رأس العين.. من وفرة الينابيع إلى ذاكرةٍ تختصر تاريخ الحضارات

تقف مدينة رأس العين، شمال محافظة الحسكة وعلى الحدود السورية التركية، شاهدةً على تاريخ طويل من الازدهار والتحولات، حيث اجتمعت وفرة المياه مع تنوع النسيج الاجتماعي، لتصنع مدينةً كانت يوماً من أغنى مناطق الجزيرة السورية بالينابيع والعيون.

لم تكن رأس العين مجرد مدينة حدودية، بل شكّلت عبر العصور نقطة جذبٍ للحضارات، بفضل موقعها الاستراتيجي وغناها المائي، إذ ينبع منها نهر الخابور، وتنتشر في محيطها مئات الينابيع التي طالما تغنّى بها المؤرخون.

وذكر ياقوت الحموي في كتابه “معجم البلدان” صفاء مياهها، مشيراً إلى أن الخليفة المتوكل العباسي نثر فيها عشرة آلاف درهم، فالتقطها أهل المدينة من قاع الماء دون أن يفقدوا منها شيئاً، فيما تؤكد دراسات الباحث الألماني ماكس فون أوبنهايم في أعماله حول موقع تل حلف، أهمية المنطقة كمركز حضاري قديم ارتبط بوفرة المياه واستقرار الإنسان.

حضارات متعاقبة يرويها اسم المدينة

لم تعبر الحضارات رأس العين مروراً عابراً، بل تركت بصماتها في اسمها وتاريخها، حيث عُرفت بأسماء عدة مثل: غوزانا، رش عينا، عين الوردة، وقطف الزهور، وكلها تعكس وفرة المياه وجمال الطبيعة، وهو ما تشير إليه أيضاً دراسات تاريخية حول منطقة الجزيرة السورية، منها أعمال الباحث جورج كونتينو المتخصص بتاريخ الحضارات السورية القديمة.

وشهدت المنطقة تعاقب حضارات كبرى، منها الحثيون والميتانيون والآشوريون والآراميون، وكان للحضارة الآشورية حضور بارز قبل أن تنهار على يد الدولة الفارسية.

ولا تزال آثار هذه الحضارات قائمة، وخاصة في منطقة تل حلف المجاورة، التي تُعد من أهم المواقع الأثرية في شمال سوريا، حيث عُثر فيها على تماثيل ومنازل وألواح رقمية توثق الحياة السياسية والثقافية في تلك العصور، كما ورد في تقارير التنقيبات الأثرية التي قادها أوبنهايم مطلع القرن العشرين.

كما ارتبطت تل حلف بالحضارة الحثية، إذ كانت لفترة طويلة مركزاً مهماً في المنطقة، في حين تعرضت المدينة لدمار متكرر نتيجة الحروب، ومنها ما أحدثه القائد الفارسي ماهان في عامي 578 و580 ميلادية، وفق ما تذكره المصادر التاريخية، ومنها دراسة “التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية” للباحث محمد جمال باروت.

رأس العين والفتوحات الإسلامية

يشير الأديب والروائي خلف الساير في تصريح لـ سانا، إلى أن مدينة رأس العين واجهت مقاومة شديدة خلال الفتوحات الإسلامية، موضحاً أنه في عام 17 هـ، توجه جيش المسلمين بقيادة عياض بن غنم لفتح الجزيرة، وتمكن من السيطرة على مدن عدة، مثل الرها وديار بكر، إلا أن رأس العين استعصت على الفتح بسبب تحصيناتها ومقاومة أهلها.

وأضاف: إن المدينة فُتحت في العام التالي (18 هـ)، عبر خطة عسكرية تشبه “حصان طروادة”، لتبقى بعدها مركزاً تجارياً مهماً ومحطة للقوافل في العصر العباسي، كما كانت مصيفاً للخليفة المتوكل.

وتنقلت المدينة بين حكم الأمويين والعباسيين والحمدانيين والأيوبيين، وتعرضت للاحتلال خلال حروب الفرنجة قبل تحريرها، ثم واجهت دماراً واسعاً خلال الغزو المغولي، حيث طال الخراب الحجر والبشر، ولم ينجُ منه إلا من احتمى بالجبال.

عيون الماء.. من الغزارة إلى الجفاف

لطالما عُرفت رأس العين بأنها “مدينة العيون”، إذ كان أهلها يتناقلون أن عدد ينابيعها يتراوح بين 360 و365 عيناً، بعدد أيام السنة، وكانت مياهها شديدة الصفاء.

ويعدد الساير عدداً من أبرز هذه الينابيع: عين الجاموس: من أهم مصادر تغذية نهر الخابور، عين بانوس وعين الفانوس: عميقتان صافيتان متلاصقتان، عين فوارة (المسبح الفرنسي)، عين الحصان جنوب المدينة، التي كانت أشبه ببحيرة عين الزرقا، عين الكبريت التي تفجرت عام 1962، وشكّلت أخدوداً بعمق تجاوز 140 متراً باتجاه الخابور.

لكن هذه الصورة لم تبقَ كما هي، إذ جفّت معظم هذه الينابيع، نتيجة الاستهلاك الجائر وموجات الجفاف، ولم يبقَ منها سوى آثار تشير إلى ما كانت عليه المدينة من وفرة مائية وفق الساير.

نسيج اجتماعي متنوع وتعايش مستمر

رغم ما مرّت به المدينة من تحولات، حافظت رأس العين على تنوعها الاجتماعي، حيث تضم أطيافاً متعددة دينياً وقومياً، حيث يؤكد الساير أن هذا التنوع شكّل نموذجاً للتعايش، حيث يعيش السكان ضمن بيئة قائمة على الاحترام المتبادل، مع احتفاظ كل مكوّن بعاداته وتقاليده.

وتبقى رأس العين، بكل ما حملته من حضاراتٍ وينابيع وتحوّلات، مدينةً تختصر حكاية المكان السوري… حيث يلتقي التاريخ بالحاضر، وتبقى الذاكرة حيّة حتى حين تجفّ المياه.

سانا

Exit mobile version