قلعة الكوكو في الزبداني.. موقع دفاعي عبر العصور

على تلٍ مرتفع إلى الغرب من مدينة الزبداني بريف دمشق، وعلى مسافة تقارب 2 كيلومتر منها، تتربع قلعة الكوكو كأحد الشواهد الأثرية التي تختزن في طبقاتها تحولات تاريخية متعددة،

وتفتح باباً لقراءة دقيقة تجمع بين المعطيات الأثرية والتأويل العلمي الحذر.

وتحمل القلعة دلالات لغوية وتاريخية، إذ يُرجّح أن اسمها مشتق من اللفظ اليوناني (Kokkos) بمعنى “الحبة” أو “البذرة”، وهو ما يعكس، على الأرجح، صلة بالمحيط الزراعي الذي نشأ فيه الموقع.

معبد أم موقع دفاعي

وفي هذا السياق، أوضح رئيس قسم التاريخ في جامعة دمشق، الدكتور عمار محمد النهار، في تصريح لـ سانا أن الشواهد المعمارية المتبقية تشير إلى أن الموقع لم يُنشأ في الأصل كقلعة عسكرية، بل كان أقرب إلى مركز ديني محلي يعود إلى الفترة الهلنستية أو الرومانية.

وبيّن النهار أن بقايا الأعمدة الحجرية والقواعد المعمارية، إضافة إلى النقوش اليونانية المنتشرة على بعض الكتل، تدل على وجود معبد أو فضاء تعبّدي، ارتبط على الأرجح بالبيئة الزراعية المحيطة،

خاصة مع وجود معاصر زيت وعنب منحوتة في الصخر، وهي عناصر ترتبط عادة بالاقتصاد الريفي في تلك المرحلة.

ولفت إلى أن هذا الاستنتاج يبقى ضمن إطار الترجيح العلمي، في ظل غياب نصوص صريحة تحدد طبيعة العبادة أو اسم الإله، محذراً من التسرع في الانتقال من المعطيات الأثرية إلى التأويلات غير الدقيقة.

من العبادة إلى الدفاع والذاكرة الجنائزية

وأشار النهار إلى أن الموقع شهد تحولاً وظيفياً مع مرور الزمن، حيث أعيد استخدامه في العصر البيزنطي كموقع دفاعي أو نقطة مراقبة، مستفيداً من موقعه المرتفع وإشرافه على الطرق الحيوية،

وهي ظاهرة معروفة في تاريخ بلاد الشام، حيث جرى توظيف مواقع دينية قديمة في أغراض عسكرية دون الحاجة إلى إعادة بناء كاملة.

وبيّن أن المغارات الصخرية التي تضم قبوراً متعددة تكشف عن بُعد جنائزي للموقع، ما يدل على وجود استيطان بشري ارتبط به في مراحل مختلفة،

الأمر الذي يعكس تعددية وظيفية تجمع بين الديني والاقتصادي والجنائزي والعسكري، في نموذج مصغّر لتحولات المكان في التاريخ السوري.

وفيما يتعلق بالنقوش اليونانية، أكد النهار أنها تمثل مادة علمية غنية، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة، إذ إن بعض التفسيرات المتداولة تفتقر إلى الأساس العلمي،

وتخلط بين الأسماء الشخصية والتأويلات الأسطورية، مشدداً على ضرورة دراستها وفق منهج إبغرافي (علم النقوش) قبل ربطها بأي دلالات تاريخية.

كما أشار النهار إلى أن اسم الزبداني بصيغته القديمة “Zabadon” أو “Zabadoni” يعكس تداخلاً لغوياً وثقافياً، يُرجّح أن يكون ذا أصل سامي (آرامي) جرى نقله إلى اليونانية، وهو ما يعبّر عن طبيعة المنطقة كمجال تلاقت فيه الحضارات وتداخلت فيه اللغات.

ولفت النهار إلى أن الموقع تعرّض خلال العقود الأخيرة لأضرار نتيجة الحرب والعمليات العسكرية، ما أدى إلى فقدان أجزاء من معالمه،

إلا أن ما تبقى منه لا يزال كافياً لتقديم صورة عن تاريخه وتحولاته، من مركز ديني محتمل إلى موقع دفاعي، وصولاً إلى شاهد أثري يحتاج إلى مزيد من الدراسة العلمية الدقيقة.

وتبقى قلعة الكوكو مثالاً حياً على تحولات المكان في سوريا عبر العصور، حيث تتراكم طبقاته التاريخية وتُعاد صياغتها ضمن سياقات جديدة.

سانا

Exit mobile version