محليات

أسواق دمشق في رمضان… حضور تراثي وهوية متجددة

تستعيد الأسواق الدمشقية في شهر رمضان حضورها بوصفها أحد أبرز المشاهد الثقافية الحية في الذاكرة السورية،

حيث تتحول الحارات القديمة إلى فضاء اجتماعي نابض يعيد توزيع الزمن بين النهار والليل، ويجمع بين الطقس الديني والعادة الاجتماعية والتراث الشعبي المتوارث عبر قرون.

وللحديث عن الأسواق توضح الدكتورة نجلاء الخضراء، الاختصاصية بالتراث، في تصريح لـ سانا، أن الأسواق الدمشقية لم تكن خلال رمضان مجرد أماكن للبيع والشراء، بل كانت مسرحاً يومياً للحياة الاجتماعية،

تتجلى فيه هوية المدينة الحضارية في تفاصيل الزينة والروائح والأصوات التي ترافق الشهر الكريم منذ العصور الإسلامية الأولى وحتى اليوم. 

إيقاع الزمن وذاكرة الضوء

مع إعلان بداية رمضان يتبدل إيقاع دمشق بالكامل، فتستيقظ الأسواق باكراً وتبقى عامرة حتى قبيل السحور، وكأن الزمن يعاد توزيعه بين ساعات النهار والليل.

وتشير الخضراء إلى أن أسواق دمشق القديمة مثل الحميدية ومدحت باشا والبزورية شكّلت تاريخياً القلب النابض للحركة الرمضانية، حيث تتدلى الزينات الورقية والفوانيس على واجهات الدكاكين، في مشهد وثقته كتب التاريخ بوصفه علامة موسمية مميزة للمدينة.

وتضيف: إن أصوات الباعة المنغمة وتبادل التحايا والتسابيح شكّلت جزءاً من الهوية السمعية لرمضان الدمشقي، حتى وصف المؤرخون السوق ليلاً بأنه احتفال مفتوح لا ينتهي إلا مع مدفع الإفطار وصوت الأذان.

وتبرز الحاجة إلى الإنارة الليلية كأحد أهم ملامح الأسواق قديماً، إذ كانت القناديل الزيتية ثم الفوانيس النحاسية تنتشر بكثافة بسبب ازدحام المتسوقين بعد صلاة المغرب.

وقبل دخول الكهرباء كانت الأسواق تُضاء خصيصاً في رمضان لتسهيل حركة الناس المتجهين إلى المساجد أو العائدين منها، ما جعل الضوء يرتبط في الذاكرة الدمشقية بالطمأنينة والاحتفال الروحي، وقد اشتهرت مناطق محيط الجامع الأموي وأسواق القيمرية والحرير ببيع الفوانيس والزينة التي كانت تصنع محلياً وتعلق على امتداد الأزقة.

خريطة المائدة الرمضانية 

تؤكد الخضراء أن الأسواق الدمشقية تميزت تاريخياً بتخصصها في سلع مرتبطة بالمائدة الرمضانية، فاشتهر سوق البزورية ببيع البهارات والأعشاب المجففة والبزوريات والمكسرات، فيما ازدهرت محال الألبان والأجبان في أسواق الشاغور وباب سريجة، حيث عُدَّ اللون الأبيض للألبان رمزاً للتفاؤل والخير.

أما الخضار والمخللات والفواكه فكانت تنتشر بكثافة في أسواق باب الجابية وسوق الخضرة، في حين نشط الجزارون والأفران منذ الفجر لإعداد الخبز الدمشقي والمعروك والمنقوش المعجون بالمحلب والزبدة والمزين بالسمسم وحبة البركة، وقبل الإفطار بساعات كانت روائح الصفائح والفطائر وصواني اللحم تملأ الأزقة، فيتحول السوق إلى تجربة حسية متكاملة.

