تواجه عودة السكان إلى أحياء حلب الشرقية تحديات تتصل بحجم الدمار الذي أصاب الأبنية والبنى التحتية خلال سنوات الثورة، رغم مشاريع ترحيل الأنقاض وتأهيل شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي التي بدأت الجهات المعنية تنفيذها في عدد من المناطق.
وتكشف الأرقام حجم الاحتياجات، إذ أظهر مسح لمجلس مدينة حلب وجود 3200 بناء بحاجة إلى تدعيم و422 بناء مهدماً، فيما تصل نسبة الأجزاء المتضررة من شبكة الصرف الصحي في عدد من الأحياء إلى نحو 38 بالمئة، ويجري العمل على استبدال نحو 127 كيلومتراً من الشبكة المهترئة.
وتتداخل الأضرار الخدمية مع تحديات صحية وبيئية، إذ سجلت مديرية صحة حلب 20 ألفاً و956 إصابة جديدة باللاشمانيا حتى الأول من أيلول 2026، وربطت انتشار الإصابات بتراكم النفايات والوضع البيئي الملوث في عدد من الأحياء، إضافة إلى تلوث المياه.
وفي مقابل حجم الضرر، تتواصل مشاريع التأهيل، ومنها ترحيل الأنقاض والنفايات وتحسين شبكات الصرف وتصريف مياه الأمطار، إلى جانب إعادة الكهرباء إلى مناطق بقيت سنوات من دون تغذية، إلا أن اتساع الاحتياجات يجعل استعادة الخدمات الأساسية عاملاً حاسماً في عودة مزيد من السكان واستقرارهم.
العودة تبدأ من استعادة الخدمات
وصلت إلى “الثورة السورية” مناشدات من سكان عدد من الأحياء الشرقية، بينها السكري والكلاسة والفردوس والإنصاري الشرقي وكرم القاطرجي وكرم الدعدع وكرم الجزماتي، يطالبون فيها بتوفير الظروف التي تمكنهم من العودة إلى منازلهم بعد سنوات من النزوح.
وتعاني بعض المناطق دماراً واسعاً في الأبنية، فيما تواجه مناطق أخرى نقصاً في مياه الشرب وانقطاعات متكررة وطويلة للكهرباء، إلى جانب تراكم النفايات وانتشار القوارض والحشرات والكلاب الشاردة، وفق عدد من السكان.
وأوضح بكري المصري أن حجم الدمار والانهيارات والأنقاض جعل أجزاء من هذه الأحياء مهجورة تماماً، فيما تعاني المناطق التي بقيت فيها أبنية قابلة للسكن نقص الخدمات الأساسية.
وفي حي المعادي، أشار خالد صابوني إلى تراكم القمامة وتضرر الطرق وشبكات الصرف الصحي، لافتاً إلى وجود مصارف صحية مكشوفة في بعض المواقع، وما تسببه من تلوث ومخاطر على السكان، وخاصة الأطفال.
ويرى سامر قلة أن حجم الأضرار يتطلب إعادة تأهيل واسعة للبنى التحتية والمرافق العامة والمدارس، مطالباً بوضع الأحياء الشرقية ضمن أولويات العمل الخدمي.
3200 بناء بحاجة إلى تدعيم
أظهر مسح أجراه مجلس مدينة حلب وجود 4350 بناء قابلاً للسكن في المناطق التي شملها المسح، مقابل 3200 بناء بحاجة إلى تدعيم، إضافة إلى 422 بناء مهدماً و6 أبنية خطرة، وفق مدير مديرية الخدمات الرابعة في المجلس خالد عثمان.
وتتركز كميات كبيرة من الأنقاض والركام، بحسب عثمان، في الشيخ سعيد والحرابلة والسكري وتل الزرازير وصلاح الدين والمشهد وبستان القصر.
