مدينة حلب.. نقطة الانعطاف التي سرعت انهيار نظام الأسد

شكّلت سيطرة إدارة العمليات العسكرية على مدينة حلب شمالي سورية، في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، منعطفاً استراتيجياً في مسار معركة “ردع العدوان”، إذ أصبحت المدينة قاعدة انطلاق أساسية نحو استعادة كامل المناطق التي كانت خاضعة لنظام بشار الأسد.

وتمّت السيطرة على حلب من دون مقاومة تُذكر من قوات نظام الأسد والمليشيات المسلحة التي انهارت سريعاً، ما أتاح للفصائل توسيع الهجوم جنوباً نحو حماة ثم حمص وصولاً إلى العاصمة دمشق، لتنتهي حقبة آل الأسد خلال أحد عشر يوماً فقط من القتال.

وفي اليوم الثالث من عملية “ردع العدوان” قبل عام واحد، بدأت الفصائل السورية الدخول إلى مدينة حلب كبرى مدن الشمال وعاصمة البلاد الاقتصادية، بعد معارك ضارية في ريفها الغربي استنزفت قوات النظام البائد وأجبرتها على الفرار.

واسترعى ما جرى في حلب اهتمام وسائل الإعلام في أغلب دول العالم، فبدأت بعرض مشاهد تغلغل مقاتلي المعارضة في شوارع المدينة الأقدم في العالم وأحيائها من دون إطلاق رصاصة، وبذلك خرجت مدينة حلب بكل أحيائها عن سيطرة النظام البائد للمرة الأولى في تاريخ الصراع.

وسيطر مقاتلو المعارضة في ذلك اليوم على قلعة حلب والجامع الأموي، وعلى مبنى المحافظة والقصر البلدي ومقر قيادة الشرطة، وفرضوا حظر تجوّل لحماية المدنيين الذين استقبلوا طلائع المقاتلين بترحاب واسع.

واستكملت فصائل المعارضة في اليومين الرابع والخامس من “ردع العدوان” (30 نوفمبر/ تشرين الثاني والأول من ديسمبر/ كانون الأول 2025) عمليات السيطرة على كامل مدينة حلب التي تضم أكبر وأهم المدارس والأكاديميات العسكرية وأكثرها تحصيناً.

ووسّعت الفصائل دائرة السيطرة حول حلب، فسيطرت على مطار كويرس الحربي والكلية الجوية فيه، وعلى معامل الدفاع في منطقة السفيرة (جنوب غربي)، وعلى جبل حزان الاستراتيجي الذي ظل لسنوات قاعدة للمليشيات الإيرانية وحزب الله اللبناني.

كذلك صدّت الفصائل هجوماً لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي حاولت استغلال حالة الفوضى للسيطرة على مواقع مهمة في محيط حلب، مثل المطار المدني. وما زال حيّا الشيخ مقصود والأشرفية داخل المدينة تحت سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية.

وارتكب النظام البائد مجزرته الأخيرة في مدينة حلب بعد انهيار قواته، إذ قتل أكثر من 60 مدنياً بقصف جوي استهدف تجمعاً للمحتفلين بالتحرير في ما كان يُعرف بـ”دوّار الباسل” في 30 نوفمبر 2024.

وكانت السيطرة على حلب بداية انعطافة كبرى، ليس في مسيرة “ردع العدوان”، بل في مسار الثورة السورية برمتها، إذ طمأنت إدارة العمليات الأهالي، ومنعت أي عمليات سلب أو نهب أو قتل، بل وزعت الخبز مجاناً على السكان، ما بدّد المخاوف من عمليات انتقامية بحق مؤيدي النظام البائد.

وعملت إدارة العمليات على تحييد المليشيات المحلية التابعة للنظام قبل بدء العملية، وفق ما كشف لاحقاً قياديون شاركوا في التخطيط، وهو ما أسهم في تجنّب إراقة الدماء.

ووفق مصادر مطّلعة على سير العملية، جرى قبل شهر منها الاتفاق مع “لواء الباقر”، الذي يضم نحو 3 آلاف مقاتل محلي كانوا يساندون النظام البائد، على تسهيل دخول مقاتلي المعارضة إلى حلب، والقتال معهم ضد قوات النظام، وهو ما حدث فعلاً.

أهمية حلب بالنسبة إلى سورية

وتحظى حلب بأهمية استثنائية في سورية، فهي كبرى المحافظات من حيث عدد السكان، وعاصمتها الاقتصادية، وتتمركز فيها عشرات الصناعات والمعامل. وكانت فصائل المعارضة قد سيطرت على أحياء داخلها لسنوات قبل أن تضطر إلى الخروج بفعل القصف والحصار أواخر عام 2016.

وشهدت المدينة ومحيطها معارك كبرى خلال سنوات الصراع، خصوصاً مع المليشيات الإيرانية، ومنها معركة خان طومان مطلع 2016، التي قُتل وأصيب فيها آلاف من قوات النظام والمليشيات الإيرانية. وفي منتصف العام ذاته اندلعت معركة “الكليات” داخل حلب، لكن القصف الجوي أجبر الفصائل على التراجع.

ويشرح المحلل العسكري العميد عبد الله الأسعد أهمية السيطرة على حلب بالقول إن المدينة كانت “حصينة جداً ومحاطة بالقوى العسكرية الأكثر تأثيراً لدى النظام البائد والمليشيات التابعة له”.

ويضيف في حديث لـ”العربي الجديد” أنّ تحرير حلب “فتح الباب أمام توسيع الهجوم والوصول إلى دمشق لإسقاط النظام بشكل كامل”. ويشير إلى أنّ انخفاض معنويات قوات النظام والمليشيات الإيرانية إلى الحدّ الأدنى عجّل بقرار التقدّم جنوباً نحو حماة.

بدوره، يرى الخبير الأمني والعسكري ضياء قدور أنّ السيطرة على حلب بهذه السرعة “كانت السبب الرئيسي لانهيار قوات النظام البائد في عموم البلاد”.

ويضيف أنّ تحرير حلب اكتسب رمزية عالية لأنها عُرضت سابقاً كعنوان “نصر” للنظام عام 2016، وأن استعادتها شكّلت دافعاً معنوياً للسوريين، ومقدمة لانهيار النظام بعد أيام قليلة.

تحديات أمام حلب

واليوم، يقول عمار العليوي (موظف حكومي) إنّ “الحياة عادت إلى مدينة حلب”، مؤكداً أن الوضع الأمني داخل المدينة “ممتاز”، وأن الخدمات والمواصلات والحركة في الأسواق “تشير إلى دوران عجلة الاقتصاد”. ويضيف أن أحياء كاملة لا تزال مدمّرة وتنتظر إعادة الإعمار.

وبحسب معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب (UNITAR) في مارس/ آذار 2019، شهدت محافظة حلب أكبر نسبة دمار في سورية، إذ تضم 4,773 مبنى مدمّراً كلياً، و14,680 مبنى مدمّراً بشكل بالغ، و16,269 مبنى مدمّراً جزئياً، ليصل العدد الإجمالي إلى 35,722 مبنى متضرراً.

من جانبها، قالت سعاد خ. لـ”العربي الجديد” إنّ “البعض خاف من دخول الفصائل، لكن ما جرى كان معاكساً تماماً”،

مشيرة إلى حرص الفصائل على حماية المدنيين والمرافق الحيوية. ودعت إلى إعطاء المدينة “الاهتمام الذي تستحقه”، معتبرة أن “نهوض حلب اقتصادياً يعني نهوض سورية كلها”.

العربي الجديد- محمد أمين

Exit mobile version