كم خسرت سوريا من موارد الشمال الشرقي؟

في عام 2011، بلغ إنتاج منطقة الجزيرة السورية من القمح نحو 2.1 مليون طن، أي ما يعادل 55 في المئة من إجمالي إنتاج سوريا، ووصل إنتاج القطن إلى نحو 520 ألف طن، أي نحو 77 في المئة من الإنتاج الوطني في ذلك العام.

وتعد منطقة الجزيرة السورية درة تاج الاقتصاد السوري؛ فهي سلة الغذاء للبلاد، وترتكز فيها موارد النفط والغاز، ويمر فيها أكبر الأنهار في البلاد، ناهيك عن الموارد البشرية التي تضم أكثر من 1.5 مليون نسمة في كل من محافظتي الحسكة ودير الزور.

وبعد المعارك ضد تنظيم “داعش”، سيطر تنظيم “قسد” على موارد البلاد والعباد، وأصبحت هذه المقدرات بيد فئة قليلة حرمت السوريين منها على مدار عقد كامل.

واليوم تحاول الدولة السورية استثمار هذه الموارد باعتبارها حقا سياديا وطنيا لكل الشعب السوري، تكفله كل القوانين والمواثيق الدولية، خاصة بعد تحرير البلاد في 8 كانون الأول 2024.

إن المواقف السياسية لتنظيم “قسد”، وتأخيره تنفيذ اتفاق العاشر من آذار، أديا إلى تأثيرات سياسية وخسائر كبيرة للدولة الوطنية، وقدرت بمليارات الدولارات، في وقت تحاول فيه الحكومة السورية بناء اقتصاد متهالك، ودفع عجلة إعادة الإعمار، وتوزيع الثروات على أفراد الشعب على مبدأ العدالة والمساواة.

وكالة “رويترز” نقلت عن مسؤولين عراقيين قولهم إن قيادات في تنظيم “قسد” قامت قبل أيام بنقل مبالغ مالية كبيرة تقدر بملايين الدولارات باتجاه إقليم كردستان العراق، عبر شاحنات كانت مخصصة لنقل المساعدات الإنسانية القادمة من كردستان العراق، حيث استخدمت تلك القوافل غطاء لعملية النقل، وفقا لما أفاد به المسؤولون.

وبعد عام من تعنت تنظيم “قسد” وتأجيل تطبيق الاتفاقات مع الدولة السورية، يحق للسوريين التساؤل حول كم حرمت الدولة من مواردها وثرواتها الوطنية في الشمال الشرقي من البلاد؟

ما هي الثروات الوطنية في الشمال الشرقي لسوريا؟

تعد الجزيرة السورية منطقة استراتيجية بفضل تركز موارد النفط والغاز فيها بنسبة تقارب 90 في المئة من مجمل ثروة سوريا النفطية، عبر حقول رئيسية مثل رميلان والسويدية في الحسكة، والعمر والتنك في دير الزور،

إضافة إلى احتياطات غازية كبيرة تمثل نحو 58 في المئة من احتياطي البلاد، بما في ذلك حقل “كونوكو” الذي كان ينتج 13 مليون متر مكعب يوميا قبل أن يتوقف عن العمل منذ عقد من الزمن.

وبحسب الإحصاءات الرسمية والأرقام الموثقة، تقدر الاحتياطيات المؤكدة من النفط في سوريا بنحو 2.5 مليار برميل، ومن الغاز بنحو 240 مليار متر مكعب.

وقد بلغ إنتاج النفط قبل عام 2011 نحو 385 ألف برميل يوميا، يصدر منه نحو 180 ألف برميل، فيما وصل إنتاج الغاز الطبيعي إلى 30 مليون متر مكعب يوميا. وقد ساهم قطاعا النفط والغاز عام 2010 بنحو 35 في المئة من عائدات التصدير و20 في المئة من الإيرادات.

كما تعد الجزيرة أغنى المناطق السورية مائيا، باحتضانها نهري الفرات ودجلة وروافدهما، فضلا عن امتلاكها ثروات معدنية مثل الملح الصخري العالي النقاوة.

وكذلك الأمر زراعيا، إذ تشكل الجزيرة العمود الفقري للأمن الغذائي السوري، فقد كانت تنتج قبل عام 2011 أكثر من نصف إنتاج القمح ونحو ثلثي إنتاج القطن، إلى جانب الشعير والذرة والبقوليات.

وتدعم هذه القاعدة الزراعية ثروة حيوانية واسعة تمثل ما بين 36 في المئة و41 في المئة من القطيع السوري، خصوصا الأغنام.

ويعمل معظم سكان المنطقة في الزراعة والرعي، مع حضور محدود لقطاع النفط والصناعات الغذائية والحرفية التي اشتهرت بإنتاج مشتقات الحليب والصوف والجلود، كما لعبت المدن الحدودية، مثل القامشلي، دورا مهما في التجارة وتبادل السلع.

