
شهد إنتاج الأسماك في سوريا تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، انعكس مباشرة على الاستهلاك المحلي،
إذ انخفضت حصّة الفرد إلى أقل من كيلوغرام واحد سنوياً، لتتحول الأسماك إلى مادة نادرة على موائد كثير من الأسر رغم قيمتها الغذائية المرتفعة،
كما أدى هذا التراجع إلى خروج عدد من المزارع والمنشآت المرتبطة بالقطاع من الخدمة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مصدر بروتين منخفض الكلفة يعزز الأمن الغذائي.
ولا يقتصر تراجع الاستهلاك على ضعف القدرة الشرائية فحسب، بل يرتبط أساساً بانخفاض المعروض في السوق المحلية وتراجع الإنتاج، سواء من المصائد الطبيعية أو المزارع السمكية،
وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب والاعتماد المتزايد على الأسماك المستوردة والمجمدة لتغطية حاجة السوق،
ومع اتساع هذه الفجوة أثيرت تساؤلات حول أسباب تراجع القطاع والعوامل التي تقف وراء تقلص المخزون السمكي وخروج عدد من المربين والصيادين من المهنة.
وأوضح مدير الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية المهندس إياد خضرو أن القطاع يمتلك مقومات إنتاجية يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل،
ولا سيما عبر التوسع في الاستزراع السمكي والمزارع الأسرية، مستفيداً من المسطحات المائية الداخلية والشريط الساحلي القابل للاستثمار.
وبيّن خضرو أن المخزون السمكي في المياه العذبة والبحرية يتعرض لتراجع مستمر نتيجة عوامل عدّة، أبرزها الصيد الجائر وفقدان الموائل الطبيعية والتلوث وظهور أنواع دخيلة تنافس الأنواع المحلية، ما يهدد التوازن البيئي والإنتاجي معاً،
مضيفاً أن الهيئة تعمل على حماية المخزون وتنمية موارده وتنشيط الأنشطة المرتبطة به تمهيداً لرفع الإنتاج وتحسين كفاءة القطاع.
فجوة الإنتاج بين العرض والطلب
تشير تقديرات وتقارير أممية إلى أن أكثر من نصف السكان في سوريا يعانون درجات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي، في ظلّ تراجع الإنتاج الزراعي خلال السنوات الماضية وتضرر البنية التحتية، ما يعيد طرح قطاع الثروة السمكية كأحد المصادر الممكنة لتعزيز البروتين الغذائي منخفض الكلفة.
وأكد خضرو أن الإنتاج المحلي من الأسماك البحرية والعذبة لا يغطي حاجة الاستهلاك، إذ تُقدَّر الفجوة الحالية بنحو 30 ألف طن سنوياً، وباحتساب عدد السكان بنحو 20 مليون نسمة، ينخفض نصيب الفرد إلى أقل من كيلوغرام واحد سنوياً، وهو معدل متدنٍ مقارنة بالمتوسطات العالمية.
ولتغطية هذا النقص يجري حالياً السماح باستيراد الأسماك المجمّدة والمبرّدة لتأمين حاجة السوق، في حين يبقى الاعتماد على الاستيراد حلاً مؤقتاً بانتظار رفع الإنتاج المحلي.
انسحاب تدريجي من المهنة
انعكس تراجع الإنتاج خلال السنوات الماضية مباشرة على أسعار الأسماك التي ارتفعت بنسب كبيرة وصلت في بعض الأنواع إلى نحو 400 بالمئة مقارنة بسنوات سابقة، ما جعلها خارج القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنين.
وفي عدد من الأسواق تجاوز سعر كيلو “سلطان إبراهيم” البلدي 240 ألف ليرة سورية، وبلغ اللقز الصخري نحو 450 ألف ليرة،
فيما اقتربت أسعار بعض أنواع الفيليه المستورد من 80 إلى 100 ألف ليرة للكيلوغرام، وهو ما جعل الأسماك تنتقل من سلعة غذائية أساسية إلى غذاء مرتفع الكلفة مقارنة ببدائل البروتين الأخرى.
ولا يعكس هذا الارتفاع تراجع الاستهلاك فقط ، إذ يكشف أيضاً تدهور أوضاع العاملين في القطاع، وهنا يقول حسين وسوف، وهو صياد من جسر الشغور في ريف إدلب الغربي، إن مهنة الصيد لم تعد تؤمّن الحدّ الأدنى من المعيشة،
مشيراً إلى أن الجفاف والتلوث أدّيا إلى انخفاض أعداد الأسماك وتراجع جودتها، ما دفع كثيراً من الصيادين إلى ترك المهنة.
أما رجب محمود، وهو مربٍّ من سهل الغاب، فيوضح أنه كان يمتلك أربعة أحواض سمكية عام 2010 بإنتاج يقارب طنين للحوض الواحد، بينما لم يبق لديه اليوم سوى حوض واحد نتيجة الجفاف وارتفاع تكاليف التربية.
بدوره، يربط خضرو تراجع الإنتاج بجملة من العوامل البيئية والمناخية، في مقدّمتها ارتفاع درجات حرارة المياه الذي يؤثر في تكاثر الأسماك ونموها،
كما يسهم التلوث البحري الناتج عن البلاستيك ومخلفات الصناعة ومياه الصرف الصحي في نفوق أعداد كبيرة من الأسماك وإضعاف السلسلة الغذائية البحرية، إضافة إلى ظهور أنواع دخيلة تنافس الأنواع المحلية وتخلّ بالتوازن البيئي للمسطحات المائية.
