ربما يختلف التاريخ والمكان الأول لأول مظاهرة خرجت مناهضة للنظام المخلوع بين منتصف شباط، أو 15 آذار، أو 18 آذار من عام 2011. وتتعدد الروايات حول البداية الأولى، لكن ما لا يختلف عليه اثنان أن تلك المظاهرات خرجت مطالبة بإصلاح النظام، وردّ الحقوق، ومتمسكة منذ لحظتها الأولى بالكرامة والحرية.
وسرعان ما تحولت تلك المطالب إلى هتافات: “الموت ولا المذلة”، “الشعب السوري ما بينهان”، “الشعب يريد إصلاح النظام”، “حرية.. حرية”، ثم أخذت شرارة المظاهرات تتسع، واتخذ كل يوم جمعة اسماً خاصاً به يختاره الناشطون ويتوافقون عليه، ليكون موعداً ثابتاً لخروج الناس.
وكانت تلك المظاهرات تُقابَل منذ بداياتها بالضرب والعصي والقنابل المسيلة للدموع على يد أجهزة أمن النظام، إلا أن ذلك لم يكن إلا يزيدها اتساعاً وقوةً وكثرةً. وخلال أسابيع قليلة فقط، ارتفعت سقوف المطالب من الإصلاح إلى إسقاط النظام، ثم إلى الحرية الكاملة، وبعدها إلى محاكمة رأس النظام.
امتدت تلك الرحلة لأربعة عشر عاماً اتخذت خلالها الثورة منحى مختلفاً، ومرّت بمخاض طويل وتبدلات كبيرة؛ بدأت من التظاهر السلمي إلى حركة تسليح محدودة اقتصرت على أحرار الجيش الذين انشقوا عن جيش النظام، ثم اتسعت إلى حرب عصابات، فمعارك مدن وبلدات، ثم إلى تحرير محافظات، قبل أن تتحول إلى حرب مفتوحة أصبحت فيها للبندقية والمدفع الكلمة الأولى.
وفي هذه السطور نحاول أن نروي مسار الثورة السورية وبعضاً من تحولاتها، بالوقوف عند أبرز أحداث كل عام من أعوامها، منذ آذار 2011 وحتى كانون الأول 2024.
2011 مظاهرات في وجه الرصاص
مطلع هذا العام كان بشار الأسد واثقاً من قدرته على قمع الشعب، وقال في مقابلة مع صحيفة “وول ستريت جورنال” إن الثورة لن تصل إلى سوريا “فهي ليست تونس أو مصر”، بعدما أطاحت ثورتان في تونس ومصر بحكمي زين العابدين بن علي وحسني مبارك.
كانت تصريحات مردّها إلى أنه ظن أن سطوة شبيحته قادرة على الاستمرار في كمّ الأفواه واستعباد الشعب، ولكن فجأة بدا وكأن جدار الخوف الذي صنعه النظام على مدى خمسين عاماً قد انهار دفعةً واحدة.
أنشأ ناشطون سوريون صفحةً على موقع “فيسبوك” حملت اسم “الثورة السورية ضد بشار الأسد 2011″، وبدأت الصفحة بنشر عبارات تعبوية تحفيزية للخروج في مظاهرات سلمية مناهضة للنظام، وقد نشرت الصفحة دعوةً للخروج في مظاهرات سلمية يوم 15 آذار تحت شعار “نداء الانتفاضة في سوريا، ثورة حتى الحرية”، وقد دعت الصفحة عبر منشورات ومقاطع فيديو إلى الخروج في مظاهرات سلمية، والهتاف لسوريا “دون استبداد أو قانون طوارئ ولا أحكام عرفية ولا قمع”.
سريعاً لبّى الشعب النداء، لتخرج أولى المظاهرات بدمشق في سوق الحميدية هتفت للحرية، كأول استجابة لدعوات التظاهر والثورة ضد النظام، وبدأت المظاهرة بتجمع عدد من الناشطين أمام الجامع الأموي بعد صلاة الظهر يوم الثلاثاء 15 آذار، ثم اتجهت إلى منطقة الحريقة ليلتحق بها العشرات خلال مسيرها.
وفي الوقت ذاته شهدت محافظة درعا مظاهرات أكثر زخماً، وما هي إلا أيام وأسابيع قليلة حتى توالت المظاهرات لتشمل معظم المحافظات السورية، في ظل قبضة أمنية بدأت سطوتها مع أول نداء بـ”الحرية”، وشرعت قوات أمن النظام بمهاجمة التظاهرات وفضّها بالقوة واعتقال عدد من المتظاهرين.
