دور السينما الدمشقية… أبواب مغلقة في انتظار ما لا يأتي!

لم تعد دور السينما الدمشقية مجرّد أماكن لعرض الأفلام، بل تحوّلت إلى مؤشرات صامتة على تحوّل أعمق في البنية الثقافية والاقتصادية للمدينة.

ما كان يوماً فضاءً عاماً لإنتاج المعنى والتفاعل، أصبح اليوم محالّ تجارية ومطاعم ومقاهي، أو أبواباً مغلقة تنتظر مستثمراً لا يأتي.

سينما الأهرام تقدّم النموذج الأوضح على هذا التحوّل. قبل سقوط النظام، تحوّلت الصالة إلى معرض لبيع السجاد، لكن مع انفتاح الأسواق وغياب الضوابط على دخول البضائع إلى سورية، تغيّر دورها مجدداً لتصبح مولاً تجارياً.

أُزيلت الكراسي من الصالة الأرضية لتحلّ مكانها مطاعم للوجبات السريعة، فيما تحوّل الطابق العلوي، المعروف في الصالات السورية باسم البلكون (الشُّرفة)، إلى مساحة لبيع سلع مُعادة من منصات التجارة الإلكترونية تُطرح بأسعار مخفّضة.

هذا التحوّل لا يخص “الأهرام” وحدها. سينما الفردوس وسينما الأيام أغلقتا أبوابهما بعدما كانتا تستثمران، قبل سقوط النظام، في عرض أفلام قديمة وأحياناً حلقات من مسلسلات تركية.

الجمهور الذي كان يرتاد هذه الصالات، الواقعة غالباً في شوارع فرعية، لم يكن معنياً كثيراً بالمحتوى المعروض بقدر اهتمامه بوجود مساحة خاصة، ما جعل هذه الدور تُعرف شعبياً باسم سينما عشاق، أي أماكن تقصدها ثنائيات بحثاً عن مساحة آمنة بعيداً عن الرقابة الاجتماعية.

على مدخل سينما الزهراء، تتكدّس الإعلانات الخاصة بالمقهى الموجود في الطابق العلوي، بينما لا يزال إعلان قديم معلّقاً على الباب يشير إلى أن الصالة “مغلقة للصيانة”. إعلان لم يتغيّر منذ سنوات.

وبحسب معلومات حصلت عليها “العربي الجديد”، لا توجد أي عملية صيانة فعلية، لكن قدم المعدات وغياب مستثمر جاد أوقفا العرض السينمائي. الأمر نفسه ينطبق على سينما السفراء، التي تضم مقهى، وسينما ومسرح راميتا، وسينما أوغاريت، وكلها معلّقة خارج الزمن.

في مقابل هذا التراجع، لا تكاد توجد في دمشق اليوم سوى صالة واحدة يمكن للجمهور ارتيادها من دون “شبهة” اجتماعية تتعلق بسبب الذهاب إلى السينما، وهي سينما سيتي، التي أُنشئت على أنقاض سينما دمشق بعد إعادة تأهيلها. أما سينما الشام، الواقعة في فندق الشام ذي النجوم الخمس؛ فقد خرجت من الخدمة عام 2012، لأسباب قيل إنها أمنية، رغم حداثة تجهيزاتها.

يقول مالك إحدى الصالات المغلقة لـ”العربي الجديد” إن القانون السوري كان يمنع هدم دور السينما رغم القيمة الاستثمارية العالية لمواقعها، إذ يمكن تحويلها إلى مشاريع أكثر ربحية، مثل الفنادق.

يضيف: “كنا نفتح الأبواب رغم صعوبات التشغيل وقلة الجمهور، وحتى مع الاتهامات التي وُجهت إلينا بتسهيل أعمال دعارة، من دون أي دليل”. يشير إلى أن قرار الإغلاق جاء على أمل تعديل القوانين بما يسمح بإعادة استثمار العقارات، قائلاً: “من غير المنطقي أن أستمر في تشغيل صالة لا يأتيها سوى عدد محدود لمشاهدة فيلم قديم، من دون القدرة على تطويرها أو تحديثها”.