وأشار إلى أن وزارة الزراعة تعمل عبر الهيئة العامة للثروة السمكية على تحديث التشريعات الناظمة لقطاع الصيد بما يواكب المتغيرات البيئية والإنتاجية،
وذلك من خلال تشديد الرقابة على دخول وخروج المراكب وضبط وسائل الصيد والتقيّد بفترات المنع، ومراقبة الأسواق ومصادرة الأسماك المصادة بطرق غير مشروعة كالمتفجرات والسموم والصعق الكهربائي.
وفي إطار حماية التنوع الحيوي يجري العمل على إقامة حيود بحرية صناعية ضمن المياه الإقليمية السورية، وتحديد مواقع لمحميات بحرية في اللاذقية وطرطوس بهدف تأمين مناطق آمنة لتكاثر الأسماك وإعادة تكوين المخزون الطبيعي.
رهان الاستزراع
يقدَّر عدد المزارع السمكية في سوريا بنحو 750 مزرعة، منها 314 مزرعة مرخصة، وتسعى الهيئة إلى رفع الإنتاج المحلي من خلال التوسع في إنتاج إصبعيات أسماك المياه العذبة عبر إنشاء مفرخات جديدة في مختلف المناطق لتأمين احتياجات المربين وزيادة الطاقة الإنتاجية، بحسب خضرو،
كما يجري دعم المربين وتشجيع إقامة المزارع الأسرية وتأهيل المزارع والمنشآت الخارجة عن الخدمة، والتوسع في الاستزراع المكثف باستخدام الأقفاص العائمة لدى القطاعين العام والخاص وزيادة استثمار المسطحات المائية،
وفي ما يتعلق بمدخلات الإنتاج، يجري العمل على إقامة معامل متخصصة لإنتاج أعلاف الأسماك البحرية والعذبة بهدف خفض التكاليف وتحسين الإنتاجية.
يرى خضرو أن اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك يفتح مجالاً واسعاً للاستثمار في القطاع، ولاسيما في مشاريع الاستزراع السمكي، فالمسطحات المائية العذبة المتاحة في عدد من المحافظات،
إضافة إلى الشريط الساحلي، تتيح إقامة مشاريع تربية أسماك بحرية قادرة على تلبية جزء مهم من الطلب المحلي والحد من الاعتماد على الاستيراد.
وتشير الهيئة إلى توفر مقومات مساندة لهذه المشاريع من بنية تحتية مناسبة وإمكانية إقامة معامل لإنتاج الأعلاف ومستلزمات التربية، فيما تعمل الدولة على تشجيع القطاع الخاص عبر قانون الاستثمار ومنح حوافز وتسهيلات إجرائية لاستقطاب المستثمرين.
غياب الاستراتيجية
يرى الخبير الزراعي المهندس عبد الرحمن قرنفلة أن تراجع القطاع لا يرتبط بنقص الدعم فقط، بل بغياب استراتيجية واضحة للتعامل مع الثروة السمكية كمصدر رئيسي للبروتين الحيواني، إضافة إلى ضعف إشراك الخبرات الفنية المتخصصة.
ويشير إلى أن السواحل السورية فقيرة نسبياً بالأسماك نتيجة محدودية المغذيات الطبيعية وندرة الأنهار التي تصب في البحر، إلى جانب ضعف الالتزام بالقوانين الناظمة لعمليات الصيد ونقص السفن القادرة على العمل في أعالي البحار،
كما تواجه البحيرات والسدود الصيد الجائر والتعديات وعدم التقيد بفترات المنع، فيما تعاني المزارع السمكية صعوبات إدارية وفنية ومالية انعكست على انخفاض الإنتاجية.
كذلك يرى قرنفلة أن استيراد الأسماك خيار اضطراري لتغطية النقص الحالي، لكنه يحذر من تحوله إلى بديل دائم للإنتاج المحلي لما يسببه من استنزاف للقطع الأجنبي ومخاطر صحية محتملة، مؤكداً ضرورة تنظيم الاستيراد بما يحمي المنتجين المحليين.
ويشير إلى أن تنمية القطاع تتطلب تدريباً وإرشاداً فنياً للمربين والصيادين وتعزيز دور البحث العلمي والجامعات، إلى جانب تشجيع تأسيس جمعيات تعاونية لتنظيم الإنتاج والتسويق،
مؤكداً أن للاستزراع السمكي مستقبلاً واعداً في سوريا، ولا سيما في المزارع الشاطئية واستثمار البحيرات والسدود، شريطة توفير كوادر متخصصة وإقامة مصانع أعلاف مناسبة لكل نوع سمكي.
في المحصلة، لا تختصر أزمة الثروة السمكية في سوريا تراجع إنتاج مادة غذائية، بقدر ما تعكس تحديات أوسع في إدارة الموارد الطبيعية وسياسات الإنتاج الغذائي،
إذ أدت عوامل الجفاف والتلوث والصيد الجائر وارتفاع التكاليف إلى تقلص المخزون الطبيعي واتساع الفجوة بين العرض والطلب وزيادة الاعتماد على الاستيراد.
ومع ذلك، لا يزال القطاع يمتلك فرصاً واقعية للنهوض إذا ما جرى التعامل معه كمورد استراتيجي للأمن الغذائي عبر تنظيم الصيد، والتوسع في الاستزراع السمكي، وتأهيل المزارع المتوقفة، وتعزيز الإرشاد والبحث العلمي،
بحيث يصبح الانتقال من إدارة الأزمة إلى تنمية مستدامة شرطاً أساسياً لإعادة الأسماك إلى متناول المستهلك واستعادة أحد أرخص مصادر البروتين.
الثورة السورية- هنادة سمير













