سوريو ألمانيا… المحاكم تعج بآلاف طعون اللجوء

عاد الجدل السياسي في ألمانيا بشأن  عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم إلى الواجهة بعدما تراجع النقاش حوله بتأثير أحداث الساحل السوري والاضطرابات الأمنية التي شهدتها محافظة السويداء.

جاء ذلك في وقت تنتهج وزارة الداخلية الاتحادية مساراً أكثر تقييداً للهجرة بهدف تسهيل عودة اللاجئين إلى سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، تنفيذاً لاتفاق الائتلاف الحاكم، ومن أجل دعم تنفيذ الولايات هذه العملية عبر تقديم حوافز للاجئين من أجل العودة طوعاً.

وأفادت معلومات بأن السلطات جددت إقامات سوريين حتى مارس/ آذار المقبل، وطالبتهم بالمغادرة بعد هذه المهلة. وأكد المستشار فريدريش ميرز موقفه من مستقبل اللاجئين السوريين الذين فروا من وطنهم خلال الحرب وطلبوا الحماية في ألمانيا،

والمتمثل في أن غالبيتهم يجب أن يعودوا إلى بلدهم بعدما انتهت الحرب الأهلية، وبات وطنهم يحتاج إلى وجودهم، في مقابل منح من اندمجوا جيداً في ألمانيا فرصة للبقاء، وأيضاً أولئك المعرضين للاضطهاد السياسي أو الديني.

وقال خبير الشؤون الداخلية في الحزب المسيحي الديمقراطي ألكسندر ثروم، لصحيفة “بيلد” أخيراً، إن “إرهاب نظام الأسد السبب الأساسي لهروب السوريين من بلدهم، وقد زال، ما يعني أنه يجب أن يعودوا، وينطبق ذلك أولاً على الموجودين في ألمانيا منذ فترة قصيرة، أو من لم يندمجوا في المجتمع. أنا مقتنع بفائدة إبقاء من اندمجوا وباتوا يؤمنون سبل عيشهم بالكامل لأنفسهم ولعائلاتهم، ولهؤلاء آفاق واعدة في ألمانيا”.

وفي سياق تشجيع المغادرة الطوعية للسوريين من خلال تقديم حوافز لهم، اعتبر رئيس هيئة الرقابة البرلمانية في الحزب مارك هنريشمان، في حديثه مع “بيلد” أيضاً، أن الحافز الاقتصادي للبقاء في ألمانيا يجب ألا يتفوق على الاهتمام بالمساهمة في إعادة إعمار سورية.

وشدد على “أهمية المساعدة في استقرار الوضع في سورية والتعاون في القضايا الأمنية، كي نستطيع إخبار الناس براحة ضمير بأنه يمكن أن يغادروا”.

وكشف استطلاع للرأي أجرته القناة الأولى الألمانية حول موقف المواطنين من عودة السوريين، أن 52% من المشاركين أيدوا العودة السريعة لمن لم يندمجوا جيداً، في حين دعا 25% منهم إلى عودة السوريين سريعاً إلى بلدهم بغض النظر عن مستوى اندماجهم، وعارض 13% عودتهم في الوقت الحالي، وأبدى 4% المعارضة الكاملة لإعادتهم.

وفي خضم المواقف المتعددة، تبرز تساؤلات ومخاوف لسوريين مقيمين عن حال عدم اليقين الذي يكتنف المرحلة الانتقالية.

يقول المهاجر من حمص، عبد المولى محفوظ لـ”العربي الجديد”: “أريد العودة لكن عوائق كثيرة تمنع ذلك حالياً. منزلي مدمّر ولا أملك المال لترميمه، كما أن أسس العيش الكريم لا تزال غير متوفرة في حمص، ومهنتي في ميكانيك السيارات تحتم علي الانتظار حتى يتحسّن الوضع الاقتصادي في سورية، وأرغب في زيارة سورية اذا سمحت ألمانيا لحاملي إقامات اللجوء بالسفر، علماً أنني لم أحصل على الجنسية الألمانية بعد”.

من جهته، لا يريد الممرض المهاجر من حلب، وهيب كريم، العودة لأنه يتطلع إلى تأمين مستقبل أفضل لأولاده، ويقول لـ”العربي الجديد”: “حتى لو عدت الى وطني لا يمكن أن أحصل على أجر جيد، كما يصعب أن أتكيّف مع أوضاع غير مريحة يفرضها مرور البلاد في مرحلة تأسيسية على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية”. 