في سينما الكندي، تختلط العلامات القديمة بالجديدة. اللافتة التي تشير إلى أنها دار عرض لا تزال موجودة، تعلوها لافتة أكبر تشير إلى أن المكان أصبح مركزاً ثقافياً تابعاً لوزارة الأوقاف، من دون وضوح طبيعته. تعود ملكية هذه الصالة، مع مجموعة من المباني في شارع شيكاغو،

الذي سُمّي كذلك لكثرة المشاكل التي كانت تحدث فيه، إلى الأخوين اللبنانيين رينيه وروبرت صباغ، قبل أن تنتقل في ثمانينيات القرن الماضي إلى مديرية أوقاف دمشق، ضمن مجموعة عقارات تشمل أيضاً مقهى هافانا ومقهى الكمال.

لكن أهمية سينما الكندي تتجاوز الملكية؛ فكانت من أهم صالات العرض في دمشق، واستقبلت افتتاحات أفلام بارزة، واحتضنت طلاب دبلوم العلوم السينمائية حين لم يكن في سورية معهد متخصص، كما كانت مركزاً للنوادي السينمائية التي عرضت أفلاماً مختارة مجاناً للجمهور.

اليوم، لم يعد لهذا الجمهور مكان بديل. يقول طالب في المعهد العالي للفنون السينمائية لـ”العربي الجديد”: “إغلاق سينما الكندي يستهدف الذاكرة الجمعية للفن في سورية. لا يمكن بناء مستقبل للسينما من دون هذه الذاكرة”. يضيف أن الصالة يمكن أن تتحول إلى متحف أو فضاء ثقافي، بدلاً من تركها خارج الاستخدام.

ترى عميدة المعهد العالي للفنون السينمائية، ميسون علي، أن ما حدث يعكس تدهوراً شاملاً في بنية السينما السورية. تشير علي، في حديث إلى “العربي الجديد”، إلى أن سورية شهدت منذ مطلع القرن العشرين ازدهاراً في دور العرض بلغ ذروته في الأربعينيات والخمسينيات، قبل أن تبدأ مرحلة الانحدار بفعل الأزمات الاقتصادية، وتداعيات الحرب، والقوانين التي منعت استيراد الأفلام.

تقول إن معظم الصالات اليوم متوقفة أو مدمّرة أو تحوّلت إلى استخدامات أخرى، مثل سينما الأهرام والفردوس، وإن هذا الواقع يعكس وضع السينما في البلاد عموماً، باستثناء حالات محدودة مثل سينما سيتي وسينما الكندي، التي كانت مهددة بالإغلاق.

وتؤكد أن إعادة إحياء القطاع تتطلب ترميم الصالات، وتطوير الإنتاج، وإقامة المهرجانات، وتفعيل النوادي السينمائية، ودعم الجيل الجديد من السينمائيين، خصوصاً خريجي المعهد لعام 2025.

لا تقتصر الأزمة على دمشق. صالات الكندي التابعة للمؤسسة العامة للسينما تعاني تراجعاً مماثلاً في المحافظات. فقدت وزارة الثقافة صالة كندي حلب بحكم قضائي عام 1998، فيما سُلّمت صالة كندي حمص إلى مجلس المحافظة في عهد الوزيرة لبانة مشوح، وتحولت إلى صالة أفراح.

أما صالات دير الزور واللاذقية، فتعاني إهمالاً شديداً وتحتاج إلى ترميم عاجل، خصوصاً أن بعضها يقع في مناطق شهدت معارك خلال سنوات سيطرة داعش.

في عام 1962، بلغ عدد دور السينما في سورية نحو 120 داراً موزعة على المحافظات. اليوم، شهد هذا الرقم تراجعاً حاداً. مدن مثل الحسكة أصبحت بلا أي دار عرض منذ إغلاق سينما دمشق في التسعينيات، فيما تحوّلت سينما القاهرة إلى صالة أفراح قبل عام 2011.

حتى دمشق، التي كانت تضم 11 دار عرض قبل الحرب، لم يبقَ فيها عملياً سوى صالة واحدة تعمل بانتظام.

ما يحدث في دمشق يمثّل إعادة تشكيل للعلاقة بين المدينة وثقافتها. حين تتحوّل دور السينما إلى مطاعم أو متاجر، تختفي الشاشة، ويختفي معها فضاء عمومي كان يجمع الناس على تجربة مشتركة، وينتج معنى جماعياً خارج الاستهلاك.

السينما هنا ليست ضحية السوق وحده، ولا الحرب وحدها، بل أيضاً غياب رؤية ثقافية تعتبر هذه الأماكن جزءاً من البنية الرمزية للمدينة، لا مجرد أصول عقارية قابلة لإعادة التوظيف.

العربي الجديد- محمود عبد اللطيف

Exit mobile version