أعادت الوقفة الاحتجاجية التي شهدها حي الليرمون في مدينة حلب مؤخراً ملف الاستملاك القديم إلى الواجهة، وسط مطالبات بإيقاف الإجراءات الحالية وإعادة النظر بالتعويضات، بعد عقود من استملاك النظام المخلوع لأراضيهم دون حصولهم على تعويض عادل.
وشارك في الوقفة مئات الأشخاص من الليرمون وكفر حمرة، ممن يعيشون حالياً في المخيمات أو في منازل بالإيجار، في وقت بيعت فيه الأراضي التي كانت تعود لهم بأسعار مرتفعة ضمن مشاريع استثمارية، ما زاد من شعورهم بالغبن.
وتابعت “الثورة السورية” تفاصيل هذا الملف، والتقت عدداً من المتضررين، حيث أوضح أمجد محمد حمادة أن والده يمتلك 7000 متر “طابو أخضر” في حي الليرمون، جرى استملاكها منذ عام 1990، ونُفذت فيها لاحقاً مشاريع سكنية بعد ضمها إلى مساحات أخرى استملكها النظام المخلوع.
وأضاف أن “الاتحاد التعاوني السكني” وظّف هذه الأراضي لصالح جمعيات سكنية حملت مسميات مختلفة، مثل جمعية المعلمين، وجمعية الممرضين، وجمعية القضاة، إلا أن المستفيدين الفعليين لم يكونوا من أصحاب هذه الشرائح، بسبب المساحات الكبيرة للشقق التي تجاوزت 250 متراً للشقة الواحدة،
إضافة إلى الإكساءات الفاخرة والأسعار المرتفعة التي لا يستطيع تحملها سوى كبار تجار العقارات وأصحاب رؤوس الأموال، حيث يبلغ سعر الشقة الواحدة اليوم نحو 250 ألف دولار، في حين لا يزال هو وأولاده مهجرين عن منازلهم المهدمة.
بدوره، تساءل يوسف عطار، وهو أحد المتضررين أيضاً: “هل يجوز أن يقيم التجار مشاريع سكنية استثمارية بناء على مراسيم جائرة صدرت في عهد الرئيس السابق للنظام الملخوع حافظ الأسد، بينما أصحاب الأراضي الأصليين ليس لديهم بيت يسترهم ويعيشون في المخيمات؟”.
خلفيات قانونية قديمة
وبالعودة إلى جذور القضية، أشار المحامي أحمد الحاج أسعد إلى أن الملف يعود إلى عدة قوانين صدرت بين عامي 1946 و2000، كان الهدف النظري منها استخدام الأراضي للنفع العام، إلا أن التطبيق العملي عزز استفادة التجار والمستثمرين عبر مشاريع سكنية استثمارية، فيما بقي أصحاب الملكيات الأصلية بلا مأوى.
وأوضح أن قصة استملاك أراضي الليرمون في حلب تعود إلى عام 1987، عندما صدر قرار الاستملاك في عهد رئيس بلدية حلب آنذاك محمد ناجي عطري، الذي رفع تقريراً إلى رئيس حكومة النظام المخلوع آنذاك محمود الزعبي وصف فيه الأرض بأنها “قفراء وغير صالحة للزراعة”، ما أدى إلى مصادرة الأراضي من أصحابها بأسعار زهيدة جداً.
وأضاف أن هذه الأراضي تحولت لاحقاً إلى ما يعرف بجمعية الزهراء السكنية، وفي حين يُباع الطابق الواحد فيها اليوم بنحو 250 ألف دولار، بينما لا يزال المالكون الأصليون وأبناء المنطقة يعيشون في المخيمات أو في منازل بالإيجار.
وأشار الحاج أسعد إلى أن التنظيم العمراني وإعادة الإعمار يمثلان ضرورة حقيقية لاستقرار سوريا وعودة النازحين واللاجئين، وهو حق لكل مدينة وبلدة تضررت من حرب النظام المخلوع، إلا أن ذلك يجب أن يقوم على العدالة وحماية حقوق المواطنين، لا على تكرار سياسات الاستملاك الجائرة التي حرمت آلاف العائلات من أملاكها لعقود.