في 18 آذار أطلقت قوات الأمن الرصاص على مظاهرة خرجت في درعا البلد واتجهت إلى ساحة الجامع العمري، ليلتحق بها العشرات الذين هتفوا للحرية وطالبوا بإلغاء قانون الطوارئ وإطلاق العملية السياسية في البلاد، كما طالبوا بالإفراج عن عدد من أطفالهم الذين اعتقلتهم قوات النظام في وقت سابق لكتابتهـم على جدران المدارس عبارات مناهضة للنظام، وحينذاك سقط أول شهيدين في الثورة.
ومن خلال هذا المسار، برز “الناشط” بوصفه أحد أهم الفاعلين في بدايات الثورة، ناقلاً للحدث، وشاهداً ووسيطاً بين الشارع السوري والعالم الخارجي، ومن هذا الدور وُلد ما عُرف لاحقاً بـ”المواطن الصحفي”، وهي ظاهرة فرضتها الحالة السورية في ظل غياب الإعلام الحر واحتكار النظام له، ليحمل شبان، معظمهم بلا أي خبرة مهنية سابقة، هواتفهم المحمولة وكاميراتهم البسيطة، ويخرجوا لتوثيق المظاهرات وانتهاكات النظام، ونقل أخبار الاعتقالات والقتل والانتهاكات لحظة بلحظة عبر تسجيلات مصوّرة أو مداخلات هاتفية مع القنوات العربية والدولية، وقد انتهى الأمر بكثيرين منهم إلى الاعتقال أو الاغتيال أو الاستشهاد تحت التعذيب.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، لم يعد العمل الميداني مقتصراً على المبادرات الفردية، بل بدأ يأخذ شكلاً أكثر تنظيماً مع ظهور “التنسيقيات” المحلية التي تشكّلت في المدن والبلدات والأحياء الثائرة. وتولت هذه التنسيقيات مهام متعددة، منها تحديد نقاط التجمع ومسارات التظاهر، وتنسيق الهتافات وتوحيد أسماء الجُمَع، وكتابة الشعارات واللافتات، وتوثيق الانتهاكات، وتأمين التواصل بين المناطق، وصولاً إلى بناء شبكات اتصال ميدانية عبر غرف “سكايب” وصفحات “فيسبوك”، التي شكّلت اللبنة الأولى لظهور الإعلام الثوري فيما بعد.
وكما كان النظام محتَكِراً للسلطة في البلاد ومسيطراً على كل مفاصل الدولة، كان الإعلام أحد أجهزته التي استخدمها ضد الثورة منذ بداياتها، حيث لم تفتأ قنواته عن ترديد عبارات “مندسين” و”جماعات مخربة” و”عملاء”، وأوصاف شتى اقتبسوها من خطابات بشار الأسد، الذي خرج في 30 آذار بكلمة ألقاها أمام “مجلس الشعب”.
ووصف ما يحصل بأنه “مؤامرة” وليست ثورة، وأن أدواتها هي “الفتنة الطائفية” و”العالم الافتراضي” و”الفوضى”، وأن هناك من خرج للتظاهر بحسن نية دون أن يعلم الحقيقة، وأن واجب الدولة هو مكافحة هذه الفتنة. وأنهى كلمته دون التطرق إلى أي من مطالب التظاهرات التي بدأت تتسع رقعتها، وشهدت سقوط ضحايا ومصابين برصاص قوات الأمن في أكثر من محافظة، منها ريف دمشق وحمص ودرعا.
القبضة الأمنية المشددة، وإغلاق النظام وشبيحته للساحات العامة في أيام الجمع التي كانت موعداً للمظاهرات، أدّيا إلى خروجها في بلدات ومدن وقرى بشكل منفرد، وربما تجتمع الحشود في ساحات كبرى، كما كان يحصل في ساحة العاصي في حماة وساحة الساعة في حمص.
“ما رح نركع ما رح نركع.. جيب الدبابة والمدفع” شعار رفعه المتظاهرون كناية عن أن حصول أي شيء كبير لن يثنيهم عن مطالبهم، لكن النظام، المدعوم بجيشه، والذي تجاهل كل مطالب الحرية والكرامة، لم يستجب لهذه المطالب، بل نزل بآلياته لفضّ المظاهرات.
في 19 نيسان قامت قوات النظام بفضّ اعتصام في ساحة الساعة وسط حمص، بعد أن تحوّل تشييع شهداء قضوا خلال المظاهرات إلى اعتصام كبير شارك فيه آلاف المتظاهرين الذين بقوا في الساحة مطالبين بالحرية وإسقاط النظام، في أول مشهد اعتصام كبير بهذا الحجم منذ اندلاع الثورة. حيث حاصرت قوات الأمن والجيش الساحة، ثم استخدمت الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي لتفريقهم، ليسقط عدد من الضحايا والجرحى، في ظل إمكانات متواضعة لنقل الأخبار وتوثيق الأحداث.
