
تحوّل ارتفاع الأسعار خلال الفترة الماضية إلى عامل ضغط إضافي على الأسر السورية مع اقتراب عيد الأضحى، في وقت يفترض أن تشهد فيه الأسواق ذروة نشاطها الموسمي،
إلا أن الحركة الشرائية في عدد من الأسواق بدت أقل مقارنة بمواسم سابقة، مع توجه شريحة من المواطنين إلى تأجيل شراء مستلزمات العيد أو البحث عن بدائل أقل كلفة تتناسب مع إمكاناتهم المادية.
وفي جولة لـ”الثورة السورية” على عدد من الأسواق، أشار مواطنون وأصحاب محال تجارية إلى تراجع المبيعات مقارنة بعيد الفطر، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد أولوية الإنفاق على الاحتياجات الأساسية.
“الفرجة” بديلة عن الشراء
رغم اكتظاظ الأسواق نسبياً، إلا أن الحركة الشرائية بقيت محدودة، حيث يقتصر جزء كبير من الزيارات على الاستفسار عن الأسعار دون إتمام عمليات شراء.
وفي هذا السياق، أكد عمر أمّان، صاحب محل ألبسة في منطقة التلل بحلب، أن شخصاً واحداً تقريباً من بين كل خمسة زبائن يقدم على الشراء بعد السؤال عن الأسعار.
وأضاف في حديثه لـ”الثورة السورية” أن الحركة الشرائية أضعف مقارنة بعيد الفطر، موضحاً أن معظم الزبائن يستفسرون عن الأسعار ثم يغادرون نتيجة عدم ملاءمتها لقدراتهم الشرائية.
وأشار إلى أن أسعار الجملة وتكاليف البضائع ارتفعت بنحو 28 بالمئة مقارنة بالعيد الماضي، مبيناً أن ارتفاع تكاليف الوقود وتقلبات أسعار الصرف انعكسا بشكل مباشر على أسعار الألبسة ومختلف السلع المعروضة في الأسواق.
وفي سوق سد اللوز بحي الشعار في مدينة حلب، تبدو الحركة أفضل نسبياً مقارنة ببعض المناطق الأخرى، إلا أن قرار الشراء ما يزال مرتبطاً بشكل مباشر بالسعر.
ويقول علي العمر، صاحب محل ألبسة في السوق، إن العروض والأسعار المخفضة أصبحت العامل الأبرز في جذب الزبائن، لافتاً إلى أن كثيراً من المتسوقين يتجهون نحو الأسواق الشعبية بحثاً عن الخيارات الأقل كلفة.
وأضاف لـ”الثورة السورية”: “هنا لا أحد يسأل عن الجودة، الجميع يسأل عن السعر فقط، لا أحد يهمه أن يكون قماش البنطال ذو جودة عالية، أو أن يكون القميص يحتوي على نسبة جيدة من القطن، المهم أن يكون السعر مناسباً.”
مستلزمات العيد خارج الأولويات
مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، باتت كثير من الأسر تعيد ترتيب أولويات الإنفاق، مع إعطاء الأفضلية للمواد الأساسية والاحتياجات المعيشية اليومية على حساب بعض مستلزمات العيد.
ويؤكد خالد نبهان، وهو موظف في مديرية الحدائق بحلب، أن ملابس عيد الفطر ما تزال صالحة للاستخدام ويمكن أن تغطي احتياجات الأطفال خلال عيد الأضحى.
وأوضح أن تكلفة شراء ملابس جديدة لثلاثة أطفال تتجاوز جزءاً كبيراً من دخله الشهري، مشيراً إلى أن أسعار البنطال والقميص والحذاء للأطفال باتت تشكل عبئاً يصعب على كثير من الأسر تحمله في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
وأضاف: “اليوم يصل ثمن البنطال لطفل لا يتجاوز العاشرة من العمر إلى 1500 ليرة جديدة، والقميص إلى نحو 2000 ليرة جديدة، والحذاء من النوع المتوسط إلى 1500 ليرة جديدة،
أي ما مجموعه نحو 5000 ليرة للطفل الواحد، بينما أتقاضى راتباً شهرياً يقارب 20 ألف جديدة ولدي ثلاثة أطفال، لذلك تصبح الأولوية لتأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة”.