وأكد أن من حق أصحاب العقارات المطالبة برفع نسبة التعويض من 11.3 بالمئة إلى 40 بالمئة، بما يضمن إنصافهم وحفظ حقوقهم، إضافة إلى إعادة النظر في دور الجمعيات السكنية المرتبطة بمسؤولي النظام المخلوع، وأن تكون الأولوية في الاستفادة من مشاريع الإعمار لعائلات الشهداء والمتضررين الذين دفعوا الثمن الأكبر من أجل الحرية واستقرار البلاد.
وأضاف الحاج أسعد: “نحن مع التخطيط والتنظيم العمراني، لكن ضد استغلاله لانتزاع أملاك المواطنين أو منحها لتجار الأزمات والمستفيدين”، مؤكداً أن أي إعادة إعمار حقيقية يجب أن تقوم على سيادة القانون، وتعويض عادل وفوري، وضمان حق الملكية لأصحابها الشرعيين.
مقترحات لمعالجة قانونية وإدارية
وفي محاولة لمعالجة أوضاع العقارات المستملكة، أوضح القاضي حسين حمادة المستشار السابق في محكمة النقض، أن قوانين التنظيم العقاري التي صدرت في سوريا بين عامي 1979 و2018 شكّلت إطاراً تشريعياً منحرفاً أُسيء استخدامه سياسياً، ما أدى إلى وقوع مظالم جماعية، معتبراً أن تحقيق العدالة يقتضي إعادة النظر بهذه المنظومة بأثر رجعي والعمل على إعادة الحقوق إلى أصحابها.
وأشار حمادة إلى مجموعة من القوانين المرتبطة بهذا الملف، من بينها القانونان رقم 186 و188 لعام 1926، والقانون رقم 9 لعام 1974، والقانون رقم 3 لعام 1976، والمرسوم رقم 60 لعام 1979، والقانون رقم 20 لعام 1983، والقانون رقم 26 لعام 2000 المعدل للمرسوم 60، إضافة إلى القانون رقم 1 لعام 2003، والقانون رقم 23 لعام 2015، والمرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012، والقانون رقم 10 لعام 2018.
واعتبر أن المرسوم رقم 60 لعام 1979 وتعديلاته كان من أسوأ هذه القوانين، إذ حوّل، من خلال تعليماته التنفيذية، غايته من التنظيم العمراني إلى أداة للاستيلاء على الملكيات، في مخالفة صريحة للمادة 15 من دستور عام 2012، والمادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وأوضح أن نتائج تطبيق هذا المرسوم تمثلت في سلب الملكيات دون تعويض عادل، حيث تراوحت قيمة التعويض عن المتر المربع الواحد بين 3 و60 ليرة سورية فقط، إلى جانب تحميل المالك تكاليف نقل الملكية إلى السجل العقاري والتبرئة المالية، في وقت تجاوزت فيه هذه التكاليف قيمة التعويض المقرر.
وأضاف أن الإشكاليات شملت أيضاً إعادة بيع المقاسم المستملكة للمالكين بأسعار مرتفعة جداً، وكأن الجهة المستملكة أصبحت المالك الفعلي للعقار، إضافة إلى غياب آليات الطعن في مراسيم الاستملاك، وتجاهل حقوق المستأجرين والسكان الأصليين، ما أدى إلى حالات تهجير قسري دون بدائل، فضلاً عن توزيع الملكيات على متنفذين عبر جمعيات سكنية، رغم أن الجمعيات السكنية لا تُعد مشاريع ذات نفع عام وفق أحكام القانون رقم 20 لعام 1983.
وتأسيساً على ذلك، أشار حمادة إلى أن المعالجة التشريعية تتطلب إلغاء القوانين المخالفة لمبادئ العدالة، وعلى رأسها المرسوم 60 لعام 1979، والقانون رقم 26 لعام 2000، والقانون رقم 23 لعام 2015، وإصدار تشريع جديد يستند إلى القاعدة الدستورية التي تنص على عدم جواز نزع الملكية الخاصة إلا للمنفعة العامة، مقابل تعويض عادل ووفقاً للقانون.
أما على المستوى الإداري، فاقترح تشكيل لجنة قضائية عليا تضم عضواً من محكمة النقض رئيساً، وعضواً من المحكمة الإدارية العليا، وعضواً من نقابة المحامين، على أن تتولى إعادة النظر في جميع الأحكام القضائية المرتبطة بالمرسوم 60، حتى الأحكام المبرمة.
