تُعد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBMs) من أبرز أنظمة الردع الاستراتيجي التي طورتها القوى الكبرى منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، إذ صُممت أساسًا لحمل رؤوس نووية إلى أهداف بعيدة عبر القارات، وأصبحت مع مرور الوقت رمزًا للتقدم في تقنيات الدفع والتوجيه والفضاء.
وخلال الحرب الباردة، امتلك الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة آلاف الصواريخ الباليستية بمختلف أنواعها، قبل أن تسهم الاتفاقيات والمعاهدات اللاحقة في تقليص الترسانات النووية.
ومع ذلك، لا تزال عدة دول تحتفظ بهذه الصواريخ وتواصل تطويرها، في ظل سباق تسلح يركز على زيادة المدى وتحسين القدرة على تجاوز أنظمة الدفاع الصاروخي.
وتعتمد قوة هذه الصواريخ على مجموعة من العوامل، من بينها المدى، والحمولة التي تستطيع حملها، ونوع الوقود، ونظام الإطلاق، والقدرة على حمل رؤوس متعددة.
وفيما يلي خمسة من أبرز الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تتناولها التقارير العسكرية، مرتبة وفقًا للمدى الوارد في التقرير الأصلي، من الأقصر إلى الأطول، وفقا لتقرير نشره موقع “slashgear”.
1. مينيوتمان 3 الأمريكي
يُعد صاروخ «إل جي إم-30 جي مينيوتمان 3» (LGM-30G Minuteman III) أحد المكونات الأساسية للقوة النووية الأمريكية، ويُطلق من صوامع أرضية ثابتة.
ودخل الخدمة عام 1970، ولا يزال الجيش الأمريكي يعتمد عليه في إطار منظومة الردع النووي.
وتحتفظ القوات الجوية الأمريكية بنحو 450 صاروخا من هذا الطراز داخل صوامع موزعة في أنحاء البلاد. ويبلغ وزن الصاروخ نحو 36 طنًا، فيما يتجاوز مداه 9,600 كيلومتر.
ويعمل مينيوتمان 3 بالوقود الصلب، ويتكون من ثلاث مراحل، ما يمنحه القدرة على الانطلاق بسرعة عالية والوصول إلى مسارات تحليق خارج الغلاف الجوي قبل العودة نحو الهدف المحدد.
ورغم استمرار تشغيله، فإن الصاروخ ينتمي إلى جيل قديم نسبيًا من الأسلحة الاستراتيجية، ولذلك تعمل الولايات المتحدة على تطوير صاروخ «إل جي إم-35 إيه سنتينل» (LGM-35A Sentinel) ليحل محله تدريجيًا.
ويهدف البرنامج إلى تحديث منظومة الصواريخ الأرضية الأمريكية وإبقائها ضمن قدرات الردع النووي لعقود مقبلة.
2. ترايدنت 2
يمثل «ترايدنت 2 دي-5» (UGM-133 Trident II D5) أحد أبرز الصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات، وتستخدمه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ضمن قواتهما النووية البحرية.
ويُطلق الصاروخ من غواصات أمريكية من فئة «أوهايو»، ومن غواصات بريطانية من فئة «فانغارد». وتمنح هذه المنظومة الدولتين قدرة على الاحتفاظ بقوة ردع نووية في البحر، ما يصعّب على الخصوم تحديد مواقع الإطلاق المحتملة.
ويبلغ وزن الصاروخ نحو 59 طنًا، ويصل مداه المعلن في التقرير إلى قرابة 11,480 كيلومترًا. ويعمل بالوقود الصلب، ويتكون من ثلاث مراحل، مع أنظمة توجيه متقدمة تساعده على بلوغ أهدافه.
وتتمثل إحدى أهم مزايا الصواريخ التي تُطلق من الغواصات في مرونة انتشار منصات الإطلاق، وليس في مدى الصاروخ وحده. فوجود الغواصات في مناطق بحرية مختلفة يمنحها قدرة استراتيجية على تنفيذ عمليات إطلاق من اتجاهات متعددة.
وتواصل الولايات المتحدة تحديث صواريخ ترايدنت 2 بالتعاون مع شركة «لوكهيد مارتن»، بهدف إطالة عمرها التشغيلي والحفاظ على موثوقيتها.
3. هواسونغ-15 الكوري الشمالي
طورت كوريا الشمالية صاروخ «هواسونغ-15» (Hwasong-15) في إطار مساعيها لبناء قدرة نووية قادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة خارج محيطها الإقليمي.
وكُشف عن قدرات الصاروخ من خلال اختبارات أجرتها بيونغ يانغ، أبرزها تجربة نوفمبر 2017، التي استمر خلالها التحليق نحو 53 دقيقة، ووصل الصاروخ إلى ارتفاع كبير قبل سقوطه في منطقة الاختبار.
ويشير التقرير إلى أن المدى المحتمل للصاروخ قد يصل إلى نحو 13 ألف كيلومتر، إلا أن هذه التقديرات تعتمد على تحليلات خارجية، ولا تمثل بالضرورة مدى تشغيليًا مؤكدًا في ظروف الاستخدام الفعلية.
ويُعتقد أن هواسونغ-15 صاروخ متحرك يعمل بالوقود السائل ويتكون من مرحلتين. وتوفر المنصات المتحركة مرونة أكبر مقارنة بالصواريخ المحصورة داخل صوامع ثابتة، رغم أن تشغيلها يتطلب ترتيبات لوجستية وفنية معقدة.
