
يُرصد تحوّل «سوق الحرامية» في دمشق من فضاء للذاكرة الشعبية إلى ساحة تصارع البقاء بين فوضى الاقتصاد وتغيّر ملامح المدينة.
لم تكن «سوق الجمعة» في منطقة شارع الثورة في دمشق، المعروفة شعبياً باسم «سوق الحرامية»، مجرّد مساحة لبيع البضائع المُستعملة، أو ما يُعرف بـ«الخردة»؛ بل هي ذاكرة حيّة تختزن تحوّلات المدينة وسكّانها على مدى عقود.
ومنذ سقوط النظام السابق، وما تبعه من فوضى مؤقّتة وانفتاح لجهة حركة البضائع والناس، مرّت السوق بمراحل متناقضة من الازدهار إلى الركود، لتجد نفسها اليوم تصارع من أجل البقاء في وجه منافسة الأسواق الحديثة، وتدهور القدرة الشرائية للناس.
فوضى ثم ركود
تُعدّ السوق من أقدم أسواق العاصمة وأغربها؛ إذ لا محالّ نظامية فيها أو أبواب مغلقة، بل مجرّد أرصفة مكتظّة ببسطات متقابِلة تُعرَض عليها شتّى أنواع السلع، من الخردة المعدنية والأحذية البالية، إلى الأدوات النحاسية القديمة، والأجهزة المنزلية المُستعملة، وحتى القطع النادرة أو «الأنتيكا».
وخلال الأشهر الأولى التي تلت سقوط النظام، شهدت السوق حركةً غير مسبوقة، يصفها أبو صطيف، أحد الباعة المُلقّب بـ«المختار»، بالقول: «تدفّقت البضائع من خارج الحدود، وتزايد عدد الوافدين من الشمال إلى دمشق، فامتلأت البسطات ببضائع لم نكن نعرفها من قبل.
كان الزبائن من كل مكان، والباعة الجدد يبيعون كل شيء، من الدخان إلى الأجهزة الكهربائية. لكنّ هذا الازدهار لم يدم طويلاً، فكما ظهرت البضائع فجأة، اختفت، وعادت السوق إلى حالها القديمة: حركة بطيئة، وبضائع كثيرة بلا مشترين»؛
علماً أن كثيرين يأتون إلى السوق بدافع الفضول، أو أملاً في العثور على «لقطة» تُشترى بثمن زهيد، في حين نشأت فئة من الزوار الدائمين من الهواة والباحثين عن القطع النادرة أو ذات الطابع التاريخي.
ويقول أبو العبد، وهو أحد الزبائن القدامى، إن «المعروضات تغيّرت، حيث اختفت البضائع القديمة التي كانت تميّز السوق، وحلّت محلّها سلع جديدة رديئة ومُقلّدة. ومع تدفّق البضائع القادمة من الشمال، تغيّر شكل الأسواق في دمشق كلها، وسوق الجمعة لم تكن استثناءً».
أمّا أبو زكي، وهو أحد الباعة القدامى، فيشير إلى أن «التجارة هنا، قائمة على الصدفة والمغامرة»، موضحاً: «أننا نشتري البضاعة من أشخاص بأسعار زهيدة، وغالباً لا نعلم قيمتها الحقيقية.
أغلب الباعة من ذوي الدخل المحدود، ولكلّ منهم طريقته في العرض والإقناع، ولكل زبون غايته. السوق تقوم على ما نسمّيه (الشروة)، أي شراء البضاعة كما هي، من دون تفاصيل كثيرة».
وللسوق قوانينها الخاصة أيضاً؛ إذ لا مكان فيها للضمانات أو الاستبدال، في ما يُعرف بين الباعة باسم «البيع على البحر». وعلى رغم تسميتها المرتبطة بيوم الجمعة، فإن السوق تعمل معظم أيام الأسبوع.
يبحثون عن النوادر
ويكشف أبو عصام، صاحب أقدم محلّ لبيع النحاسيات المُستعملة، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «زبائن السوق ليسوا من الفقراء فقط، إذ يأتي كثيرون إلى هنا بحثاً عن قطع نادرة أو عن ذكرى من زمن مضى. هذا المكان ليس مجرّد سوق، إنه أرشيف صغير لجزء من ذاكرة دمشق».
ويؤكد أن غالبية البضائع المعروضة ليست مسروقة كما يظنّ البعض، بل هي أغراض يبيعها أصحابها لأسباب مختلفة، أو بقايا مستودعات ومحالّ أُغلقت أو أعلنت إفلاسها.
ويتحدّث عن المتغيّرات التي شهدتها السوق خلال 50 عاماً قضاها فيها، قائلاً: «كانت في الماضي تقتصر على السلع القديمة والمستعملة فقط، ثم بدأت تستقطب ما يُعرف بالبيعة الكاملة، أي بضاعة مستودع أُغلق أو منزل تمّ بيعه. لاحقاً، دخلت إليها المفروشات الجديدة، والأجهزة الكهربائية، والهواتف المحمولة.
واليوم، نرى حتى محالّ تقدّم خدمات المعاملات الشخصية بعد انتقال مديرية الشؤون المدنية إلى المنطقة». ويضيف أن «السوق باتت تضمّ أيضاً تجار المواد الغذائية والموالح والخُضر والمُنتجات الزراعية الموسمية، ما أفقدها جزءاً من طابعها القديم».
ويصف أبو زكي، بدوره، الواقع الحالي للسوق، بأنه «سيّئ»، لافتاً إلى أن هذا الواقع «مرتبط بوضع البلد، والاثنان يزدادان سوءاً. الدوريات الأمنية لا تغيب، والمستقبل غير واضح. هناك حديث عن احتمال إخلاء السوق في أيّ لحظة، فالمحالّ التجارية الجديدة التي بنتها المحافظة العام الماضي، ستُخصّص لمن يدفع أكثر».
من جهته، يؤكد مصدر في محافظة دمشق، لـ«الأخبار»، وجود خطّة قديمة كانت تقضي بشقّ طريق يمرّ داخل السوق للربط بين شارع الثورة وباب شرقي، لكنّ المشروع توقّف بعد اكتشاف وجود شريحة أثرية مُسجّلة لدى «اليونسكو»، ما حال دون السير في إجراءات الاستملاك.
ويضيف المصدر أن «المحافظة سعت إلى تنظيم البيع عبر إنشاء محالّ نظامية داخل السوق للحدّ من ظاهرة البسطات العشوائية، والتي باتت تشوّه المنظر العام وتسبّب ازدحاماً في قلب العاصمة».
وسط هذه الفوضى، تبقى السوق مُحاطة بالمفارقات: مفرزة أمنية دائمة عند أحد مداخلها منذ سنوات، باعة متغيّرو الوجوه، وبضائع يصعب تخيّل وجودها في مكان واحد.
وكما يقول أحد روادها، ممازحاً: «في سوق الحرامية، تجد كل ما لا تحتاج إليه، قبل أن تصادف ما تبحث عنه فعلاً».
الأخبار – ياسين الشاويش














