فج معلولا.. مقصد سياحي يروي تاريخ المكان وروحانيته‏

في قلب جبال القلمون، وعلى بعد 56 كيلومتراً من العاصمة دمشق، تقع بلدة معلولا التي حملت اسمها الآرامي “المدخل” نسبة إلى فجها الشهير،

والسير في هذا الفج ليس مجرد نزهة بين صخرتين شاهقتين، بل هو رحلة روحية وثقافية وطبيعية متكاملة، يستشعر فيها الزوار عراقة التاريخ، ويتنفسون هواءً نقياً على ارتفاع يتراوح بين 1500 و1600 متر فوق سطح البحر.

‏معلولا ليست مجرد بلدة أثرية، بل هي واحدة من ثلاث بلدات في العالم لا تزال تتحدث اللغة الآرامية، لغة السيد المسيح، إلى جانب جبعدين وبخعة (أو الصرخة)، وهنا يحكي كل حجر قصة، وكل زاوية تهمس بأسرار عمرها آلاف السنين.

معلولا.. سحر المكان

‏فج معلولا، يُعد من أبرز المواقع السياحية والمقاصد التراثية والطبيعية في ريف دمشق، والتي تعكس غنى المنطقة التاريخي والحضاري،

وفق مابيّنه مدير سياحة ريف دمشق محمد القاسم لـ سانا، قائلاً: “أهمية هذه المواقع ليست في قيمتها الأثرية فحسب، بل تشكّل أيضاً عنصر جذب سياحي متنامٍ، لما تتميز به من طبيعة فريدة وتجربة ثقافية وروحية مميزة للزوار”.

‏‏وأضاف القاسم: “يشهد الفج إقبالاً ملحوظاً من السياح والزوار، لما يوفره من فرصة لاكتشاف التاريخ القديم والاستمتاع بمناظر طبيعية خلابة لا تُضاهى”،

لافتاً إلى أن المديرية تعمل بشكل مستمر على تطوير وتحسين الخدمات المقدّمة في المواقع السياحية، بالتعاون والتنسيق مع محافظة ريف دمشق والوحدات الإدارية.

صخور تحكي ملايين السنين ومياه تنحت الممر

‏إضافة إلى القيمة الثرية والسياحية، يحمل فج معلولا أيضاً دلالةً جيولوجيةً تعود إلى ملايين السنين، إذ تنتمي صخوره إلى عصرَي الإيوسين والأوليغوسين، اللذين يمتدان بين 56 و23 مليون سنة،

قبل أن تشهد المنطقة نهوضاً خلال عصر الميوسين بين 23 و5 ملايين سنة، وتتابع تشكلها عبر تصدعات لاحقة، حسب أستاذ الجغرافيا الطبيعية الدكتور غزوان سلوم. ‏

‏وأوضح سلوم أن الصدوع والتخلعات التي أصابت جبهة الجرف الصخري أسهمت في تشكل مجارٍ مائية ارتبطت بهذه الصدوع، وهو ما يظهر بوضوح في فج معلولا، وفي فصل الشتاء تجري المياه داخل الفج،

وتصب فيه أيضاً مسيلات جانبية، كما توجد فيه ينابيع ماء دائمة، منها نبع يجاور حافته اليسرى باتجاه الدير، وآخر تحت الممر، تستقي منه البلدة كلها. ‏

‏‏وفقاً لسلوم، يمتد الفج لمسافة تقارب 300 متر، ويتراوح عمقه بين 20 و30 متراً، لكن عرضه ليس ثابتاً، إذ يتسع وسطياً لنحو 4 أمتار فقط، ما عدا منطقة “المشنقة”، حيث يصل العرض إلى 50 متراً،

وما يضفي على المكان طابعاً سياحياً فريداً هو تلويه الحاد أحياناً، بحيث يختفي المار به عن أنظار من خلفه، وكأن الأرض تطويه ثم تلفظه من جديد، ما يخلق مغامرة بصرية للزوار.

‏‏‌‌‏نوّهَ سلوم، إلى جذور الاستيطان البشري في منطقة القلمون تمتد إلى العصر الحجري الأوسط (منذ 250 ألفاً إلى 300 ألف سنة)، حيث سكن إنسان نياندرتال الكهوف ونحتها، ثم تلاه الإنسان الكرومانيون منذ نحو 30 ألف سنة،

ومنذ ذلك الحين، تعاقبت على المنطقة الحضارات من: الأكادية، الآرامية، اليونانية، الرومانية، ثم الإسلامية، لتظل المنطقة أيقونة تاريخية حية في كنف جبال القلمون.

‏وتقع معلولا المعروفة بكنائسها وآثارها القديمة ومغاراتها المحفورة في الصخر في منطقة القلمون الجبلية على طريق استراتيجي يربط لبنان بدمشق، ويعود تاريخها إلى العصور الأولى للمسيحية.

سانا

Exit mobile version