وتتولى الخدمات المركزية في مجلس المدينة إزالة الركام بالتعاون مع الدفاع المدني وبعض المنظمات، فيما تتيح عقود بين مجلس المدينة والمحافظة ترحيل الركام بعد تقديم أصحاب العلاقة طلبات بهذا الخصوص.
أما الأبنية الآيلة للسقوط، فتخضع لإعادة تقييم من لجان السلامة العامة قبل الحصول على موافقات الجهات المختصة لهدمها عن طريق متعهد متعاقد مع مجلس المدينة.
وأكد عثمان وجود بيانات موثقة للأبنية التي تضررت جراء زلزال عام 2023، فيما يجري العمل حالياً على تدخلات إسعافية في معظم الأحياء الشرقية، مع وجود خطط لتحسين الخدمات وإعادة التأهيل خلال عام 2027.
ويجري بالتوازي دراسة مشروع “جسور العمران”، الذي يتضمن إجراءات لترخيص مجمعات سكنية وضواحٍ تندرج ضمن مشروع حلب الكبرى.
ترحيل الأنقاض وتحسين الخدمات
نفذت مديريات الخدمات التابعة لمجلس مدينة حلب خلال الربع الثالث من عام 2026 أعمالاً شملت ترحيل الأنقاض والنفايات وتأمين المياه وتحسين بعض الطرق.
وأوضحت إدارة مجلس المدينة لـ”الثورة السورية” أنه جرى في نطاق مديرية الخدمات الأولى ترحيل 120 متراً مكعباً من الأنقاض بآليات المديرية، و12 متراً مكعباً بمؤازرة الخدمات المركزية، إضافة إلى ترحيل 480 طناً من القمامة وتزويد المناطق التابعة للمديرية بـ140 ألف لتر من المياه.
وفي المناطق التابعة لمديرية الخدمات الثالثة، جرى ترحيل 79 ألف طن من القمامة وتنفيذ 100 حملة نظافة، إلى جانب تزفيت الطريق الرئيسي “الحاووظ – النيرب” بنسبة 4 بالمئة وطريق الشيخ نجار بنسبة 60 بالمئة.
صرف صحي تجاوز مرحلة الصيانة
تمثل شبكات الصرف الصحي أحد أبرز تحديات البنية التحتية في الأحياء الشرقية، إذ تعرضت أجزاء واسعة منها لأضرار نتيجة قدم الشبكات وقصف النظام المخلوع والزلزال، بالتزامن مع توسع عمراني وزيادة كبيرة في عدد السكان.
وأوضح المدير العام للشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي بحلب، المهندس أحمد حسن الشيخ، أن أجزاء واسعة من الشبكة تتكون من سواقي حجرية منفذة بصورة عشوائية وغير نظامية، ولم تعد ملائمة لمتطلبات التشغيل الحالية من الناحيتين الفنية والهيدروليكية.
وبحسب التقييمات الميدانية، تبلغ نسبة الأجزاء المتضررة من الشبكة نحو 38 بالمئة، فيما وصلت بعض المقاطع إلى حالة لم تعد معها أعمال الصيانة والتعزيل مجدية فنياً واقتصادياً، ما يستدعي استبدالها بالكامل.
وأكد الشيخ عدم وجود اختلاط بين شبكتي مياه الشرب والصرف الصحي، رغم وجود مظاهر تلوث مرتبطة بحالة الشبكة.
ويجري العمل على استبدال نحو 127 كيلومتراً من شبكة الصرف الصحي المهترئة، مع إعطاء الأولوية للمقاطع التي تعاني أضراراً وانسدادات شديدة.
كما تشمل الأعمال تحسين منظومة تصريف مياه الأمطار من خلال تنظيف وتعزيل المصافي القائمة وإنشاء مصارف جديدة عند نهايات الأحواض الساكبة والمجمعات الرئيسية، وخاصة في المحاور التي تشهد تجمعات للمياه.