وأشار إلى أن كثيراً من العائلات باتت تفضل الاستفادة من الملابس التي تم شراؤها في عيد الفطر بدلاً من تحمل أعباء إضافية مع كل موسم.
“البالة” من بديل إلى أساسي
بدوره، يرى حميد قصاب باشي، الذي يعمل في مجال الكهرباء المنزلية، أن أسواق الألبسة المستعملة باتت تستقطب شريحة متزايدة من المواطنين، بعد أن كانت في السابق خياراً بديلاً لبعض الأسر فقط.
وأوضح لـ”الثورة السورية” أن كثيراً من العائلات تتجه اليوم إلى هذه الأسواق بسبب الفارق الكبير في الأسعار، مشيراً إلى إمكانية شراء ملابس وحذاء بأسعار تقل كثيراً عن مثيلاتها في الأسواق التقليدية.
وأضاف أن الإقبال على الألبسة المستعملة ازداد خلال السنوات الأخيرة مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الملابس الجديدة.
ولم تقتصر مظاهر الركود على أسواق حلب، إذ أشار عدد من الباعة في السوق الطويل بمدينة حماة إلى تراجع الحركة الشرائية مقارنة بمواسم سابقة، مرجعين ذلك إلى محدودية الدخل المتاح للإنفاق بعد تغطية الاحتياجات الأساسية.
انعكاسات اقتصادية ورقابة مستمرة
يرى الخبير الاقتصادي مهران لبابيدي أن تراجع القدرة الشرائية للمواطنين ينعكس بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي، موضحاً أن ضعف الاستهلاك يؤدي إلى تراجع حركة الأسواق ويؤثر في مختلف القطاعات التجارية والإنتاجية.
وأشار إلى أن التضخم وتدني الأجور وتقلبات أسعار الصرف تعد من أبرز العوامل المؤثرة في القدرة الشرائية، إلى جانب تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف السلع والخدمات.
وأضاف أن استمرار هذه العوامل يؤدي إلى إضعاف الطلب في الأسواق ويزيد من حالة الترقب وعدم اليقين لدى التجار والمستهلكين على حد سواء، الأمر الذي ينعكس سلباً على النشاط التجاري بشكل عام.
من جانبه، أكد مدير المكتب الإعلامي في مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك بحلب بلال الأخرس لـ”الثورة السورية” أن المديرية تتابع حركة الأسواق بشكل مستمر، وتكثف جولاتها الرقابية خلال فترة ما قبل العيد، ولا سيما على محال الألبسة والحلويات والمواد الغذائية.
وأوضح أن الرقابة تشمل التحقق من الإعلان عن الأسعار بشكل واضح، والتأكد من حيازة الفواتير النظامية، ومتابعة التزام الفعاليات التجارية بالقوانين والأنظمة النافذة، إضافة إلى ضبط المخالفات المتعلقة بالغش أو الاحتكار أو الاستغلال.
وأشار إلى أن الجولات الرقابية مستمرة في مختلف الأسواق بهدف حماية المستهلك وضمان الالتزام بالتعليمات المعمول بها.
ومع اقتراب عيد الأضحى، تفرض الظروف المعيشية نفسها على قرارات كثير من الأسر، فتتراجع مستلزمات العيد أمام متطلبات الحياة اليومية،
وفي وقت يواصل فيه التجار ترقب تحسن الحركة الشرائية، تتجه شريحة واسعة من الأهالي إلى خيارات أقل كلفة أو تأجيل بعض المشتريات، في مشهد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تلقي بظلالها على الأسواق ومواسم الأعياد.
الثورة السورية – حسان كنجو