وفي حماة، خرجت واحدة من أكبر التظاهرات التي شهدتها الثورة خلال صيف 2011، واحتشد مئات الآلاف في ساحة العاصي، في مشهد استعاد ذاكرة المدينة الجريحة مع النظام، وفي بانياس، المدينة الساحلية التي حاول النظام مبكراً خنقها وعزلها، فقد خرجت مظاهرات حاشدة في أحيائها، وخصوصاً في البيضا ورأس النبع، قبل أن تتعرض لحملات أمنية وعسكرية هدفت إلى منع امتداد الحراك إلى الساحل.
وقد سجلت السنة الأولى من الثورة ما لا يقل عن خمسة آلاف ضحية خلال هذا العام، بينهم 384 طفلاً و256 سيدة، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها التوثيقي السنوي.
دولياً، طالب أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي الرئيس باراك أوباما بدعوة بشار الأسد إلى التنحي، مؤكدين أن الأخير فقد شرعيته بسبب قمعه العنيف للمظاهرات المناهضة له. بينما نصح رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان، وعبر اتصال هاتفي، بشار الأسد بوقف حملة القمع الدموية ضد المتظاهرين، والبدء في تطبيق إصلاحات فورية، وأبلغه ضرورة وضع جدول زمني للإصلاحات بالسرعة الممكنة وتطبيقها بسرعة شديدة، بينما كان بشار الأسد يصرّ على تجاهل مطالب الثورة، ليظهر في خطاب جديد في حزيران من العام ذاته، ويصف ما يجري بأنه مؤامرة ضد سوريا، والمتظاهرين بـ”الجراثيم”.
وبعد شهرين من خطابه دعاه الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى التنحي عن السلطة، مؤكداً أن مستقبل سوريا يجب أن يحدده الشعب السوري، لكن بشار الأسد يقف في طريقه، وأن دعوته للحوار والإصلاح لم تلق صدى في حين يسجن شعبه ويعذبه ويذبحه.
في مطلع صيف ذلك العام، شهد الجيش السوري انشقاقات في صفوفه لضباط ومجندين انحازوا لأهلهم وللشعب، وفطنوا لكذب النظام، وكان من أوائل المنشقين المقدم حسين هرموش، الذي أعلن انشقاقه بشكل مبكر في شهر حزيران.
وبعد فترة وجيزة أُسِّس الجيش السوري الحر على يد العقيد رياض الأسعد، الذي أعلن انشقاقه في شهر تموز، ليتعهد بحماية المظاهرات السلمية، ويتولى مهمة التصدي للقوات التي كان يرسلها النظام لقمع المتظاهرين.
سياسياً، وفي 2 تشرين الثاني، تأسس المجلس الوطني السوري في إسطنبول كإطار موحد للمعارضة، بهدف إسقاط نظام الأسد وإقامة دولة ديمقراطية، برئاسة برهان غليون.
2012 مجازر دموية ومبادرات سياسية
لم يحِد النظام، منذ اندلاع الثورة، عن مسعاه الدائم لتحويل الحراك الشعبي إلى مواجهة مسلحة، مستفيداً من تفوقه العسكري وإمكاناته الواسعة في مواجهة شعب أعزل، وفي موازاة ذلك، عمل على توظيف هذا التصعيد لانتزاع غطاء عربي ودولي يتيح له قمع الثورة بالقوة، مروّجاً لرواية مفادها أن ما يجري ليس سوى حركات مسلحة مندسّة تسعى إلى زعزعة أمن البلاد واستقرارها.
لذلك، اتخذ من تسليح الجيش السوري الحر ذريعة لاقتحام البلدات والمدن عسكرياً وعلى مرأى العالم، وبقصف مدفعي وصاروخي. كما شهد العام ذاته أولى طلعات الطيران المروحي، وبحسب تقارير أممية وإعلامية فإن ذلك العام شهد أول استخدام واضح للمروحيات في قصف المناطق الثائرة.
ونظراً للأحداث الدامية التي طغت على ذلك العام، بدا وكأن عناوينه كُتبت بأسماء أحياء منكوبة من حمص القديمة، في مقدمتها بابا عمرو، إلى جانب الحولة في ريفها، وداريا في ريف دمشق، ففي هذه المناطق ارتُكبت مجازر دامية وعمليات قتل ممنهجة بحق مدنيين عزّل، حوّلت مدنهم وبلداتهم إلى مآتم مفتوحة، في محاولة لكسر إرادة الحراك الشعبي وإخماد جذوة الثورة.