ونُفذت حتى الآن 20 مطرية ضمن خطة تحسين التصريف، إضافة إلى التعاقد مع شركة متخصصة لتنفيذ مجموعة جديدة من المصارف في عدد من الأحياء، وتنفيذ خط لتصريف مياه الأمطار من جسر كرم النزهة باتجاه نهر قويق.
وتحدد أولويات التدخل، وفق الشيخ، استناداً إلى نتائج الكشف الميداني وحالة الشبكات والأحواض الساكبة، مع توجيه الأعمال نحو المواقع الأكثر تضرراً وتأثيراً على السكان والبيئة والسلامة العامة.
اللاشمانيا تتجاوز 20 ألف إصابة
انعكس تردي الواقع البيئي والخدمي على الوضع الصحي في عدد من الأحياء الشرقية، إذ رصدت مديرية صحة حلب أعداداً كبيرة من إصابات اللاشمانيا، وربطت ذلك بتراكم النفايات والوضع البيئي الملوث في عدد من المناطق، إضافة إلى تلوث المياه.
وأوضحت المديرية لـ”الثورة السورية”، عبر مسؤول مكتبها الإعلامي منير المحمد، أن عدد الإصابات الجديدة المسجلة حتى الأول من أيلول 2026 بلغ 20 ألفاً و956 إصابة.
وبلغ العدد الكلي للحالات خلال عام 2025 نحو 25 ألفاً و969 حالة، مقابل 28 ألفاً و863 إصابة في عام 2024، و25 ألفاً و479 إصابة في عام 2023.
وتتعامل الجهات الصحية مع الواقع من خلال التقصي البيئي والحشري وإرسال تقارير إلى محافظة حلب، فيما نفذت خلال صيف 2026 حملات لرش المبيدات داخل المنازل في المدينة والريف لمكافحة ذبابة الرمل الناقلة للمرض.
ويبلغ عدد المراكز الصحية في الأحياء الشرقية 14 مركزاً، موزعة على الحيدرية وميسلون والمعصرانية وجب القبة والشيخ سعيد والفردوس وجمال عبد الناصر والسكري والجلاء والملك الضاهر وبستان القصر والنيرب والمرجة ويوسف العظمة.
وبحسب مديرية الصحة، تغطي المراكز التي تعالج اللاشمانيا الحاجة، إلا أن التشخيص المخبري لا يتوافر في جميعها، فيما جرى ترميم عدد من المراكز الصحية بعد التحرير وإعادتها إلى الخدمة.
الكهرباء تعود إلى 15 ألف شخص
دخلت أربعة مراكز تحويلية جديدة الخدمة في حي الشعار ضمن منطقة الحلوانية، في خطوة لإعادة تأهيل البنية التحتية الكهربائية في أحياء حلب الشرقية.
وأوضح مدير الشركة العامة لكهرباء حلب محمود الأحمد أن المراكز وضعت في الخدمة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وأتاحت إعادة التغذية الكهربائية إلى مشتركين في الحلوانية بعد انقطاع استمر سنوات.
وتخدم المراكز الجديدة نحو 15 ألف شخص، فيما وصف مدير الشركة المشروع بأنه خطوة أولى في مسار إعادة التيار الكهربائي إلى أحياء حلب الشرقية.
وأكدت وزارة الطاقة أن تشغيل المراكز يسهم في تحسين استقرار الشبكة ودعم عودة النشاط الخدمي والعمراني في المنطقة.
ختاماً، تكشف أرقام الأبنية المتضررة وشبكات الصرف والوضع الصحي ومشاريع الكهرباء أن إعادة السكان إلى الأحياء الشرقية ترتبط بمجموعة خدمات لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى،
فوجود بناء قابل للسكن لا يكفي وحده لعودة أصحابه إذا بقي محيطه محاصراً بالأنقاض، أو تعطلت شبكة الصرف الصحي، أو غابت المياه والكهرباء والطرق والخدمات الصحية.
الثورة السورية – لينا إسماعيل
