لم تعد مشاهد تراكم القمامة في أحياء مدينة حلب حالة طارئة أو ظرفاً استثنائياً، بل أصبحت خلال الفترة الأخيرة واقعاً يومياً يعيشه السكان،
في ظل تزايد الشكاوى من تراجع خدمات النظافة واتساع نطاق المكبات العشوائية داخل الأحياء السكنية، ما أدى إلى تصاعد حالة من الاستياء الشعبي ومطالبات بتحسين الواقع الخدمي بشكل عاجل.
وتنتشر أكوام النفايات في عدد من شوارع المدينة وأزقتها، لا سيما في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة والأحياء التي شهدت دماراً خلال سنوات الحرب، حيث تتكدس القمامة حول الحاويات وفي الساحات العامة وبين الأبنية السكنية،
وسط مخاوف متزايدة من تداعيات صحية وبيئية، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة واقتراب فصل الصيف، ما يساهم في انتشار الروائح الكريهة والحشرات والقوارض.
وبحسب رصد “العربي الجديد” فإن أزمة النظافة لم تعد محصورة في أطراف المدينة، بل باتت تمتد إلى أحياء مركزية ومكتظة، في مشهد يعكس ضغطاً متزايداً على البنية الخدمية في المدينة، التي تعاني أصلاً من تحديات متراكمة على مستوى الآليات والموارد البشرية.
“حلب تختنق”.. نحو حلول مستدامة لأزمة النفايات
أطلق ناشطون خلال الأيام الماضية حملة إلكترونية تحت عنوان “حلب تختنق”، عبّروا فيها عن استيائهم من الواقع الخدمي المتدهور،
مطالبين الجهات المعنية بوضع حلول عاجلة ومستدامة، بدل الاعتماد على حملات تنظيف مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة، على حد تعبيرهم. كذلك دعا بعضهم إلى محاسبة الجهات المسؤولة عن إدارة ملف النظافة في المدينة.
وقال أيهم جنيدي (37 عاماً) وهو من سكان حي الصاخور شرقي حلب لـ”العربي الجديد” إن الأزمة تتفاقم يومياً مع ازدياد عدد السكان وعودة المزيد من الأهالي إلى المدينة، ما أدى إلى ارتفاع كبير في كمية النفايات مقارنة بالقدرة الاستيعابية لفرق النظافة.
مضيفاً: “في بعض المناطق لا تكفي آليات الترحيل الحالية لتغطية الحاجة، ما يؤدي إلى تراكم القمامة لأيام، وتحولها إلى بؤر روائح كريهة وحشرات، خصوصاً في الصيف”،
مشيراً إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بضعف الترحيل، بل أيضاً بغياب الانتظام في جداول جمع القمامة، وغياب الحاويات الكافية في بعض الأحياء، إضافة إلى تضرر البنية التحتية في مناطق واسعة لم تؤهّل بشكل كامل بعد.
في المقابل، يعزو مجلس مدينة حلب جزءاً كبيراً من أسباب تدهور واقع النظافة إلى محدودية الإمكانات المتاحة.
وقال مدير المكتب الإعلامي في مجلس مدينة حلب عبد القادر عبد الحي لـ”العربي الجديد” إن قطاع النظافة يواجه تحديات كبيرة تتعلق بضعف الجاهزية الفنية لعدد من الآليات، إضافة إلى نقص حاد في عدد العمال مقارنة بحجم الاحتياج الفعلي.
موضحاً أن الزيادة الكبيرة في عدد السكان خلال الفترة الأخيرة، نتيجة عودة أعداد من الأهالي إلى المدينة شكّلت ضغطاً إضافياً على الخدمات العامة، لا سيما قطاع النظافة الذي لم يشهد توسعاً مماثلاً في الإمكانات أو الموارد.
وأضاف أن المجلس عمل خلال الفترة الماضية على تقديم طلبات لتوريد آليات جديدة لتعزيز قدرات مديرية النظافة، إلى جانب التوجه نحو إشراك القطاع الخاص عبر عقود مع متعهدين للمساعدة في تغطية النقص الحاصل في بعض المناطق.
مشيراً إلى أن هذه الإجراءات من المتوقع أن تساهم في تحسين تدريجي للواقع الخدمي خلال الفترة المقبلة، رغم أن النتائج لن تكون فورية بسبب حجم التراكمات الموجودة.
وفي ما يتعلق بالعوائق الميدانية، أوضح عبد الحي أن انتشار المكبات العشوائية وعدم التزام بعض السكان بمواعيد رمي النفايات يزيد من صعوبة عمل فرق النظافة، ويؤدي إلى عودة تراكم القمامة في بعض النقاط حتى بعد ترحيلها.
من جهته، يرى علي مؤذن، من سكان حي الميسر بحلب، أن المسؤولية يجب ألا تُلقى على طرف واحد، موضحاً أن بعض الأهالي لا يلتزمون بمواعيد رمي القمامة أو مكان وضعها،
كما أكد أن تحسين الوضع يتطلب خطة متكاملة تشمل زيادة عدد الآليات وتكثيف برامج الترحيل وتفعيل الرقابة على المكبات العشوائية إضافة إلى رفع مستوى التنسيق بين الجهات الخدمية والسكان.
في الوقت ذاته يؤكد عبد الرحمن سكرية، وهو من سكان حي الشعار، أن بعض الحاويات تبقى ممتلئة لفترات طويلة من دون تفريغ، ما يدفع الأهالي إلى وضع النفايات بجانبها، لتتحول لاحقاً إلى مكبات مفتوحة في الشوارع.
مؤكداً أن استمرار الأزمة بهذا الشكل قد يؤدي إلى تداعيات صحية متزايدة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، ما قد يفاقم انتشار الأمراض المرتبطة بالتلوث وضعف النظافة العامة.
مشيراً إلى ضرورة وضع خطط طويلة الأمد لإعادة تأهيل منظومة الخدمات، بدلاً من الاكتفاء بحلول إسعافية مؤقتة، مضيفاً أن تردي واقع النظافة بهذا الشكل بعد قرابة عام ونصف من سقوط النظام ليس له مبرر.
ومع استمرار الجدل الشعبي حول أداء الجهات الخدمية، يبقى ملف النظافة أحد أبرز التحديات اليومية التي تؤثر بشكل مباشر على حياة السكان في حلب، وسط ترقب لما إذا كانت الإجراءات المعلنة ستنعكس فعلياً على الأرض خلال الفترة المقبلة.
العربي الجديد- حسام رستم
