اشتهرت سورية على مر تاريخها الكروي بتزوير أعمار لاعبيها في منتخبات الفئات العمرية (الناشئين والشباب والأولمبي) وذلك لتحقيق إنجازات قارية أو عالمية، تسمح للمسؤولين عن تسيير شؤون كرة القدم بتلميع صورتهم أمام القيادتين الرياضية والسياسية.
وقد خلدت بعض من هذه الإنجازات لاعبين عديدين في ذاكرة الملايين، كجيل ذهبي تم التعويل عليه لاحقاً لتحقيق إنجازات مماثلة على مستوى منتخب الرجال، أو لقيادة دفة كرة القدم السورية (إدارياً وفنياً).
ولعل عملية التزوير هذه هي ما تفسر النتائج المميزة التي حققتها بعض المنتخبات السورية في بطولات كأس آسيا وكأس العالم للناشئين والشباب، في الوقت الذي كان يعجز فيه المنتخب الأول الذي ضم اللاعبين نفسهم في وقت لاحق من التأهل إلى كأس آسيا أو كأس العالم أو تحقيق أية إنجازات عربية أو إقليمية تذكر.
اللافت أن هذا الملف بقي التعامل معه سرّياً وممنوعاً من التداول في وسائل الإعلام، خشية التعرض للعقوبات الدولية، لكن اعتزال بعض اللاعبين المشهورين وترشح البعض الآخر لتولي مناصب قيادية والشهادة الدراسية للبعض كشف لاحقاً الأعمار الحقيقية للاعبين الذين مثلوا سورية في منتخبات الفئات العمرية.
ولعل قصة اللاعب عمار عوض تعتبر الأشهر، كونه فضل المشاركة مع منتخب سورية في كأس العالم للشباب 1991 على امتحانات السنة الخامسة في طب الأسنان، وهي مرحلة دراسية لا يمكن أن يصلها لاعب في سن العشرين عاماً.
كما أن الاعتزال التاريخي للاعب محمد عفش عام 2005 عن عمر يناهز 40 عاماً، وتوليه منصب رئيس نادي أهلي حلب لاحقاً كشف مواليده الحقيقية التي شارك بها مونديالياً، في حين أن تولي حاتم الغايب لمنصب رئيس الاتحاد السوري لكرة القدم عام 2020 كان كفيلاً أيضاً بكشف حقيقة (عمره) الذي شارك فيه بكأس العالم 1991.
تجربة التزوير الأولى
قبل عام 1988 لم تكن هناك أية مشاركات خارجية للمنتخبات السورية على مستوى الفئات العمرية، باستثناء مشاركة واحدة في كأس آسيا عام 1975 انتهت عند أعتاب الدور الأول.
بعد 13 عاماً، قرر المسؤولون عن كرة القدم السورية فتح باب المشاركة مجدّداً من خلال منتخب الشباب تحت 18 عاماً في نسخة قطر 1988، والتي بدأت من خلالها حكاية الإنجازات السورية (الخلبية) على المستوى القاري،
حيث نجح منتخب سورية المدعم بعدد من اللاعبين الذين تم تزوير أعمارهم في بلوغ المباراة النهائية والتي خسرها أمام العراق بركلات الترجيح، ليتأهل بعدها من خلال ملحق استضافته مدينة حلب إلى نهائيات كأس العالم في السعودية.
كانت تلك المرّة الأولى التي يبلغ فيها أحد المنتخبات السورية بطولة عالمية بهذا الحجم، لذا فقد كان من الضروري الظهور بمظهر جيد وعدم تكبد خسائر ثقيلة، لذا فقد تم وبالتنسيق مع وزارة الداخلية إصدار جوازات سفر دبلوماسية (تعرف باسم جوازات المهمة) والتي تُسترد فور الوصول إلى سورية،
علماً أن التنسيق يجري مع وزارة الداخلية من أجل إصدار هذه الجوازات وفق شهادات ميلاد معدّلة أو مزورة من أجل ضمان تسجيل بعض اللاعبين في البطولة ممن تجاوزوا الفئة العمرية المنصوص عليها.
في ذلك الحين، كان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يعتمد على الوثائق الورقية الصادرة من بلدان وحكومات المنتخبات المشاركة، ولم يكن هناك فحص طبي أو شعاعي للعظام وما شابه للتأكد من أعمار اللاعبين.
شهدت تلك النسخة مشاركة عدد من اللاعبين الذين تجاوزوا السن القانونية للبطولة: (18 عاماً) مثل: هشام خلف (22 عاماً)، عمار حبيب (20 عاماً)، عبد المسيح دونا (22 عاماً)، رضوان عجم (23 عاماً)، محمد عفش (23 عاماً)، عمار عوض (20 عاماً)، ياسر السباعي (20 عاماً)، عبد اللطيف الحلو (20 عاماً)، وغيرهم.
واللافت أن بعضاً من هؤلاء تجاوز السن المحددة للبطولة بأكثر من ثلاث سنوات.