في 3 شباط شنّ النظام واحدة من أعنف حملاته العسكرية المبكرة على الأحياء الثائرة، إذ بدأ الهجوم الواسع على حي بابا عمرو في حمص، واستمر القصف العنيف قرابة أربعة أسابيع قبل اقتحام الحي مطلع آذار، وقد وثّقت منظمات حقوقية مقتل مئات المدنيين خلال الحملة نتيجة القصف العشوائي والقنص والاقتحام.
وفي 25 أيار وقعت مجزرة الحولة، وهي واحدة من أبشع مجازر ذلك العام التي ارتكبتها قوات النظام، ووثّقت الأمم المتحدة مقتل 108 أشخاص، بينهم 49 طفلاً و34 امرأة، ومعظم الضحايا أُعدموا ميدانياً بعد قصف المنطقة.
أما في داريا، فبدأ الهجوم الواسع على المدينة في 20 آب، وبعد أيام من القصف والاقتحام كُشف في 25 آب عن مئات الجثث. واستطاعت الجهات المحلية توثيق عدد الضحايا بما لا يقل عن 700 شخص بين رجل وطفل وسيدة، أُعدم معظمهم ميدانياً، وأُقيمت لهم مقبرة جماعية.
وفي الوقت ذاته، ارتفعت وتيرة المواجهات، وتصاعدت المظاهرات على امتداد رقعة البلاد، وكان العنف في أشدّه. وشهدت صفوف الثوار انقساماً بين من رأى أن عنف النظام يجب أن يُقابل بعنف أقوى منه، ومن أراد المحافظة على سلمية الثورة، وفي تلك المرحلة، كان النظام قد بدأ بالاعتماد بشكل أكبر على قوات نخبته، المتمثلة بالفرقة الرابعة، إلى جانب ميليشيات إيرانية، ولبنانية تابعة لـ”حزب الله”.
على الصعيد السياسي، عُرف العام بأنه عام المبادرات الفاشلة، وذلك بعد أن طرح حينها كوفي عنان، المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا، خطة سُمّيت بـ”النقاط الست”، ومن أبرز بنودها وقف العنف والإفراج عن المعتقلين تعسفياً، والبدء بمسار سياسي بقيادة سورية.
وحاول من بعده الأخضر الإبراهيمي إحياء المسار السياسي، لكن النظام كان قد أدخل البلاد في مرحلة أكثر دموية وتعقيداً، مع اتساع المواجهات العسكرية وتراجع فرص أي تهدئة حقيقية على الأرض.
2013 احتدام المعارك
بدأت فصائل الجيش السوري الحر تظهر بشكل أكثر تنظيماً، وانضم إليها مئات المتطوعين، وانتقلت من الدفاع إلى الهجوم، لا سيما باتجاه مناطق حيوية لجيش النظام، كالمطارات والقطع العسكرية ومستودعات تخزين السلاح، ناهيك عن استهداف حواجزه التي كانت قد قطّعت أوصال البلدات والقرى والمحافظات.
وفي الإطار السياسي، تأسس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بقيادة معاذ الخطيب، قبل أن يشغل لاحقاً مقعد سوريا في جامعة الدول العربية بصفة ممثل للمعارضة.
وفي الوقت ذاته، تكاثرت المبادرات الدولية والتصريحات التي طالبت برحيل بشار الأسد، ودعت إلى انتقال سلمي للسلطة ونبذ العنف، لكنها بقيت جوفاء ولم تتجاوز حدود التصريحات، فيما كان الميدان مشتعلاً، والاشتباكات على أشدها على تخوم العاصمة دمشق ومعظم المحافظات الأخرى، وكانت الرقة أول مركز محافظة يخرج بالكامل من سيطرة النظام، بينما خرج الرئيس المخلوع وألقى كلمة في دار الأوبرا بمدينة دمشق، قال فيها إن الصراع ليس بين الحكم والمعارضة، وإنما “بين الوطن وأعدائه”، وقدّم في كلمته مبادرة للحل في سوريا، لكنها قوبلت برفض عربي ودولي ومحلي، واعتُبرت محاولة جديدة لكسب الوقت، فيما كانت آلة القتل مستمرة على الأرض بلا توقف.
لكن الحدث الأثقل في ذلك العام كان مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية في 21 آب، حين تعرضت مناطق في الغوطة لهجوم بغاز السارين، في واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ الثورة، فتصدرت صور الضحايا، ولا سيما الأطفال، المشهد العالمي، وبدا لوهلة أن ضربة دولية ضد النظام باتت وشيكة، قبل أن ينتهي الأمر إلى صفقة السلاح الكيماوي بين واشنطن وموسكو، التي جنّبت النظام الضربة مقابل تسليم ترسانته الكيميائية المعلنة.
