في مشهد يعكس واقعاً معيشياً يومياً، يجلس حسام الحلبي، موظف في وزارة الصحة وأب لخمسة أولاد، في بداية كل شهر لإجراء حسابه بالورقة والقلم.
ما يقارب نصف راتب الحلبي وراتب زوجته التي تعمل معلمة، يذهب لإيجار منزله في ريف دمشق وفق ما أوضح لـ “الثورة السورية”، ثم إلى فواتير الكهرباء والماء التي قنّنها كثيراً لتصبح نحو خمسمئة ألف ليرة، ثم تكاليف دراسة الأولاد في المدارس العامة.
أما المعلم توفيق قصاب، فيوضح في حديثه لـ “الثورة السورية” بأن عمله وابنه الذي يعمل في محل معجنات، يدر دخلاً يصل إلى مليونين وسبعمئة ألف ليرة، ويقول: “نتشارك في مصروف المنزل لتأمين النفقات كاملة من إيجار البيت، وفواتير الكهرباء والماء، ثم التعليم والمأكل وأخيراً الملبس، والأهم تأمين الإيجار كي لا نصبح في الشارع”.
بدورها سناء المقداد، أرملة وأمٌّ لثلاثة أطفال، تعمل نهاراً معلمة في المدرسة وليلاً في الدروس الخصوصية لتأمين إيجار المنزل والبالغ 850 ألف ليرة واحتياجات أسرتها، وفي حديثها لـ “الثورة السورية” تقول: “في أغلب الأحيان يكون الراتب أقل من المصروف، فأستدين من إخوتي، وكل شهر يختلف عن الآخر”.
الإيجار أولاً
تؤكد الأخصائية الاجتماعية رشا النجار في حديثها لـ “الثورة السورية” أن الأسرة السورية لم تعد تنظر إلى دخلها الشهري كوسيلة لتنظيم الحياة، بل كأداة لإدارة أزمة مفتوحة. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، أصبحت الأولويات محصورة في ثلاثة عناوين: الإيجار، الفواتير، والطعام. وبين هذه العناصر تدور معركة يومية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
توضح النجار أن الجزء الأكبر من الدخل يذهب لتأمين السكن باعتباره الحاجز أمام الانكشاف الكامل، ومرادفاً للأمان نفسه. بعده الفواتير، ثم الطعام الذي يبقى أكثر الاحتياجات إلحاحاً لكنه أيضاً الأكثر عرضة للتقليص، والأسرة تجبر شهرياً على قرارات قاسية: هل تدفع كامل الإيجار؟ هل تؤجل بعض الفواتير؟ هل تقلص الإنفاق على الغذاء؟ أسئلة أصبحت روتيناً يومياً.
ضمن هذا المشهد، لا تبدو أولويات الأسرة السورية نابعة من خيارات حرة، بل من ضرورات تفرضها الظروف، بحيث يكون السكن يسبق الراحة، والفواتير تسبق التخطيط، وتصبح الحياة اليومية قائمة على إدارة النقص، لا على بناء الاستقرار، بحسب النجار.
دخل محدود أمام النفقات
يرى المختص في الشأن الاقتصادي هشام الميداني في حديثه لـ “الثورة السورية” أن المشكلة ليست فقط في ارتفاع الأسعار، بل تعدتها لتوسيع الفجوة بين الدخل الفعلي وتكاليف الحياة الأساسية.
فالأسر السورية تعيش حالة من إعادة تعريف الأولويات القسرية بحسب الميداني، حيث لم يعد الإنفاق نحو تحسين مستوى المعيشة، بل نحو منع التدهور، بحيث لم تعد الأسرة تخطط شهرياً أو سنوياً، بل تدير دخلها بمنطق يومي، لأن أي خلل صغير قد ينعكس مباشرة على الغذاء أو السكن.
ويوضح الميداني أن الإيجار يفرض نفسه أولاً لعدم قابليته للتأجيل في معظم الحالات، مقابل قدرة الأسر على تقنين استهلاك الكهرباء والماء أو تأخير بعض المدفوعات، بينما يبقى الطعام المساحة الأوسع للتقشف.
هذا الواقع وفق الميداني يغير نمط الاستهلاك، بحيث تستبدل العائلات المواد الغذائية الأعلى قيمة ببدائل أرخص، وتخفض التنوع الغذائي، وتعيد ترتيب الوجبات وفق منطق الكلفة لا الحاجة الصحية .
ويحذر الميداني من أن هذا التكيف، وإن بدا وسيلة مؤقتة للنجاة، يحمل آثاراً بعيدة المدى، خاصة أن الأسر التي تستنزف في تأمين الأساسيات تفقد قدرتها على الإدخار أو التعليم أو العلاج أو مواجهة أي طارئ، ليتحول الواقع إلى هشاشة اقتصادية عامة تضرب بنية الأسرة واستقرارها.
وفي هذا السياق تخلص النجار إلى أن ما تواجهه الأسرة السورية اليوم يتجاوز مسألة الغلاء أو ضعف الدخل، ليصل إلى تغير عميق في معنى الأمان نفسه، الذي لم يعد مرتبطاً بإمكانية التطور أو الإدخار.
تغير شكل العلاقات داخل الأسرة
لا تنعكس الضائقة المعيشية على مستوى الاستهلاك فقط، بل تطال طبيعة العلاقات الأسرية، فحين تتحول كل فاتورة إلى مصدر قلق، وكل وجبة إلى عملية حسابية، يصبح التوتر حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية بحسب الأخصائي الاجتماعي أيمن الزعين في حديثه لـ “الثورة السورية”.
والعائلات التي تعيش تحت ضغط اقتصادي مزمن بحسب الزعين تكون أكثر عرضة للانفعال والتوتر والصمت المشحون، والأهل يشعرون بتقصير دائم تجاه أطفالهم، حتى لو كانوا يبذلون أقصى جهدهم.
أما الأطفال يلتقطون هذه الضغوط بطرق مختلفة، منها الحرمان المتكرر، سماع النقاشات حول المصروف، أو ملاحظة التغيرات المفاجئة في نمط الحياة، وكلها تهز شعور الطفل بالأمان، وبالأخص حين تضطر الأسرة لتقليص الترفيه أو الأنشطة التعليمية الإضافية أو المناسبات الاجتماعية، مما يضعف الروابط ويزيد العزلة.
وأخطر ما في هذا التحول، بحسب الزعين، هو “تطبيع الأزمة”، بحيث ” أن تعتاد الأسرة على العيش تحت ضغط دائم حتى يصبح القلق جزءاً طبيعياً من الحياة، وهذا الاعتياد ليس تكيفاً صحياً، لأنه استنزاف صامت يترك أثراً تراكمياً”.
تعيد العائلة السورية تعريف الأمان ليكون مجرد عبور الشهر دون انهيار مالي، ومع تطبيع الأزمة وتحول القلق إلى رفيق يومي، تظل الخسائر الأعمق غير مرئية وفي مقدمتها استنزاف الصحة النفسية، وتآكل العلاقات الأسرية، وفقدان القدرة على الصمود أمام أي طارئ.
الثورة السورية- ميساء العجي