أما على مستوى المشاريع الكبرى، فتبرز بعد مشاريع استخراج النفط والغاز منشأة سد الفرات (الطبقة)، أكبر منشأة كهرومائية في سوريا، والتي شكلت ركيزة للطاقة والري، إذ توفر الكهرباء والري لمساحات واسعة من شمال البلاد وشرقها،

إضافة إلى مشاريع زراعية تاريخية، فضلا عن أهمية التحكم بالمعابر الحدودية وشبكات النقل وسكك الحديد التي ربطت الجزيرة بحلب والعراق وتركيا، وما يتيحه ذلك من تأثير مباشر في حركة التجارة والإمدادات.

لقد عمل تنظيم “قسد” على الاستئثار بالموارد الطبيعية والثروات الوطنية التي هي ملك لكل السوريين، واستغل هذه الموارد في تحقيق أجندات خارجية غير وطنية.

وفي هذا السياق يقول الباحث والمحلل السياسي وائل علوان في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: “إنه للأسف، ما تزال سياسات تيار نافذ في “قسد”، من حيث القصد والممارسة، بعيدة كل البعد عن الإطار الوطني،

ويتجلى ذلك سواء فيما نقل عن مسؤولين عراقيين بشأن تهريب أموال كبيرة إلى خارج سوريا، أو فيما قام به هذا التيار خلال الأيام القليلة الماضية من تفريغ المؤسسات الحكومية في مدينتي الحسكة والقامشلي من الأثاث والمفروشات وكافة محتوياتها، وبيعها في الأسواق”.

ويضيف: “أن هذه الممارسات تعكس بوضوح تغليب المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية، وتكشف عن غياب نية صادقة لدى تيار نافذ داخل “قسد” للاندماج الحقيقي في مشروع بناء سوريا الجديدة”.

الثروات الوطنية حق سيادي

يعتبر القرار رقم 1803 لعام 1962 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الأساس القانوني لمبدأ السيادة الدائمة للدولة على الموارد الطبيعية، وهو من المبادئ الدولية المتفرعة عن حق تقرير المصير.

ولقد أولت المنظمات الدولية أهمية لا يستهان بها لهذا المبدأ، فأصدرت الجمعية العامة العديد من القرارات، وكذلك مجلس الأمن، تنص على وجوب تطبيق هذا المبدأ، وأن من حق كافة الدول تطبيقه على إقليمها دون تدخل من أي قوى خارجية. ويعتبر هذا المبدأ ذا أهمية اقتصادية مؤثرة على اقتصاد الدول ومكانتها على المستوى الدولي.

ويرى المحللون السياسيون أنه من الضروري تكاتف المجتمع الدولي لضمان تطبيق مبدأ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية في كافة الدول، كبيرها وصغيرها، النامية منها والمتقدمة، ومراعاة لمبدأ المساواة في السيادة بين الدول، وضرورة تطبيق متطلبات تفعيل الحماية الدولية لهذا المبدأ.

لذلك انطلقت الدولة السورية أولا من مبدأ الحق السيادي لإدارة مواردها التي كفلها القانون الدولي، وثانيا من الواجب الوطني الذي يمليه عليها ضرورة الاستفادة منها في دعم اقتصادها الوطني وتمكين كل الشعب السوري من حقه في الثروات، بعيدا عن سياسة الإقراض المرهقة للاقتصاد والمتحكمة بالقرار السياسي.

وفي سوريا ترى السياسة الوطنية القائمة ضرورة الابتعاد عن القروض الخارجية، خاصة أنها تملك ثروات وطنية كبيرة ولها حق سيادي فيها، بوصف ذلك بديلا عن الديون الخارجية،

ولا سيما أن شروط الديون تتأثر بطول فترة سداد الدين، والظروف الدولية التي تتم فيها هذه الديون، وبالسمعة الاقتصادية للدولة المقترضة، والتي تسمى الجدارة الائتمانية، وقدرتها على السداد في المستقبل.

وهذه الجهات إما أن تكون الحكومات أو مؤسسات تمويل إقليمية أو دولية أو بنوكا تجارية. ففي حالة القروض من الحكومات تتوقف الشروط على طبيعة العلاقة بين حكومة الدولة المقترضة والدولة المقرضة، وطبيعة المصالح الاقتصادية والسياسية بينهما، وفي الغالب تدور الشروط حول سعر الفائدة وآجال السداد والضمانات وفترات السماح،

ويمكن أن تمتد لتشمل ربط القروض باستيراد منتجات معينة من الدولة الدائنة، أو نقل هذه الواردات على سفنها، أو قصر تنفيذ المشروعات التي تمولها هذه القروض على شركات الدولة المقرضة.

أما في حالة المؤسسات الإقليمية والدولية فإن الشروط تتفاوت، ومن أشهر هذه المؤسسات البنك الدولي الذي يشترط أن تكون القروض لتمويل مشروعات التعمير والتنمية في الدولة المدينة، وأن تكون للحكومات أو للجهات التابعة لها أو لجهات تضمنها الدولة، كما يشترط ألا يكون للدولة مصدر آخر للتمويل.