وتحتل محال الفول والحمص مكانة خاصة في رمضان، ولا سيما في أحياء العمارة والميدان، حيث يشتد الإقبال حتى قبيل المغرب، وتبين الخضراء أن الفول والحمص كانا طبقين اقتصاديين غنيين بالطاقة، اعتمدهما الدمشقيون غذاءً أساسياً للصائمين، وكانت مشاهد الأطفال وهم يحملون أطباق الخبز المفتوت إلى الحمصاني لإعداد الفتة جزءاً ثابتاً من ذاكرة المدينة.

كما شكّل الباعة المتجولون أحد أبرز رموز الشهر، ومنهم بائعو العرقسوس والتمر الهندي والمنقوعات الذين كانوا يحضرون العصائر في جرار كبيرة أمام المارة.

وقبل انتشار البرادات المنزلية كان الثلج يُجلب من جبل الشيخ محمولاً على الدواب، ويُلف بالقماش واللباد والقش ليبقى متماسكاً، وكان وصوله إلى الأسواق حدثاً بحد ذاته، وارتبطت نداءات باعة المعروك والناعم بالأهازيج الشعبية التي تحولت إلى جزء من التراث الشفهي الدمشقي وفق الخضراء.

حلويات وتراث واقتصاد حي

توضح الخضراء أن صناعة الحلويات بلغت ذروتها في رمضان داخل محال “البغاجاتية” في سوق الحميدية ومحيط المرجة والميدان، فالكنافة كانت تُعد طعاماً خاصاً بالسحور منذ العصر الأموي حين أعدها أهل الشام لمعاوية بن أبي سفيان، بينما ظهرت القطايف في أواخر العصر الأموي وارتبطت بمجالس الخلفاء.

ومع مرور الزمن أصبحت النهش والكنافة والقطايف وبلح الشام والمشبك والبرازق والغريبة حلويات شعبية متاحة للجميع بعد أن كانت حكراً على طبقات معينة، فيما بقي المعروك والناعم يجمعان الغني والفقير لاحتوائهما على التمر المرتبط تقليدياً بالإفطار لما يوفره من طاقة ومعادن وسهولة في الهضم.

وتشير الخضراء إلى أن رمضان كان موسماً اقتصادياً مهماً، إذ يزداد الطلب على الصنايعية والعمال نتيجة ارتفاع حركة الإنتاج والبيع، ما وفر فرص عمل مؤقتة لكثير من الناس، وجعل الشهر فرصة لتنشيط الاقتصاد المحلي وتعزيز التضامن الاجتماعي إلى جانب طابعه الديني.

وترى الخضراء أن الأسواق الدمشقية، رغم تغير مظاهر الحياة الحديثة، لا تزال تحتفظ بجوهرها التراثي، فزيارة السوق في رمضان تبقى رحلة عبر الزمن يلتقي فيها الماضي بالحاضر في مشهد يعيد للمدينة دفئها الإنساني.

وتختم بالقول: “إن أسواق دمشق في رمضان ليست مجرد ذاكرة، بل ممارسة حية للهوية الثقافية، تحمل تفاصيلها روح الحضارة الدمشقية التي استطاعت عبر القرون الحفاظ على طابعها الحميم”،

مؤكدةً أن هذه الأسواق، التي تعود جذورها إلى العصور الكلاسيكية وتطورت في العهدين الأموي والعثماني، لا تزال منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة ارتبطت بالحياة اليومية لأهالي المدينة، وحافظت على تقليد التخصص المهني الذي أسهم في تكوين هوية واضحة لدمشق تاريخياً.

عبر التاريخ، بقيت أسواق دمشق في رمضان مرآةً لروح المدينة وذاكرتها الحية، تتجدد فيها الطقوس والعادات من جيل إلى آخر دون أن تفقد أصالتها، فهي مساحة يلتقي فيها الدين بالحياة، والتجارة بالفرح الشعبي، لتؤكد استمرار الهوية الدمشقية رغم تعاقب الأزمنة والتحولات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى