يعود اليوم دفء الحنين وجمالية المكان إلى حواري وبيوت دمشق القديمة، فتنهض أمجاد التاريخ وكأنها تتجسّد من جديد، وهي تتنفس هواء الحرية والأمل، مستعيدة حضورها في الذاكرة والمشهد معاً.
في قلب دمشق القديمة، وتحديداً في منطقة سوق البزورية، يتربّع خان أسعد باشا العظم كأحد أبرز المعالم التاريخية والأثرية في المدينة، شاهداً حياً على مرحلة ازدهرت فيها التجارة وحركة السفر خلال القرن الثامن عشر في دمشق ومنطقة بلاد الشام.
بُني الخان بين عامي 1751 و1752 بأمر الوالي أسعد باشا العظم، أحد أبرز حكّام دمشق في العهد العثماني، وابن عائلة العظم الشهيرة التي حكمت المدينة خلال تلك الحقبة.
كان سوق البزورية آنذاك مركزاً حيوياً لخدمة حركة القوافل والتجارة، التي امتدت من بغداد والموصل إلى حلب وبيروت، وصولاً إلى أهم مراكز الأسواق في المنطقة، ما منح الخان دوراً محورياً في ربط دمشق بشبكة تجارة واسعة أقليمياً.
يقول خريج الآثار والمتاحف والمرشد السياحي سمير الخلفة لـ “الثورة السورية”: “تبلغ مساحة الخان ما يقارب 2500 متراً مربعاً،
ويتكوّن من طابقين يحيطان بساحة مركزية واسعة، تنقسم إلى تسع وحدات مغطاة بقباب، ثماني منها صغيرة، وقبة مركزية كبيرة، تعكس مزيجاً راقياً من أسلوب العمارة العثمانية والفن الدمشقي الأصيل”.
ويضيف: “صُمّمت هذه القباب لتأمين الإضاءة والتهوية الطبيعيّة للمكان، عبر تنظيم الفضاءات المفتوحة والمظللة بما يتلاءم مع الظروف المناخية المختلفة، وهو ما يلحظه الزائر فور تجواله في أروقة الخان، إلى جانب النافورة والبحرة الرخامية في قلب الفناء، التي تشكّل عنصراً جمالياً ووظيفياً متقناً يميّز العمارة الدمشقية”.
وقد استُخدم الطابق الأرضي لاحتضان البضائع وتخزينها، فيما خُصّص الطابق العلوي لغرف الإقامة وإدارة العمليات التجارية، ما جعل الخان نقطة التقاء للتجّار والمسافرين على طرق التجارة الطويلة.
ويشير سمير الخلفة إلى أنه مع تحوّلات الزمن، توقّف الخان عن أداء وظيفته التجارية التقليدية في أوائل القرن العشرين، ليُستخدم لاحقاً على نطاق محدود في التخزين وبعض الصناعات الصغيرة.
واليوم، يستعيد خان أسعد باشا حضوره كموقع سياحي وثقافي بارز في دمشق، يستقبل الزائرين من مختلف الفئات،
ويحتضن فعاليات ومعارض فنية متنوعة، في محاولة لتوظيفه كفضاء ثقافي تراثي بروح جديدة، تعبّر عن حاجة السوريين إلى استعادة الذاكرة، وربط التراث بالواقع المعاصر.
الثورة السورية- صالح العويتي
