
تعد أسواق حلب الأثرية الواقعة ضمن نطاق المدينة القديمة أحد أهم الشرايين الاقتصادية التي تحتاج إلى الترميم، حيث ما زالت تلك الأسواق كما تركها النظام المخلوع ودمرها.
وعلاوة على كونها أسواقاً مفتوحة ومصدراً هاماً لكثير من السلع، تتمتع تلك الأسواق بأهمية سياحية، حيث يشكل موقعها القريب من القلعة والمسجد الأموي الكبير مقصداً لكل الوافدين والزائرين للمدينة، التي تعد العاصمة الاقتصادية للبلاد.
“لقد تغير كل شيء والمشهد هنا يُدمي القلوب، لقد رأيتها لآخر مرة سنة 2009، كانت عامرة بالحياة والآن تتنفس الموت”، تصف السيدة إيليف دوغان، وهي سائحة تركية قدمت إلى حلب من ولاية غازي عنتاب التركية، شعورها لـ “الثورة السورية”، مشيرة إلى أن حجم الدمار كان صادماً جداً بالنسبة لها.
وأضافت: “نأمل أن تعود هذه المدينة إلى سابق عهدها، لقد كانت وجهتنا المحببة نحن أهالي غازي عنتاب، ربما بسبب التشابه الكبير بين حلب ومدينتنا، هناك العديد من الأسواق التي أفتقدها، خاصة سوق المدينة القديمة المسقوف، الذي لم يرَ الشمس إلا بعد الحرب، بعد تهدم سقفه واحتراق محاله التجارية”.
جودة مبنية على الذكريات
فضلاً عن كونها أسواقاً تجارية ومعالم سياحية هامة، تعد أسواق حلب القديمة مركزاً أساسياً للمواد الأولية لمعظم الصناعات اليدوية، حيث كانت تضم مراكز لبيع الصوف وأدوات النسيج اليدوي، علاوة على مستلزمات الخياطة والتجهيزات الأولية المستخدمة في ورش الخياطة وماكينات الحياكة المنزلية.
تقول أم عدنان، الخياطة الحلبية، التي عاصرت تلك الأسواق منذ ما قبل “البعث”: “كنت وما زلت أرى أن جودة البضائع تتعلق بتلك الأسواق، منذ أن دمرت لم يعد هناك أي بضائع أصلية من وجهة نظري، لقد كنت أبتاع لزبائني أفضل الأقمشة كما كنت أبتاع الأزرار والخيوط المستخدمة في تفصيل الملابس من سوق المدينة، ذاك السوق الذي ما زلت أحبه رغم ما حل به”.
وأضافت في حديثها لصحيفة “الثورة السورية”: “يكفي أن أرى تلك الأسواق نابضة بالحياة مرة أخرى، لأقول إن البلاد عادت لسابق عهدها، رمزية أسواق حلب لا تقل عن مصانعها، ولا تقل أيضاً عن رمزيتها السيادية كعاصمة الاقتصاد في البلاد”.
تدمير أسواق حلب الأثرية
تضم مدينة حلب نحو 39 سوقاً أثرياً تمتد لمسافة تصل إلى نحو 15 كيلومتراً، وتقع جميعها ضمن المنطقة القديمة، حيث كانت تلك الأسواق في الماضي مركزاً تجارياً واقتصادياً وسياحياً بالغ الأهمية في مدينة تساهم وحدها بنحو ثلث الاقتصاد السوري، إلا إن قيمتها التاريخية لم تشفع لها عند النظام المخلوع، الذي عاث فيها تخريباً وتدميراً وقصفاً.
يتحدث مصطفى ألجاتي، صاحب أحد محلات القماش في سوق المدينة الأثري، لـ “الثورة السورية” عن تفاصيل حرق السوق من قبل النظام المخلوع، مشيراً إلى أن عناصر النظام وميليشياته الرديفة نهبت المحال هناك ثم قصفت وأحرقت السوق، ثم اتهمت فصائل الجيش الحر آنذاك.
وأكد أن من نهب السوق هم عناصر اللجان الشعبية والدفاع الوطني، التي كانت تضم الشبيحة والمرتزقة وكل مجرم خارج عن القانون، مختتماً حديثه بالقول: “حاول أحد أصحاب المحال التجارية هناك، وهو صديق لي، إفراغ محله، لكنهم منعوه، ثم بعد ذلك بأيام أُحرق السوق”.
عمليات ترميم قديمة
يشمل الدمار بنسب مختلفة نحو ثلثي الأسواق في حلب القديمة، فيما تمت إعادة تأهيل بعض الأسواق من قبل منظمات أجنبية في عهد النظام المخلوع، وقد شمل ذلك سوق السقطية والزرب وبعض أجزاء سوق باب أنطاكية، وبعض المحال بداية سوق العريان وسوق المدينة.
وحول وجود خطط لترميم بقية الأسواق، أكد مدير المكتب الإعلامي في مديرية آثار حلب، إسماعيل كردي، لـ “الثورة السورية” أن عمليات ترميم الأسواق الأثرية في حلب القديمة ستبدأ خلال الربع الأول من سنة 2026،
مضيفاً أن نسبة الدمار في المدينة القديمة بفعل قصف النظام البائد وزلزال 2023 بلغت نحو 60%، موزعة بين دمار جزئي ودمار كامل.
وأضاف: “حالياً توجد منظمات دولية تنسّق مع وزارة الثقافة ومع المديرية العامة للآثار والمتاحف بدمشق، ومنها مع محافظة حلب ومديرية آثار ومتاحف حلب، والهدف هو إعادة الحياة لتراث تلك المدينتين العريقتين”.
وبما يتعلق بالقطع الأثرية المرتجعة لمديرية آثار حلب، أكد كردي أن مجموعة من المصادرات تجاوزت العشرين ألف قطعة، منها أثري حقيقي ومنها مزيف، جرى تسليمها لمديرية آثار حلب بعد التحرير،
وقد تم تشكيل لجان لدراسة هذه القطع وتحديد الأثري منها والمزيف، ومعظم هذه القطع تم تسليمها من أرياف حلب.
أسواق حلب المسقوفة بالجمال
تتميز أسواق حلب بتخصص كل سوق منها ببيع منتجات محددة (مثل سوق العطارين والسقطية والحدادين والنحاسين)، وتعتبر محوراً تجارياً تاريخياً يمتد من القلعة إلى باب أنطاكية.
كما أن وقوع الأسواق بجوار معالم هامة مثل الجامع الأموي الكبير وخان الحرير وخان البنادقة، بالإضافة إلى حمامات تاريخية مثل حمام يلبغا وحمام نور الدين الزنكي، جعل منها مقصداً ينتظر استعادة مكانته السياحية.
الثورة السورية – لمى الحلو








