مع استمرار حالة الجمود في مفاوضات أمريكا وإيران «لا اتفاق» و«لا حرب» تتكشف تداعيات غير مباشرة على جبهات أخرى، أبرزها أوكرانيا،
فاستنزاف صواريخ الدفاع الجوي الغربية، ولا سيما «باتريوت»، فتح ثغرات في حماية كييف، ويمنح روسيا هامشاً أوسع للهجوم مع تحول الاهتمام الأمريكي إلى الشرق الأوسط،
واستنزاف الحرب الإمدادات التي تحتاج إليها كييف مع تأجيل محادثات السلام، فهل أصبحت كييف الخاسر الأكبر في حرب إيران؟
تتجه الأنظار الدولية بشكل متسارع نحو الشرق الأوسط، على حساب جبهات أخرى لم تحسم بعد، وفي مقدمتها أوكرانيا، التي تبدو اليوم الخاسر الأكبر من هذا التحول، بعدما تراجع حضورها في أولويات القرار الدولي،
خصوصاً في واشنطن، وتباطؤ المساعي السياسية المرتبطة بتسوية الحرب مع روسيا.
تكشف هذه المعادلة أن أي استنزاف للمخزون الغربي في الشرق الأوسط ينعكس مباشرة على جبهة أوكرانيا.
يرى خبراء أن انخراط الولايات المتحدة في مواجهة مفتوحة مع إيران، حتى وإن اتخذ شكل «هدنة مشروطة»، أعاد ترتيب سلم الأولويات الاستراتيجية، بحيث لم تعد أوكرانيا في صدارة المشهد كما كانت خلال الأشهر الماضية،
ويشيرون إلى أن إدارة الأزمات المتزامنة تفرض بطبيعتها توزيعاً للموارد السياسية والعسكرية، ما ينعكس تلقائياً على وتيرة الدعم والاهتمام.
تراجع فرص التسوية
كما يؤكدون أن أحد أبرز التداعيات يتمثل في إبطاء المسار التفاوضي الخاص بأوكرانيا، مع تراجع الزخم الدبلوماسي وتأجيل الاجتماعات التي كانت تُعقد بانتظام،
فحين تنشغل القوى الكبرى بإدارة تصعيد في منطقة حساسة تتراجع فرص الدفع نحو تسويات في ساحات أخرى، حتى لو كانت أكثر إلحاحاً، من حيث الكلفة الإنسانية والعسكرية.
وفي السياق ذاته يلفت محللون إلى أن تحويل جزء من القدرات العسكرية، خصوصاً منظومات الدفاع الجوي، إلى الشرق الأوسط، يترك فجوة نسبية في دعم كييف ميدانياً، أو على الأقل يحد من وتيرته.
هذه الفجوة، وإن بدت محدودة زمنياً، تمنح موسكو هامشاً أوسع للمناورة، وتُبقي معادلة الاستنزاف قائمة دون ضغط كافٍ لفرض تسوية. عامل مؤثر كما يرى متابعون أن تراجع الحضور الإعلامي والسياسي للملف الأوكراني ليس مجرد تفصيل عابر، بل عامل مؤثر في تشكيل الرأي العام الغربي،
وبالتالي في استدامة الدعم، فالقضية التي تغيب عن العناوين تتراجع تدريجياً على طاولة القرار، خصوصاً في ظل أزمات متلاحقة تفرض نفسها بقوة.
وبين انشغال هنا وتعقيد هناك تبقى أوكرانيا عالقة في مشهد دولي متحول، حيث لا تقاس الخسائر فقط بما يجري على الأرض، بل أيضاً بما يسحب من اهتمام ودعم خلف الكواليس.
حرب استنزاف يرى حمدر أعمر حداد، والذي يحمل دكتوراه في العلاقات الدولية، أن طرح مسألة تراجع الاهتمام الأمريكي بالملف الأوكراني في ظل الحرب الأخيرة مع إيران بات يعكس بوضوح تحول مركز الثقل في السياسة الخارجية لواشنطن.
إعادة ترنيب الأولويات
ويوضح أن اندلاع المواجهة مع طهران كشف عن إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية، مع عودة الشرق الأوسط إلى صدارة الاهتمام، بعد فترة من التركيز النسبي على أوروبا الشرقية ومواجهة روسيا.