ويقول اللاجئ علاء خاطر الذي وصل إلى ألمانيا عام 2022 لـ”العربي الجديد”: “لا أفكر بالعودة رغم أنني حصلت فقط على حق الحماية الثانوية في ألمانيا، وعلّقت السلطات أخيراً إجراءات لمّ شمل أسرتي. أتحدر من باب توما، أحد الأحياء المسيحية في العاصمة دمشق، وأخشى التضييق على حياتي وحريتي في ظل السلطة الجديدة”.

وتفيد مؤسسة “فريدريش ايبرت” بأن 99.7% من طالبي اللجوء السوريين الذين وصلوا في عام 2015 حصلوا على الحماية بموجب اتفاقية جنيف للاجئين، لكن بحلول النصف الأول من العام الماضي مُنح 77% من طالبي اللجوء حق الحماية الفرعية فقط، أي أن صاحب هذا الحق يجب أن يجدد وضع الحماية خلال فترات زمنية قصيرة، كما يمكن أن يلغى هذا الحق في حال تبدل وضع التهديد في سورية. 

وتشير عضو مجلس إدارة منظمة الرؤية العالمية الألمانية، جانين ليتماير، والتي زارت سورية في أغسطس/ آب الماضي، إلى أن “الوضع الطبيعي النسبي في دمشق يتناقض تماماً مع المشاكل الرئيسية في أجزاء أخرى من البلاد، ما يصعّب عودة لاجئين إلى مدنهم الأصلية. هناك تساؤلات جوهرية حول خيارات السكن والمدارس والعمل والكهرباء والمياه، وواقع الحذر من الذخائر غير المنفجرة في مناطق شبه مدمّرة، ويجعل كل ذلك التحركات محفوفة بالمخاطر”.

ويرى متابعون أن عودة اللاجئين السوريين من ألمانيا في مرحلة التحوّل التي تشهدها بلدهم حالياً ستتسبب في تداعيات سلبية نتيجة استمرار العنف في بعض المحافظات، وضعف الاقتصاد، وتردي البنى التحتية والقطاع الطبي، مع غياب فرص العمل، و

بالتالي ستكون تداعيات اعتماد فكرة عشوائية للعودة سلبية، وتقوّض الجهود المبذولة من الدول ومنظمات الإغاثة لدعم العودة، علماً أن عمليات العودة الواسعة قد تؤدي إلى نشوء توترات بسبب عدم القدرة على توفير المساعدات الإنسانية الكافية، وقد يحرم الموجودون أو الذين عادوا من دول مجاورة من الدعم.

وفي مقابل انخفاض عدد اللاجئين الوافدين إلى ألمانيا ارتفع عدد الطعون المتعلقة بقضايا اللجوء. وأورد تقرير لشبكة “إيه آر دي” الإخبارية أنه يندر أن تستطيع ولاية اتحادية البت في الطعون خلال ستة أشهر، رغم أن المحاكم الإدارية تعمل بكل طاقتها.

وأفادت مجلة القضاة الألمان بأن المحاكم الإدارية تلقت بحلول يونيو/ حزيران الماضي 76,646 دعوى جديدة، ما فاق عدد دعاوى عام 2023 بكامله (71,885 طعناً). والعام الماضي، وصل عدد الطعون إلى 100,949 بحسب أرقام وفرتها الوزرات المعنية. 

وكشفت إحصاءات أخرى أن نحو 22,000 سوري عادوا إلى وطنهم حتى سبتمبر/ أيلول الماضي. وأورد تحقيق أجرته شبكة “إيه آر دي” أن 995 شخصاً استفادوا هذا العام من فرصة الحصول على دعم مالي ضمن برنامج العودة الذي يدفع منحة بقيمة 1000 يورو للشخص، وحتى 4000 يورو للعائلة، وبدل سفر 200 يورو للبالغين، و100 يورو للقصر، كما يغطي نفقات السفر والتأمين الصحي عند الحاجة.

في المقابل، يواصل السوريون التوافد إلى ألمانيا. وقدم 19,210 أشخاص طلبات لجوء لدى المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين بين يناير/ كانون الثاني وسبتمبر/ أيلول الماضيين،

علماً أن السلطات لم تتخذ منذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي أي قرار في شأن طلبات لجوء السوريين بشكل عام، باستثناء بعض الحالات تعلقت بمسؤولية دولة أوروبية عن إجراءات اللجوء. ولا يزال القرار معلقاً في شأن 53,187 طلب لجوء لسوريين.

العربي الجديد- شادي عاكوم

Exit mobile version