كما اقترح تشكيل لجان لحل الخلافات في المحافظات، تضم قاضياً بمرتبة قاضي بداية رئيساً، وممثلاً عن الجهة الإدارية، وممثلاً عن المالكين، تتولى إعادة الملكيات إلى أصحابها حيثما أمكن، أو إقرار تعويض عادل عند تعذر ذلك، إضافة إلى معالجة أوضاع المالكين الجدد، خاصة حسني النية، مع مراعاة التعويض العادل عن العقارات التي أُقيمت عليها مشاريع ذات نفع عام، وإعادة العقارات المستملكة التي لم تُنفذ عليها مشاريع إلى أصحابها.
وتشمل المقترحات أيضاً إنشاء جمعيات سكنية للمالكين الأصليين، ومنحهم مقاسم تعادل 50 بالمئةعلى الأقل من مساحة عقاراتهم المستملكة، إلى جانب إنشاء جمعيات سكنية للشاغلين بحسن نية ومنحهم مقاسم تتناسب مع أوضاعهم السكنية.
ومضى حمادة بالقول إن القوانين الجائرة “لا تُحصّن بمرور الزمن، بل تُنتج ظلماً مؤجلاً”، معتبراً أن إعادة النظر بأثر رجعي ضرورة لإعادة تأسيس العدالة، وأن الحل يجب أن يتم عبر لجان قضائية توازن بين الحقوق.
وأضاف أن قصور القضاء الإداري سابقاً، وتبعية مجلس الدولة للسلطة التنفيذية، وضعف الرقابة الدستورية، كلها عوامل تبرر إعادة فتح الأحكام السابقة لغياب ضمانات المحاكمة العادلة، مؤكداً أن أي إصلاح لا يبدأ بإلغاء المنظومة السابقة سيبقى إصلاحاً شكلياً.
كما أشار إلى أن القاعدة الأساسية يجب أن تقوم على مبدأ: “لا تنظيم عمراني دون رضا المالك أو تعويض عادل وفوري، ولا إعادة إعمار دون عدالة ملكية”.
توسع عمراني وتساؤلات حول التعويضات
ولمعرفة رؤية مجلس مدينة حلب وإجراءاته حيال هذه المستجدات، حاولت “الثورة السورية” التواصل مع رئيس مجلس المدينة طلال الجابري عبر المكتب الصحفي، إلا أنها لم تتلقَّ إجابات مباشرة، فيما جرى إبلاغها بأنه لا يوجد رد حالياً بخصوص ملف الاستملاك.
وتقع منطقة (W3)، التي تركزت عليها الاعتراضات بشكل خاص بسبب موقعها الاستراتيجي الجاذب للاستثمار العقاري، غرب حي الزهراء، وتُعد من مناطق التوسع العمراني ضمن خطة “حلب الكبرى” لعام 2026، التي أعلنها مجلس المدينة بوصفها عام التنفيذ والتسريع للمخططات التنظيمية.
وتضم هذه المنطقة نحو 930 مقسماً تنظيمياً، بما يتيح إنشاء نحو 14 ألف وحدة سكنية موزعة على أربعة مشاريع “زونات”، ضمن خطة حكومية تركز على التوسع في المناطق الشرقية والغربية وربطها بالطرق الدولية، بهدف تعزيز الحركة الاقتصادية ضمن رؤية شاملة لإعادة تنظيم المدينة.
لكن الأهالي يشيرون إلى أن الأراضي الواقعة ضمن هذه الخطة كانت قد استُملكت قبل عقود مقابل تعويضات لم تتجاوز في البداية 3 بالمئة من قيمتها، قبل أن تُرفع لاحقاً إلى نحو 10 بالمئة بعد الاعتراضات، في حين تُباع الطوابق ضمن المشاريع الجديدة اليوم بأسعار مرتفعة جداً.
وكان مجلس مدينة حلب قد أعلن مؤخراً، ضمن تقرير حول المخطط التنظيمي الذي انتظره أهالي المحافظة لسنوات، أن عام 2026 سيكون عام التنفيذ والتسريع للمخططات التنظيمية، في إطار مشروع إعادة هيكلة وتوسيع المدينة تحت مسمى “حلب الكبرى”.