يضيف أن هذا التراجع لا يعني انسحاباً كاملاً من الملف الأوكراني، بقدر ما يعكس إعادة توزيع للموارد السياسية والعسكرية والدبلوماسية،
فالدعم الأمريكي لكييف، سواء المالي أو العسكري، قد يتأثر من حيث الوتيرة ومستوى الزخم السياسي، لا سيما في ظل ضغوط الرأي العام الداخلي، وكلفة الانخراط في أكثر من جبهة في آن، كما يشير إلى أن التحول في التركيز الإعلامي والدبلوماسي نحو الشرق الأوسط يمنح موسكو هامشاً أوسع للمناورة على الساحة الأوكرانية.
ويؤكد حداد أن انعكاسات هذا التحول على مسار الحرب تبدو مركبة؛ إذ قد يؤدي تراجع الزخم الغربي إلى إبطاء القدرات الهجومية الأوكرانية، وتعزيز منطق «حرب الاستنزاف»، التي تميل عادة لصالح الطرف الأكثر قدرة على الصمود.
تحويل الانتباه وفي ما يتعلق بالسؤال الأوسع حول ما إذا كانت أوكرانيا تدفع ثمن حرب لا تدور على أرضها يوضح أن ذلك يعكس نمطاً مألوفاً في تداخل الصراعات الكبرى، حيث لا ترتبط الأزمات ببعضها البعض بشكل مباشر، لكنها تتقاطع عبر تحويل الانتباه والموارد، وإعادة ترتيب الأولويات الدولية.
ضحية
وضمن هذا السياق، تصبح أوكرانيا، جزئياً، ضحية لما يمكن وصفه بـ«تزاحم الأزمات»، حيث لا تحسم النزاعات فقط وفق أهميتها الذاتية، بل أيضاً وفق موقعها على سلم أولويات القوى الكبرى.ويخلص إلى أن أوكرانيا لم تهمل بالكامل، لكنها لم تعد القضية المركزية الوحيدة في الحسابات الأمريكية.
بينما يرى د. محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة في وجدة، أن الانخراط العسكري الأمريكي المباشر ضد إيران أحدث تحولاً جوهرياً في خريطة الأولويات الاستراتيجية الدولية، ما أفرز فراغاً دبلوماسياً وعملياتياً حول الملف الأوكراني في مرحلة مفصلية من الصراع.
ويؤكد أن هذا التحول انعكس بوضوح في تعثر المسارات التفاوضية بين موسكو وكييف، في ظل تركيز واشنطن على إدارة التصعيد في الشرق الأوسط، الأمر الذي أفقد المبادرات الدبلوماسية الزخم اللازم لدفعها قدماً.
ويوضح أن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها أمام معضلة «تعدد الجبهات»، حيث بات من الصعب الحفاظ على مستوى الضغط ذاته على روسيا، بالتزامن مع استنزاف الموارد السياسية والعسكرية في مواجهة طهران.
مكاسب
ويشير بوبوش إلى أن تداعيات التصعيد في الشرق الأوسط منحت موسكو مكاسب غير مباشرة، خصوصاً على صعيد الاقتصاد الحربي، مع ارتفاع أسعار النفط، وتحقيق فائض مالي، عزز من قدرتها على مواصلة العمليات.كما لفت إلى تراجع مستوى الثقة بالوساطة الأمريكية، ما يدفع روسيا إلى تبني نهج «الصبر الاستراتيجي» انتظاراً لتآكل الزخم الغربي.
ورغم ذلك يؤكد أن كييف تحاول التكيف عبر توظيف خبراتها الميدانية، خصوصاً في مواجهة التقنيات العسكرية الإيرانية، بما قد يفتح مجالات تعاون جديدة مع واشنطن.ويخلص إلى أن مستقبل الصراع سيظل مرهوناً بقدرة أوروبا على سد فجوة الانشغال الأمريكي، ومدى نجاح أوكرانيا في تعزيز الاعتماد الذاتي، ضمن بيئة دولية، تتسم بتزاحم الأزمات.
