلها، واستكمال عقد تنفيذ المسارات في القلعة، والبدء بترميم سطح قاعة العرش، فيما لا تزال أعمال ترميم ثكنة إبراهيم باشا والبيمارستان الأرغوني في المدينة القديمة قيد التعاقد.
وتندرج هذه الأعمال ضمن جهود تعزيز جاذبية حلب كمقصد سياحي متكامل. وأوضح سويد أن مديرية السياحة تعمل على تطوير مسار يربط الجامع الأموي بالقلعة والأسواق والخانات والمباني التاريخية والمطاعم التراثية، بما يتيح للزوار الانتقال بين معالم المدينة بدلاً من الاقتصار على زيارة معلم واحد.
ومن شأن هذا الترابط بين المعالم والخدمات السياحية إطالة مدة زيارة المدينة وزيادة الإنفاق السياحي، إذ يسهم توافر المعلومات السياحية والمسارات الواضحة والمطاعم وأماكن التسوق في تشجيع الزوار على قضاء وقت أطول في حلب، والإنفاق على النقل والطعام والمنتجات المحلية وخدمات الإرشاد السياحي.
ووفقاً لملف حصلت عليه صحيفة «الثورة السورية» من مديرية السياحة في حلب، بدأت رحلات داخلية بالتوافد إلى الجامع الأموي، بعد الحصول على موافقات من مديرية السياحة أو التنسيق عبر المكاتب السياحية، لا سيما الرحلات القادمة من تركيا، فيما لا تزال هذه الحركة في مراحلها الأولى.
وتتوقع المديرية زيادة الرحلات الداخلية، إلى جانب الرحلات القادمة من المحافظات السورية الأخرى، كما ترجح تنامي السياحة الدولية خلال الصيف المقبل، مع تعافي أجزاء مهمة من المدينة القديمة، ما يستدعي تكثيف جهود الترويج السياحي.
وفي هذا السياق، يجري إعداد مسار سياحي يربط الجامع الأموي بقلعة حلب، مروراً بالأسواق المسقوفة والخانات والحرف التقليدية والمطاعم التراثية، بما يتيح للزوار التعرف إلى أبرز معالم المدينة وموروثها التاريخي.
انعكاسات اقتصادية
ورأى الخبير الاقتصادي مؤيد اسكيف، أن إعادة افتتاح المسجد أدت إلى انعكاسات اقتصادية مباشرة وملموسة على أسواق المدينة القديمة والمنطقة المحيطة بها، وذلك من خلال إحياء الحركة التجارية التي بدأت تنعكس على الأسواق القديمة المحيطة بالجامع مع عودة المصلين والزوار.
وأوضح اسكيف لصحيفة «الثورة السورية» أن زيادة الحركة التجارية ستؤدي إلى تنشيط المهن والحرف التقليدية، حيث أسهم الافتتاح في دفع الجهود الرامية إلى تفعيل الخانات والمباني التراثية وتحويلها إلى فضاءات تستقطب الزوار، وتشجيع الحرف التقليدية عبر المعارض والتنسيق مع غرف التجارة والصناعة،
مشيراً إلى أن افتتاح المسجد منح حافزاً لأصحاب المحال التجارية لإعادة افتتاح متاجرهم وترميمها.
الثورة السورية – حسان كنجو