وتتضمن ملامح المخطط إطلاق توسعات سكنية جديدة لتلبية الطلب المتزايد، ودراسة وتنظيم مناطق جديدة مثل (A9 – W3)، وربط المدينة بمحاور الطرق الدولية لتعزيز الحركة الاقتصادية، إلى جانب إعداد مخططات تنظيمية تفصيلية لبعض المناطق ضمن مراحل تدريجية.
ويستند مشروع “حلب الكبرى” إلى مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها توسيع المدينة عمرانياً، وإعادة توزيع النشاطات السكنية والصناعية والتعليمية، والمساهمة في معالجة أزمة السكن، إضافة إلى جذب الاستثمارات العقارية وتحفيز السوق.
وتشمل المرحلة الأولى من التوسع العمراني المناطق الشرقية، التي تُعد المحور الأساسي في الخطة، وتمتد من طريق المطار وصولاً إلى مناطق السكري، نظراً لكونها من أبرز محاور إعادة الإعمار، إضافة إلى ما توفره من مساحات واسعة للتوسع وتحقيق التوازن العمراني داخل المدينة.
أما المناطق الغربية، فتشمل التوسعات الممتدة من شمال شرق دوار القلعة “دوار الموت سابقاً” وصولاً إلى مناطق خان العسل والراشدين الرابعة والخامسة.
وتُعد منطقتا الراشدين الرابعة والخامسة من أبرز مناطق التوسع السكني الجديد، كما تشكلان جزءاً أساسياً من مشروع “حلب الكبرى”، وتحظيان بتركيز حكومي واضح ضمن خطة التطوير، في وقت يجري فيه إعداد المخططات التنظيمية التفصيلية النهائية للمقاسم.
مطالبات باسترجاع الحقوق
استناداً إلى ما سبق، يتضح أن توجهات التنفيذ الحالية تركز على عدة محاور رئيسية، أبرزها المنطقة الغربية التي تُثار حولها إشكاليات مرتبطة بقوانين الاستملاك، إلى جانب المناطق الشرقية، ومحور طريق الشام، ومناطق الراشدين، ولا سيما الرابعة والخامسة.
وبحسب ما أعلنه مجلس مدينة حلب، فإن الهدف من هذا التوسع يتمثل في تحقيق توازن عمراني داخل المدينة، وإعادة إحياء المناطق المتضررة، وتحويل بعض المناطق إلى تجمعات سكنية حديثة تضم الفلل والشقق والمشاريع الاستثمارية المتكاملة.
ومع أن المخطط التنظيمي لمدينة حلب لعام 2026 يمثل خطوة محورية نحو إعادة الإعمار والتوسع الحضري ضمن مراحل مدروسة تفتح المجال أمام فرص استثمارية واسعة، خاصة في مناطق الراشدين وطريق الشام، إلا أن التركيز على بعض المناطق الغربية أعاد إلى الواجهة مطالب المتضررين من قوانين الاستملاك القديمة.
وتنص المادة الثانية من القانون رقم 26 لعام 2000، المتعلقة باستملاك الأراضي وتنظيمها، على توزيع 40 بالمئة من المقاسم لأصحاب الملكيات الأصلية، وبيع 60 بالمئة منها بسعر الكلفة للجمعيات والجهات العامة، إلا أن متضررين يؤكدون أن التطبيق العملي لم يحقق العدالة المطلوبة، ولم يؤدِّ إلى حصول أصحاب الأراضي على حقوقهم الفعلية.
ويطالب الأهالي اليوم بإيقاف تنفيذ المراسيم القديمة مؤقتاً إلى حين انعقاد مجلس الشعب الجديد وإعادة النظر في القوانين الناظمة للاستملاك، إضافة إلى تحديد تعويضات عادلة تستند إلى القيمة الرائجة للأراضي، وتسوية أوضاع المتضررين ضمن المخطط التنظيمي الجديد، بما يحقق توازناً بين المصلحة العامة والحقوق الفردية.
وفي المحصلة، يبدو أن مشروع “حلب الكبرى” يفتح مجدداً ملف العلاقة بين إعادة الإعمار وحقوق الملكية، وسط مطالبات بأن تراعي خطط التوسع العمراني العدالة في التعويض، إلى جانب تحقيق أهداف التطوير والتنظيم الحضري داخل المدينة.
الثورة السورية – لينا إسماعيل