أما في حالة البنوك التجارية فإن الشروط تتركز على سعر الفائدة والضمانات التي يقدمها المدين لهذه البنوك.

ومع كل تلك التعقيدات ترى الدولة السورية ضرورة استرجاع ثرواتها تحت إدارتها المباشرة مهما كلف الثمن، والذي يبقى أقل من الاقتراض الخارجي.

وحول هذا الأمر يرى الباحث علوان أن “السياسة الوطنية تقوم على رفض القروض الخارجية، لأن سوريا لا ترغب في الوقوع تحت ابتزاز سياسات الإدانة وما يرافقها من ضغوط وتدخلات خارجية، وهي تعتمد في المقابل على قدرات سوريا الذاتية وما يمتلكه السوريون من إمكانات في وطنهم، حتى وإن تطلب ذلك وقتا أطول”.

ويضيف بالقول: “لذلك إن الملف الاقتصادي ملف سيادي بامتياز، ولا سيما في هذه المرحلة الحساسة التي تحتاج فيها سوريا إلى مواردها الوطنية لإعادة تحريك عجلة الاقتصاد، وتحسين مستوى الخدمات، والانتقال إلى مرحلة التعافي ثم البناء”.

التأثيرات الاقتصادية 

بعد معارك خاطفة خاضها الجيش العربي السوري في كانون الثاني ضد تنظيم “قسد”، تبعها وساطات دولية وإقليمية أسفرت عن إعلان وقف لإطلاق النار واتفاق يقضي بدمج التنظيم بشكل كامل في مؤسسات الدولة السورية.

وهذه التحولات أنهت سنوات من سيطرة “قسد” على الثروات الوطنية السورية في منطقة الجزيرة، وهو تحول كبير في إدارة الموارد الطبيعية لسوريا.

حيث أشارت تقديرات البنك الدولي إلى أن قوات “قسد” كانت تسيطر على نحو 80 في المئة إلى 90 في المئة من إنتاج النفط في سوريا خلال الفترة الماضية. وفي المقابل، لم يكن تحت يد الدولة سوى حقول صغيرة متناثرة توفر جزءا ضئيلا من الإنتاج.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قبل أسابيع قد أشار في مقابلة تم حجبها من قبل قناة “شمس” الكردية إلى أن الدولة تكبدت خلال العام الماضي وحده خسائر تقدر بنحو 20 مليار دولار، نتيجة مواقف تنظيم “قسد” ورفضه السماح للدولة ببسط سلطتها على مناطق شمال شرق سوريا.

وأكد الرئيس الشرع أن فقدان الدولة السيطرة على شمال شرق سوريا، الذي يضم معظم الثروات الاستراتيجية للبلاد، كلف الخزينة خسائر سنوية جسيمة. موضحا أن هذه المنطقة كانت تمثل العمود الفقري للاقتصاد السوري من حيث القمح والنفط والغاز والكهرباء والزراعة.

وأشار إلى أن سوريا كانت تحقق فوائض كبيرة في القمح والنفط والطاقة قبل تراجع الإنتاج، وأن تعطيل الاستثمار وإعادة التشغيل حرم الدولة من إيرادات كان يمكن أن تتجاوز 20 مليار دولار سنويا.

وشدد على أن تعنت تنظيم “قسد” ورفضه تمكين الدولة من إدارة الموارد أدى إلى تراجع الإنتاج واضطرار سوريا إلى استيراد القمح والغاز رغم توفرهما محليا،

في وقت يحصل فيه التنظيم على مليارات الدولارات من النفط والدعم الخارجي دون انعكاس إيجابي على الاقتصاد. وأكد تمسكه بالحل التفاوضي وإدارة الدولة لهذه الموارد بوصفه المدخل الحقيقي لإعادة الإعمار.

وفي هذا السياق يقول الباحث علوان: “إن عدم تنفيذ اتفاق العاشر من آذار 2025 أدخل المنطقة في دائرة صدام عسكري كانت بغنى عنها،

وفي الوقت نفسه كان هذا التيار يحتكر موارد وطنية ويوظفها في مسارات غير وطنية، الأمر الذي ألحق ضررا بالبلاد ككل، ولا شك أن للثروات الوطنية بعدا سياديا، ومن المفترض أن تنعكس فوائدها على كامل الأراضي السورية”.

ويضيف: “من المتوقع، بعد عودة جزء كبير من الثروات الوطنية إلى إدارة الحكومة السورية، أن تبدأ مرحلة التعافي الاقتصادي والخدمي على المستوى الحكومي.

غير أن هذا المسار يتطلب جهدا كبيرا ووقتا طويلا، نظرا لأن هذه الثروات تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة وخدمات واسعة، نتيجة الإهمال المتراكم على مدى سنوات طويلة.

وعليه، قد نكون بحاجة إلى قدر أكبر من الصبر، إلا أن المسار سيتجه، بكل تأكيد، نحو التعافي الاقتصادي واستعادة سوريا قدرتها على النهوض مجددا”.

الثورة السورية – علي إسماعيل

Exit mobile version