2014 ظهور “داعش” وتعدد الجبهات
لم تعد المواجهات محصورة بفصائل الجيش الحر وقوات النظام فقط، بعد صعود تنظيم “داعش” وتمدد سيطرته في الشرق والشمال، ثم إعلانه “الخلافة” من محافظة الرقة.
هذا التطور غيّر شكل المشهد كلياً، إذ دخلت فصائل الثورة في مواجهة مع التنظيم، فيما باتت مناطق واسعة من البلاد موزعة بين النظام والثوار و”داعش”، في وقت تشكّل التحالف الدولي وضمّ 79 دولة بقيادة الولايات المتحدة، بالإضافة إلى حلف شمال الأطلسي “ناتو” والاتحاد الأوروبي، وبدأ تدخله العسكري ضد التنظيم داخل سوريا.
ومع تعدد الجبهات، تراجعت مركزية الحراك الأول وشعاراته في كثير من المناطق، وحلّ مكانها صراع أكثر تشابكاً استنزف الجميع، وأعاد ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية.
وفي الوقت ذاته، كانت مناطق جوبر وحرستا والغوطة الشرقية ومدينة داريا ومعضمية الشام تشهد على تخوم العاصمة دمشق معارك ضارية، وسطرت ملاحم بطولية من مقاتلي الثورة، ما دفع النظام إلى صبّ جمّ غضبه على هذه المناطق مستخدماً البراميل المتفجرة، ومتبعاً استراتيجية روسية في الحرب قائمة على الأرض المحروقة، بهدف إجبار السكان على النزوح وكسر صمود الفصائل.
2015 تحرير إدلب والتدخل الروسي
في ربيع العام، كانت الفصائل المقاتلة في أوج قوتها، وشكّلت تحالفاً قتالياً تحت اسم “جيش الفتح” ضمن غرفة عمليات مشتركة، وكانت أولى معاركه الكبيرة تحرير إدلب، ثم فك الحصار عن الأحياء التي تسيطر عليها الفصائل في حلب.
وتأسس جيش الفتح بتوحد سبع مجموعات كبرى من الفصائل المقاتلة، وهي: “أحرار الشام”، و”جبهة النصرة”، و”جند الأقصى”، و”جيش السنة”، و”فيلق الشام”، و”لواء الحق”، و”أجناد الشام”، وتمكن من طرد قوات النظام من مدينة إدلب، ما مهّد لاحقاً للسيطرة على معظم الحدود الإدارية للمحافظة، التي شكّلت فيما بعد خزاناً للثوار وملاذهم الأخير.
وبعد سنوات من الاستنزاف، بدا النظام في لحظة ضعف واضحة على أكثر من جبهة، قبل أن يأتي التدخل الروسي المباشر ليعيد تثبيت موازين القوى لصالحه، ففي 30 أيلول بدأت روسيا تدخلها العسكري المباشر في سوريا بعد طلب رسمي من نظام الأسد، ومع انطلاق أولى الغارات الجوية الروسية من قاعدة حميميم في ريف اللاذقية، تحولت السماء السورية إلى عامل الحسم الأبرز في معارك كثيرة لاحقاً.
وحقق التدخل الروسي تقدماً ملحوظاً لقوات النظام وحلفائه من الميليشيات، التي استعادت نحو 25 بالمئة من الأراضي السورية، بينما وسّع تنظيم “داعش” سيطرته لتقارب نصف مساحة البلاد، مقابل تراجع كبير في مناطق سيطرة الفصائل، وهنا تشكّلت قوات “قسد” بدعم من واشنطن لمواجهة تمدد تنظيم “داعش”، وتلقت أسلحة نوعية ودعماً جوياً من قبل قوات التحالف، لتتمكن فيما بعد من بسط سيطرتها على مناطق واسعة من الجزيرة السورية.
2016 تهجير ريف دمشق وسقوط حلب الشرقية
أدى التدخل الروسي المباشر وكثافة قصف قوات النظام، مع استمرار حصارها لغوطتي دمشق، إلى استنزاف موارد الفصائل المقاتلة وزيادة الضغط عليها، ليتم إجبار مقاتلي وسكان داريا على التهجير برعاية أممية، جرى خلاله نقل المقاتلين وعائلاتهم مع أسلحتهم الفردية إلى الشمال السوري، وتحديداً إلى محافظة إدلب.
وكانت داريا الحبة التي فرطت حبات العقد، لتتولى بعدها حافلات التهجير نقل معارضي النظام من المدن الثائرة المحيطة بدمشق، ما جعلها محطة مركزية في استراتيجية النظام لتفكيك الثورة في محيط العاصمة.