فضيحة مونديال البرتغال 1991
بالرغم من أن عملية تزوير الأعمار طاولت أكثر من نصف لاعبي منتخب سورية للشباب في مونديال (السعودية 1989) إلا أن الفريق لم يتمكن من تجاوز عتبة الدور الأول،
الأمر الذي لم يترك ضجة كبيرة آنذاك. بعد عامين استفاد منتخب سورية الذي حل ثالثاً في كأس آسيا، من الاتفاق الذي جرى بين الكوريتين (الشمالية والجنوبية) على المشاركة بمنتخب واحد في كأس العالم 1991 في البرتغال، ليظفر ببطاقة تأهل إلى النهائيات للمرة الثانية في تاريخه،
وحينها أراد المسؤولون في اتحاد الكرة تعويض خيبة المشاركة المونديالية الأولى فكان تزوير الأعمار بشكل فاضح وأكبر، وانعكس ذلك في أرض الملعب بنتائج استثنائية بعد الفوز على الأوروغواي (1-0) والتعادل مع إنكلترا (3-3) وإسبانيا (0-0) ليتأهل منتخب سورية إلى الدور ربع النهائي من المونديال ويخرج بفارق ركلات الترجيح أمام أستراليا.
وفي بطولة اعتمد فيها مواليد 1971 وما فوق (أي ما دون 20 عاماً) ضم منتخب سورية عدة لاعبين كانوا يعتبرون من فئة الرجال (لم تكن فئة الأولمبي تحت 23 سنة مدرجة آنذاك)،
وفي مقدمتهم: محمد عفش (25 سنة) حاتم الغايب (24 سنة) عساف خليفة (23 سنة) عمار عوض (23 سنة) عبد اللطيف الحلو (22 سنة) ياسر السباعي (22 سنة).
العقوبة والإنذار الأخير
لم يغب التزوير عن بطولة آسيا 1994 رغم التغيير الذي طرأ على رأس الهرم الكروي في سورية، فالفكرة واحدة ولا تموت.
وعلى الرغم من أن التزوير لم يكن بنفس الكم الذي كان موجوداً سابقاً إلا أنه لعب دوراً مهماً في تفوق منتخب سورية للشباب على المستوى القارّي وإحرازه للقب كأس آسيا على حساب منتخب اليابان في المباراة النهائية، ومن أبرز اللاعبين الذين تم تزوير أعمارهم عبر جوازات السفر: حسان عباس، عبد القادر الرفاعي، خالد الظاهر وغيرهم.
واستمر العمل في تزوير اللاعبين حتى بلغ مداه في عام 2007 عندما جرى تزوير 15 لاعباً بتاريخ الميلاد، وهو الأول من يناير/ كانون الثاني 1996، وقد نشرت صحيفة الرياضية السورية آنذاك تقريراً مفصلاً عن هذه الفضيحة التي كشفت كما ذكر الصحافي غانم محمد عن يوم تاريخي للبلاد عرف ولادة 15 موهبة كروية في يوم واحد.
في كأس العالم للناشئين 2007 في كوريا الجنوبية كانت بداية النهاية لعصر التزوير (بطريقته المعهودة) بعدما كشف الاتحاد الدولي لكرة القدم عن تزوير أربعة لاعبين في ذلك الحين،
حيث تم ترحيل اللاعبين الأربعة وإيقاع عقوبة مالية كبيرة بحق الاتحاد السوري لكرة القدم مع توجيه إنذار نهائي بحرمان منتخباته من المشاركة في البطولات القارّية والدولية إن تكررت حالات التزوير.
نتائج مخجلة بلا تزوير
بحسب دراسة استقصائية أجراها مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود OCCRP وشريكه الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية (سراج) فإن أكثر من 40 لاعباً تم استثمارهم في المنتخبات السورية بأعمار مزيفة،
لكن منذ أن تلقى الاتحاد السوري لكرة القدم تهديداً واضحاً بتجميد مشاركات منتخباته، بات تزوير أعمار اللاعبين أمراً محفوفاً بالمخاطر، مع الإشارة إلى أن ذلك لا يعني أن (تزوير الأعمار) قد توقف،
ولكن أصبح التزوير يعتمد تغيير ميلاد اللاعب ببضعة أشهر أو سنة واحدة على الأقل، أو الاعتماد على اللاعبين (المكتومين) أي الذين تأخر تسجيلهم في (سجلات النفوس) في الدولة السورية لبضعة أعوام، وذلك ضمن بعض العادات والتقاليد الموجودة في الأرياف السورية.
وبحسب السجلات، تمكّن منتخب سورية للناشئين من بلوغ كأس آسيا أربع مرّات فقط، كان آخرها عام 2014، من دون أن يحقق ما هو أفضل من التأهل إلى نصف نهائي نسخة 2014 وهو الإنجاز الذي مكّنه من التأهل إلى كأس العالم في تشيلي 2015.
أما منتخب سورية للشباب فقد تأهل إلى كأس آسيا خمس مرات منذ عام 2008، تمكّن في مناسبة واحدة فقط من تجاوز دور المجموعات، علماً أنه لم يحقق أي انتصار في آخر تسع مباريات خاضها في النهائيات الآسيوية.
العربي الجديد- مازن الهندي
