وسط نقص المرائب وازدياد السيارات.. أزمة المواقف تتفاقم في دمشق

بعد أكثر من نصف ساعة من الدوران في شوارع دمشق، قد لا يجد السائق مكاناً يركن فيه سيارته، لتتحول رحلة قصيرة إلى عبء يومي مرهق،

فمع التزايد المستمر في أعداد المركبات، تواجه العاصمة أزمة خانقة في المواقف، في ظل بنية تحتية لم تعد قادرة على استيعاب هذا الضغط المتصاعد، ما يجعل البحث عن موقف مهمة تستنزف الوقت والأعصاب.

ولا يتوقف الأمر عند الوقت الضائع، حيث تؤثر هذه المشكلة على مجمل تفاصيل الحياة اليومية، إذ يضطر السائقون إلى الدوران طويلاً قبل العثور على مساحة شاغرة، إن وجدت،

بينما تبتلع السيارات المتوقفة على جانبي الطرق كل فراغ ممكن، لتتحول الشوارع تدريجياً إلى مواقف مفتوحة تعرقل الحركة وتؤخر الناس عن أعمالهم ومواعيدهم.

من المزة إلى التجارة وباب توما وأبو رمانة والبرامكة وصولاً إلى الميدان وأحياء المدينة القديمة، يتكرر المشهد ذاته: سيارات مصطفة على الجانبين، أرصفة مشغولة بالكامل، ومسارات مرورية تضيق حتى تكاد تختفي،

وفي ظل هذا الواقع، يصبح الوقوف في أماكن غير مخصصة خياراً شبه حتمي، ما يفاقم الازدحام ويعمّق أزمة مرورية تبدو بلا حلول قريبة.

معاناة يومية وتداعيات تتجاوز المرور

ويقول سامر رحال، وهو موظف، إن الوقت الذي يقضيه يومياً في البحث عن موقف تحول من تفصيل ثانوي، إلى جزء من دوام العمل نفسه، مضيفاً أن العثور على مكان لركن السيارة بات أحياناً أكثر صعوبة من الوصول إلى مكان العمل.

الصورة ذاتها يصفها الطبيب سمير العجان في منطقة المجتهد، حيث يحتاج لأكثر من نصف ساعة يومياً للعثور على موقف، ما يضطره في كثير من الأحيان إلى ركن سيارته بعيداً عن منزله وعيادته، مع ما يرافق ذلك من إضاعة للوقت وزيادة في الأعباء اليومية.

ولا تقتصر تداعيات المشكلة على السائقين فقط، إذ يشير ماجد فلاحة، صاحب محل ألبسة في سوق الصالحية، إلى أن صعوبة إيجاد مواقف باتت تؤثر على الحركة التجارية، حيث يتردد العديد من الزبائن في التوجه إلى الأسواق، سواء بسبب عدم توفر أماكن للوقوف أو لارتفاع تكلفتها،

كما أن الأرصفة في معظم الشوارع لم تعد متاحة للمشاة، ما يجبرهم على السير في الطرقات وتعريض حياتهم للخطر.

وفي مواجهة هذا الواقع، اتجهت محافظة دمشق خلال السنوات الماضية إلى تنظيم الوقوف عبر المواقف المدفوعة، بهدف الحد من العشوائية وتحسين استخدام المساحات المتاحة،

إلا أن هذه الإجراءات لم تنجح، بحسب عدد من المواطنين، في تخفيف الأزمة، وعلى العكس أضافت عبئاً مالياً جديداً دون حل جذري لنقص المواقف.

المواقف الخاصة.. تنظيم أم تمييز؟

ووسط هذه الأزمة، يفرض ملف المواقف الخاصة نفسه كأحد أكثر الجوانب إثارة للجدل، إذ تتيح محافظة دمشق منح تراخيص لإشغال أجزاء من الشوارع أمام المنازل أو المنشآت، مقابل رسوم سنوية وتحت عنوان تنظيم الاستخدام ومنع التعديات،

غير أن هذا التنظيم، في مدينة تعاني أصلاً من نقص حاد في أماكن الوقوف، يعني عملياً اقتطاع مساحات عامة وتحويلها إلى استخدام خاص.

ورغم ذلك، يتزايد الإقبال على هذه المواقف باعتبارها حلاً شبه مضمون في ظل صعوبة العثور على مكان شاغر، إلا أن هذا النظام يفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بالعدالة في منح التراخيص، وحدود أحقية استخدام الفضاء العام، وما إذا كانت بعض هذه المواقف تحولت فعلياً إلى امتياز لفئات قادرة على تحمّل تكلفتها.

وتوضح تجربة محمد الصاحب، الذي حصل على موقف خاص في حارة الشريبيشات بمنطقة القنوات، جانباً من هذا الواقع، إذ يقول إن الحصول على الترخيص استغرق أشهراً من المتابعة وإجراءات متعددة، شملت تقديم وثائق الملكية والسيارة وإجراء كشف ميداني قبل الموافقة النهائية.

ويضيف أن المسار لم يكن سهلاً، سواء من حيث طول الإجراءات أو من حيث الكلفة المرتفعة التي تجاوزت 8 ملايين ليرة سنوياً، ما يجعل هذا الخيار بعيداً عن متناول شريحة واسعة من المواطنين،

ويعزز الانطباع بأن المواقف الخاصة، رغم طابعها التنظيمي، قد تسهم في تعميق الفجوة في الوصول إلى المساحات العامة بدل حل الأزمة.