وفي العام ذاته، تمكن النظام من اختراق صفوف الفصائل المقاتلة التي كانت تسيطر على نصف محافظة حلب وكامل أحياء حلب الشرقية، ومع تراجع ملحوظ في أداء الفصائل وظهور خلافات تنظيمية بينها، وبالتزامن مع تدخل تركي غير مباشر تركز على دعم بعض الفصائل المعارضة في ريف حلب الشمالي وتسهيل انتقال المدنيين، توصل الطرفان إلى اتفاق مشابه لما جرى في ريف دمشق، ما أدى إلى خروج المدنيين والمقاتلين من المدينة وسيطرة النظام الكاملة على حلب الشرقية.
انتهى هذا العام بتقلص كبير في مناطق سيطرة الثوار، التي شكلت إدلب ملاذاً لها، وكثرت التكهنات حول مستقبل المحافظة التي باتت خزاناً لمئات آلاف المقاتلين والمناهضين للنظام، مع انتشار أقوال حول احتمالات تشكيل حكم ذاتي، أو خضوعها لتسوية، أو أنها ستشهد حرباً ضروساً حتى القضاء على آخر ثائر فيها.
2017 أستانة وخفض التصعيد
سياسياً، وصل مسار جنيف حول سوريا، الذي انطلقت محادثاته منذ عام 2012 عبر مفاوضات مباشرة بين حكومة النظام ووفود من المعارضة السورية تحت إشراف الأمم المتحدة برئاسة مبعوثها الخاص ستافان دي ميستورا، إلى طريق مسدود، مع عدم انخراط النظام وحليفه الروسي بجدية في المفاوضات.
ميدانياً، ومع انحسار المعارك واقتصارها على مناوشات ومعارك متفرقة على تخوم إدلب وأجزاء من ريفي اللاذقية وحماة، التي أصبحت فاصلة بين مناطق سيطرة النظام والمناطق المحررة، انتقل مركز الثقل السياسي والعسكري جزئياً من جنيف إلى أستانة، حيث رعت روسيا وتركيا وإيران مساراً جديداً أنتج ما عُرف بـ”مناطق خفض التصعيد”.
وشمل الاتفاق أربع مناطق رئيسية هي: محافظة إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي وريف اللاذقية الشرقي، وريف حمص الشمالي، والغوطة الشرقية في ريف دمشق، إضافة إلى جنوب سوريا في درعا والقنيطرة.
في الظاهر، بدا الأمر محاولة لتجميد الجبهات وتقليل العنف، لكن الوقائع اللاحقة أظهرت أن كثيراً من هذه المناطق تحولت لاحقاً إلى ملفات مؤجلة سقطت واحدة تلو الأخرى بعد حصار أو قصف أو تفاهمات تهجير، كما شهد العام تكريساً أوسع لمناطق النفوذ، وتحولاً تدريجياً في الخطاب الدولي من الحديث عن إسقاط النظام أو الانتقال السياسي الجذري إلى إدارة الصراع وتثبيت خطوط التماس.
2018 عام التهجير
في سيناريو مشابه، وبعد حصار طويل، هجّرت قوات النظام أهالي ومقاتلي الغوطة الشرقية، لتتوسع بعدها العمليات العسكرية إلى ريف حمص الشمالي وبعض مناطق القلمون، إذ كانت العمليات تبدأ بالحصار والقصف وتنتهي بالتهجير، وكانت الوجهة دائماً إدلب أو ريف حلب الشمالي، حيث توسعت تركيا هناك عبر فصائل الجيش السوري الحر التي دعمت بعض تشكيلاتها.
كما جرى التوصل إلى اتفاق المدن الأربع، الذي شمل مناطق الفوعة وكفريا في ريف إدلب الشمالي المدعومتين من النظام وميليشيا “حزب الله”، والزبداني ومضايا في ريف دمشق الغربي، وتم الاتفاق تحت إشراف أممي ووساطة إيرانية وتركية، وشمل تهجير السكان والمقاتلين من بعض مناطق ريف دمشق إلى مناطق محددة في الشمال.
وإلى درعا، مهد الثورة، استطاع جيش النظام ومن خلفه روسيا الدخول إلى الجنوب السوري بعد سنوات من خروجه عن سيطرته، عبر اتفاقات “تسوية” أنهت فعلياً واحدة من أهم الجبهات الرمزية والعسكرية في تاريخ الثورة، كما حدث ما هو مشابه في ريف حمص الشمالي، حيث سعت روسيا والنظام إلى الضغط على الأهالي المدنيين لإخراج من تبقى من المقاتلين أو تسوية أوضاعهم، فيما واصلت حافلات التهجير نقل الثوار إلى الشمال السوري.
