ثقافة وفن

نديم شراباتي… سبعة عقود تصنع ذاكرة المسرح الحلبي

شكّلت تجربة الفنان المسرحي نديم شراباتي واحدة من أبرز التجارب في تاريخ المسرح السوري، إذ ارتبط اسمه بالحركة المسرحية في مدينة حلب منذ بداياتها الأولى، ممتدةً على مدى أكثر من خمسة وسبعين عاماً من العمل المتواصل على خشبة المسرح وفي كواليسه.

شراباتي الذي رحل عن عالمنا أمس الأربعاء، ظلّ وفياً لهذا الفن منذ عام 1947 وحتى آخر مشاركاته عام 2020، محتفظاً بشغف البدايات وذاكرة متقدة تختزن تفاصيل مرحلة تأسيسية مهمة في تاريخ المسرح السوري.

مسيرة فنية في ذاكرة المسرح

شراباتي، الذي لُقّب بـ«شيخ الفنانين»، لم يكن مجرد ممثل، بل شاهد حي على تحولات المسرح الحلبي، وأحد صنّاع ملامحه، حيث تنقل بين فرق مسرحية عدة، وأسهم في تأسيس عدد منها، مقدماً عشرات الأعمال التي عكست قضايا مجتمعه وتطلعاته، ومواكباً مختلف المراحل الفنية التي مر بها المسرح في سوريا.

وخلال مقابلة نشرتها مجلة الحياة المسرحية في عددها الأخير، الصادرة عن مديرية المسارح والموسيقا في وزارة الثقافة، مع الراحل تحت عنوان /تاريخه المسرحي مرتبط بتاريخ المسرح في حلب فيض ذكريات مع الفنان المسرحي نديم شراباتي/، استعاد خلالها هذا الفنان مشواره مع أبي الفنون منذ أربعينيات القرن الماضي.

البدايات… من المصادفة إلى أولى التجارب المسرحية

انطلاقة شراباتي جاءت عبر الصدفة في نادي الفارابي بحلب، وهو نادٍ تأسس عام 1940، حيث كان يمارس كرة الطاولة قبل أن يكتشف شغفه بالمسرح، لينتسب في العام ذاته إلى فرقة الشرق التي أسسها أحمد كيالي،

ويشارك في أعمال مبكرة مثل «أخيراً تحررنا» بمناسبة جلاء الانتداب الفرنسي عن سوريا، و«ابنتي في البار» التي عُرضت على مسرح الريو وسط حضور جماهيري لافت في ظل محدودية وسائل الترفيه آنذاك.

الخمسينيات… تأسيس الفرق واتساع النشاط المسرحي

كان للراحل دور مؤثر في تأسيس عدد من الفرق المسرحية خلال خمسينيات القرن الماضي، منها نادي دار الندوة عام 1950، الذي قدّم أعمالاً مثل «صلاح الدين الأيوبي» و«الجزائر تثور»، ثم المنتدى السوري للآداب والفنون عام 1953، حيث قُدمت أعمال «المعذبون في الأرض»

و«الكادحون»، إضافة إلى مسرحية «غداً تشرق الشمس» التي نالت تكريماً من وزارة الثقافة عام 1960 خلال فترة الوحدة مع مصر، حيث أُوفد أعضاء الفرقة إلى مصر في بعثة فنية استمرت شهراً، وقدموا عروضاً على مسرح الأزبكية، إضافة إلى زيارات فنية لمدن مصرية وقطاع غزة.

كما أسهم عام 1956 في تأسيس الفرقة الشعبية للفنون، التي قدّمت أعمالاً مثل «الاستعمار في العصفورية» و«المؤامرة الكبرى على سورية»،

قبل أن يشارك عام 1957 في تأسيس فرقة المسرح الشعبي التي ضمّت نخبة من فناني حلب، وأسهمت في ترسيخ حضور المسرح في المدينة، رغم انتقال عدد من الفنانين لاحقاً إلى دمشق، حيث بقي شراباتي في حلب نتيجة ارتباطه الوظيفي في بريد حلب.

المسرح القومي… حضور متواصل وذاكرة لا تنطفئ

انضم شراباتي إلى المسرح القومي في حلب عام 1982، حيث شارك في أولى أعماله «مصنع الأقدام والسيقان» بإخراج إيليا قجميني، ضمن تجربة مؤسساتية استمرت حتى عام 2024، قدّم خلالها المسرح عشرات الأعمال على مسرح نقابة الفنانين.

تميز شراباتي بامتلاك ذاكرة مسرحية غنية، استعاد من خلالها تفاصيل البدايات وأسماء رفاقه، معبّراً عن حنينه لجيل الأربعينيات، في وقت بقي فيه من القلائل الذين واصلوا العمل المسرحي حتى سن متقدمة، ليُعد من أندر الفنانين الذين تجاوزوا التسعين وما زالوا يعتلون الخشبة.

وقد نال خلال مسيرته العديد من الأوسمة والتكريمات، أبرزها تكريمه في مهرجان حلب المسرحي عام 2023، تقديراً لعطائه الطويل وإسهاماته في تطوير الحركة المسرحية.

وبرحيل الفنان نديم شراباتي، الذي وُلد في حلب عام 1929 وغادر عن عمر ناهز 95 عاماً، يفقد المسرح السوري أحد أبرز رواده، فيما يبقى إرثه الفني حاضراً في ذاكرة المسرح، وفي كل تجربة تستلهم من مسيرته الطويلة وشغفه الذي لم يخفت حتى سنواته الأخيرة.

زر الذهاب إلى الأعلى