ولا تزال تفاصيل عديدة تتعلق بأداء الصاروخ وحمولته ودقة توجيهه غير مؤكدة بصورة مستقلة. ومع ذلك، فإن تطويره يعكس تقدم البرنامج الصاروخي الكوري الشمالي وقدرته على اختبار أنظمة بعيدة المدى.
4. آر إس-28 سارمات الروسي
يُعد «آر إس-28 سارمات» (RS-28 Sarmat) من أبرز المشاريع الروسية في مجال الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وقد صُمم ليكون صاروخًا ثقيلًا يُطلق من صوامع أرضية، مع قدرة على حمل حمولة كبيرة.
ووفقًا للتقديرات الواردة في التقرير، يبلغ طول الصاروخ نحو 35 مترًا، ويصل وزنه عند الإطلاق إلى أكثر من 200 طن. ويُقدّر مداه النظري بنحو 18 ألف كيلومتر أو أكثر في بعض السيناريوهات، لكن هذه الأرقام لا تعني أن جميع قدراته قد ثبتت عمليًا.
ويعمل سارمات بالوقود السائل، وتقول روسيا إنه صُمم لحمل مجموعة من الحمولات النووية وأنظمة إعادة الدخول، بما فيها مركبات انزلاقية فرط صوتية.
وتُقدم هذه التقنيات باعتبارها وسائل لتعقيد مهمة أنظمة الدفاع الصاروخي، لكن فعاليتها الفعلية تعتمد على ظروف التشغيل والقدرات الدفاعية المقابلة.
ورغم التصريحات الروسية بشأن قدراته، واجه البرنامج تحديات واختبارات غير ناجحة، كما أن المعلومات المستقلة المتاحة عن حالته التشغيلية وأدائه الفعلي محدودة.
ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع الادعاءات التي تصفه بأنه الأقوى عالميًا أو بأنه قادر على تجاوز جميع منظومات الدفاع الصاروخي.
5. دونغ فنغ-5 سي الصيني
يأتي صاروخ «دونغ فنغ-5 سي» (DF-5C) ضمن الأنظمة الاستراتيجية الصينية التي حظيت باهتمام واسع عقب استعراض عسكري أقيم في الصين عام 2025.
ويُعتقد أن الصاروخ يمثل تطويرًا لعائلة «دونغ فنغ-5»، التي دخلت الخدمة منذ عقود، وأنه يعتمد على الوقود السائل ويُطلق من صوامع ثابتة.
ويشير التقرير الأصلي إلى أن مداه قد يصل إلى نحو 20 ألف كيلومتر، ما يضعه ضمن الصواريخ ذات المدى الأبعد عالميًا وفقًا للتقديرات المنشورة.
كما تناولت تقارير سابقة احتمالات تطوير قدرات الصواريخ الصينية على حمل مركبات عودة متعددة الرؤوس، وهي تقنية تسمح للصاروخ الواحد بحمل عدة رؤوس يمكن توجيهها إلى أهداف مختلفة.
غير أن التفاصيل الدقيقة المتعلقة بقدرات النسخة DF-5C وحمولتها ومدى تشغيلها لا تزال محدودة، ولا تتوافر معلومات علنية كافية للتحقق المستقل من جميع الأرقام المتداولة.
ويعكس هذا الغموض جانبا من طبيعة البرامج الصاروخية الاستراتيجية، إذ تحتفظ الدول عادة بجزء كبير من مواصفات أسلحتها النووية بعيدًا عن الإعلان الرسمي.
لماذا تمثل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات تحديا للدفاعات الجوية؟
تختلف الصواريخ الباليستية العابرة للقارات عن كثير من الصواريخ الأخرى بسبب قدرتها على قطع مسافات شاسعة عبر مسارات تحليق عالية، قد تمر أجزاء منها خارج الغلاف الجوي. وبعد مرحلة الدفع، تتبع الرؤوس الحربية مسارًا باليستيًا قبل العودة نحو الأرض.
وتزداد صعوبة اعتراض بعض هذه الأنظمة عندما تحمل رؤوسًا متعددة أو تستخدم وسائل خداع، إلا أن فرص الاعتراض تختلف باختلاف تصميم الصاروخ ومسار تحليقه وقدرات منظومة الدفاع المستخدمة.
لذلك لا يمكن اعتبار أي صاروخ غير قابل للاعتراض بصورة مطلقة.
كما أن المدى وحده لا يكفي لتحديد الصاروخ الأقوى؛ فهناك عوامل أخرى تشمل الحمولة، والدقة، والجاهزية التشغيلية، والموثوقية، والقدرة على البقاء في الخدمة، وطبيعة منصة الإطلاق.
سباق التسلح النووي بين التطوير والردع
تُظهر الصواريخ الخمسة كيف تتنافس القوى النووية على تطوير منظومات بعيدة المدى، سواء من خلال الصوامع الأرضية أو الغواصات أو المنصات المتحركة.
وبينما تسعى الدول إلى تعزيز قدرات الردع، تظل هذه الأسلحة مرتبطة بمخاطر كبيرة نظرًا إلى قدرتها على حمل رؤوس نووية وما قد يترتب على استخدامها من عواقب كارثية.
ومع استمرار تحديث الترسانات الصاروخية، تبرز أهمية الاتفاقيات الدولية والرقابة على التسلح وخفض المخاطر النووية، إلى جانب ضرورة التمييز بين المواصفات المؤكدة والتقديرات المنشورة والادعاءات الرسمية التي يصعب التحقق منها بصورة مستقلة.
البيان