التخطيط وتحديات البنية التحتية

ترى المختصة في تخطيط المدن، المهندسة مي حسن، أن أزمة المواقف في دمشق ليست طارئة، فهي نتيجة مباشرة لسنوات من النمو غير المتوازن بين أعداد السيارات والبنية التحتية، مشيرة إلى أن الحلول التقليدية لم تعد قادرة على مواكبة هذا الواقع.

وتوضح في حديثها لصحيفة “الثورة السورية” أن الزيادة الكبيرة في المركبات، مقابل غياب التخطيط الاستراتيجي، دفعت المدينة إلى حالة من الفوضى المرورية، حيث لم تعد الشوارع القديمة الضيقة قادرة على استيعاب هذا الحجم من الحركة.

وتضيف أن محدودية المرائب المخصصة أدت عملياً إلى تحويل الشوارع إلى ساحات انتظار مفتوحة، ما ينعكس على انسيابية السير ويخلق اختناقات يومية، إذ يضطر السائقون لقضاء وقت طويل في البحث عن مواقف، بينما تتحول بعض الأحياء إلى مساحات ضيقة يصعب المرور فيها.

وبحسب حسن، فإن الاكتفاء بإنشاء مرائب سطحية لم يعد حلاً كافياً، في ظل هذا النمو المتسارع، ما يستدعي التوجه نحو مشاريع أكثر كفاءة مثل المرائب متعددة الطوابق أو تحت الأرض، رغم ما تتطلبه من استثمارات كبيرة ورؤية طويلة الأمد.

وتشدد على أن معالجة الأزمة لا تقتصر على زيادة عدد المواقف، وتتطلب إعادة النظر في أنماط التنقل داخل المدينة، من خلال تعزيز الاعتماد على النقل العام، إلى جانب تحديث المخططات العمرانية وتبني حلول ذكية لإدارة المواقف في المواقع الأكثر ضغطاً.

رؤية متكاملة لتطوير النقل والمرائب

يقرّ المعنيون في محافظة دمشق بوجود تحديات حقيقية تتعلق بأزمة مواقف السيارات، إلا أنهم يشيرون في الوقت ذاته إلى أن معالجتها تتطلب وقتاً وإمكانات كبيرة، وتؤكد المحافظة أنها تعمل ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى تطوير منظومة النقل الحضري والتخفيف من الازدحام المروري.

وفي هذا الإطار، أوضح مدير هندسة النقل والمرور في المحافظة، المهندس ياسر بستوني، أن هناك دراسات قائمة لإنشاء مرائب عامة جديدة في مواقع استراتيجية داخل دمشق،

بما في ذلك مرائب متعددة الطوابق في المناطق ذات الكثافة العالية والاختناقات المرورية، وذلك ضمن مشاريع مطروحة حالياً للاستثمار، من دون تحديد برامج زمنية نهائية لإنجازها.

وبيّن بستوني أن الخطط تتضمن أيضاً تنفيذ مواقف عامة مرقمنة ومرائب حديثة في عدد من المناطق الحيوية، خاصة في مراكز النشاط التجاري ومواقع الضغط المروري،

لافتاً إلى أن من بين المواقع قيد الدراسة مناطق أسفل “حديقة الطلائع” في الفحامة وأسفل حديقة المدفع، بالتوازي مع استكمال الدراسات الفنية اللازمة قبل تحديد مواعيد التنفيذ.

كما أشار إلى توجه المحافظة نحو تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في تنفيذ مشاريع المرائب الاستثمارية، لما لذلك من دور في تسريع الإنجاز وتخفيف الأعباء عن الموازنة العامة، إلى جانب رفع كفاءة الإدارة والتشغيل.

وأكد أن تطوير النقل العام يشكل محوراً أساسياً في معالجة الازدحام، حيث يجري العمل على تحسين خدمات النقل الداخلي وتحديث الأسطول، إلى جانب دراسة مشاريع استراتيجية مستقبلية، من بينها مترو الأنفاق، بما يوفر بدائل فعالة لاستخدام السيارات الخاصة.

وأضاف أن المحافظة تولي اهتماماً متزايداً بتطبيق أنظمة المواقف الذكية المعتمدة على التقنيات الحديثة، بما في ذلك التطبيقات الإلكترونية ووسائل الدفع الرقمي، مع التوجه لتطبيقها تدريجياً في عدد من المناطق كنماذج أولية.

وفيما يتعلق بالمواقف الخاصة أمام المنازل والمحال، أوضح بستوني أن منحها يتم وفق ضوابط قانونية محددة، تشمل تقديم طلبات رسمية واستكمال الموافقات المطلوبة وتسديد الرسوم المقررة حسب طبيعة الاستخدام، مع فرض رقابة دورية لضمان عدم استغلالها أو تأجيرها بشكل مخالف،

مشيراً إلى أن الجهات المعنية تتابع الالتزام باستخدام هذه المواقف وفق الأنظمة، وتتخذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفات.

وختم بالتأكيد على أن تعديل الرسوم يأتي في إطار تنظيم استخدام المواقف وتحقيق إدارة أكثر كفاءة للطلب، إضافة إلى المساهمة في تغطية التكاليف المرتفعة المرتبطة بتجهيز وتشغيل هذه المرافق.

وفي ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها كثافة المركبات وطبيعة البنية العمرانية، تبدو معالجة أزمة المواقف في دمشق مساراً تدريجياً يتطلب تكامل الجهود بين التخطيط والتنفيذ، إلى جانب تطوير النقل العام واعتماد حلول حديثة،

ومع استمرار العمل على المشاريع والدراسات المطروحة، فإن الآمال معلقة على ترجمة هذه الخطط إلى نتائج ملموسة تسهم في تخفيف الضغط المروري وتحسين واقع الحياة اليومية في المدينة.

الثورة السورية

Exit mobile version