وهكذا، خسرت قوات الثورة خلال عام واحد محيط العاصمة والجنوب معاً وآخر جيوب الثوار في حمص، وتقلصت الجغرافيا الخارجة عن سيطرة النظام بشكل كبير، لتتركز لاحقاً بشكل أساسي في الشمال الغربي.
كما شهدت محافظة حلب بعض التغييرات في الخريطة العسكرية خلال العام، حيث تقدّمت فصائل الجيش السوري الحر إلى جانب القوات التركية في منطقة عفرين شمال غربي حلب، في معارك ضد “قسد” عبر عملية “غصن الزيتون”، وانتهت العملية بالسيطرة على كامل المنطقة.
وفي ظل هذه التغيرات والتراجع الكبير لفصائل المعارضة، بدأ النظام يمهّد عبر قصف مركز وطلعات جوية روسية استهدفت المواقع الحيوية في آخر معاقل الثورة، محاولاً التقدم نحو محافظة إدلب مستغلاً الخلافات الفصائلية والخسائر المتتالية التي مُنيت بها، في وقت سعت فيه تركيا، التي أصبحت لاعباً أساسياً في ضبط الملفات العسكرية، لا سيما مع تقاربها مع الجانب الروسي، ليتوصلا إلى اتفاق سوتشي بهدف تجنيب المنطقة عملية عسكرية واسعة للنظام وحلفائه، وشمل الاتفاق محافظة إدلب وأجزاء من ريف حماة الشمالي وريف حلب الغربي وريف اللاذقية الشمالي الشرقي، باعتبارها مناطق التماس الأساسية التي كان الاتفاق يستهدف تثبيت الهدوء فيها.
ونصّت الاتفاقية على إنشاء منطقة منزوعة السلاح تفصل بين مناطق سيطرة المعارضة وقوات النظام، مع سحب السلاح الثقيل والمتوسط من خطوط التماس، وإبعاد الفصائل المصنفة متشددة عن تلك المنطقة، إلى جانب تسيير دوريات ومراقبة مشتركة.
2019 إدلب تحت النار
مع انحسار مناطق المعارضة، أصبحت إدلب وما حولها الجبهة الأبرز، وفي هذا العام شهدت المحافظة وريفي حماة وحلب حملات عسكرية واسعة رافقها قصف كثيف وموجات نزوح ضخمة.
تقدمت قوات النظام في مناطق عدة، وسقطت لاحقاً بلدات ومدن مفصلية على خطوط التماس، فيما تحولت إدلب إلى الملاذ الأخير لملايين المدنيين والمهجّرين من بقية المناطق، وذلك بعد عام من إعلان اتفاق سوتشي الذي لم يُطبَّق كما نصّت بنوده، مع استمرار الخروقات من جانب قوات النظام في المنطقة، وما قابله من رفض لبعض بنود الاتفاق من قبل الفصائل، التي توجهت لتنفيذ معارك محدودة لضرب قوات النظام في كل من ريفي حماة واللاذقية والتقدم إلى بعض النقاط، إلا أن الخريطة العسكرية العامة ظلت ضمن حدودها.
وفي هذا العام أقرّ الكونغرس الأميركي بمجلسيه الشيوخ والنواب قانون “قيصر” لمعاقبة النظام على جرائم حرب ارتكبها بحق المدنيين، وسُمّي قانون “قيصر” بهذا الاسم نسبة إلى شخص عُرف بلقب “قيصر”، وهو اسم مستعار لمصوّر عسكري سوري سابق انشق عن نظام الأسد عام 2014، وسرّب 55 ألف صورة لـ11 ألف سجين قُتلوا أثناء عمليات تعذيب في سجون نظام بشار الأسد.
2020 اتفاق موسكو والجمود العسكري
على خلفية خسارة المعارضة مساحات واسعة من محافظة إدلب، وما رافق ذلك من موجات نزوح هائلة باتجاه الحدود التركية، بوصف أنقرة أحد الضامنين لمسار أستانة واتفاقات خفض التصعيد، تدخلت تركيا للمرة الأولى بشكل مباشر في مواجهة قوات النظام، مستخدمةً وحدات برية ومسيّرات “بيرقدار”، وقد أسهم هذا التدخل في وقف الحملة العسكرية على المنطقة، التي انتهت إلى اتفاق جديد بين أنقرة وموسكو وُقّع في شهر آذار.
وعقب ذلك، لم تعد خرائط السيطرة تشهد التحولات الواسعة التي ميّزت السنوات السابقة، إذ دخلت البلاد مرحلة تثبيت خطوط التماس، مع استمرار القصف المتقطع وتواصل خروقات قوات النظام على جبهات عدة.
وشهد العام ذاته تجدد المظاهرات المنادية بالحرية والمؤكدة على التمسك بهدف إسقاط النظام، إلى جانب مطالبات بعودة النازحين إلى مدنهم وقراهم التي سيطرت عليها قوات النظام وروسيا خلال حملتهما العسكرية على أرياف إدلب وحلب وحماة، كما وجّه المحتجون دعوات إلى الفصائل العسكرية والضامن التركي لاتفاقات التهدئة، فضلاً عن المجتمع الدولي ومجلس الأمن، للعمل على تأمين عودة آمنة للمهجّرين، فيما كان المشهد أكثر تعقيداً في الجنوب السوري مع عودة ظهور تنظيم “داعش” وزيادة التوغل الروسي، الذي عُدّ الراعي الأول لاتفاق التسوية والتهجير بعد أحداث 2018، والعمل على تأسيس الفيلق الخامس.
2021 – 2023 جمود الجبهات ومحاولات التعويم
ظلت مناطق السيطرة خلال تلك الأعوام شبه مستقرة، وبرز الحديث الأكبر عن اتفاقات لإعادة إحياء الطرق الدولية “إم 4” و”إم 5″، وحول إمكانية تطوير الاتفاقيات الراهنة، وبدأ النظام يروّج لعمليات تسوية والسماح لأهالي المناطق التي سيطر عليها خلال معاركه بالعودة إليها، ويتحدث عن مشاريع لإعادة الإعمار.
سياسياً، أعاد النظام علاقاته مع بعض الدول التي رأت فيه الجهة المنتصرة، وعرّاب تجارة الكبتاغون التي أغرق فيها بلدانها، وحاولت التقرب منه أملاً بتقويض هذه التجارة.
وأعلنت تركيا، عبر وزارة خارجيتها، إمكانية عقد لقاء مع رأس النظام وضرورة إيجاد تسوية بين المعارضة السورية ونظام الأسد، كما جرى لقاء ثلاثي في موسكو بين وزراء دفاع كل من روسيا وتركيا والنظام، ووصل تمادي رأس النظام إلى رفضه الوساطات، لا سيما التركية، حيث دعاه الرئيس أردوغان للقاء أكثر من مرة، وفي أحد ردوده قال ساخراً عبر حديث مع قناة “سكاي نيوز عربية”: “لماذا نلتقي أنا وأردوغان؟! لكي نشرب المرطبات مثلاً!”.
وخرج بشار الأسد من عزلته ليجري أول زيارة له إلى روسيا منذ اندلاع الثورة في عام 2011، حيث استقبله بوتين في الكرملين، واتجه عربياً إلى دولة الإمارات، ثم لبّى الدعوة لحضور القمة العربية في المملكة العربية السعودية.
استفاد النظام من تداعيات كارثة الزلزال التي ضربت جنوبي تركيا وأجزاء من المحافظات السورية في عام 2023، إذ استثمر البعد الإنساني للأزمة لفتح قنوات تواصل سياسي وإعادة تنشيط مسار الزيارات الدبلوماسية، ففي شباط من ذلك العام استقبل بشار المخلوع في دمشق وزراء خارجية مصر والأردن والسعودية، قبل أن يُختتم العام بتسلّم المملكة العربية السعودية أوراق اعتماد أيمن سوسان سفيراً لسوريا لديها.
وشكّلت انتفاضة السويداء في صيف عام 2023 لحظة مفصلية أعادت إحياء روح الثورة السورية، بعدما تحوّلت احتجاجات مطلبية على تدهور الأوضاع المعيشية إلى حراك سياسي واضح رفع شعارات إسقاط النظام ووحدة السوريين، ولم تبقَ أصداؤها محصورة في الجنوب، إذ شهدت إدلب وريفها مظاهرات تضامنية واسعة رأت في حراك السويداء امتداداً مباشراً لثورة 2011، ما أعاد وصل الشمال بالجنوب تحت الهتاف نفسه.
وفي تلك الأثناء، كان لمعركة “طوفان الأقصى” التي أطلقتها حركة حماس في غزة ارتدادات على المشهد في دمشق، التي شكّلت لسنوات ساحة نفوذ لإيران و”حزب الله” ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة، وهو ما دفع إسرائيل إلى تكثيف ضرباتها في العمق السوري، وكان لتلك الضربات أثر ملموس في تقليص الحضور الإيراني، ودفع ميليشيات “حزب الله”، التي لعبت دوراً بارزاً في عدد من الجبهات السورية، إلى إعادة انتشارها والانسحاب نحو معاقلها في لبنان لمواجهة التصعيد الإسرائيلي.
2024 عام الحسم
منذ بداياته، ألقى هذا العام بثقله على السوريين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع اقتصادي أكثر قسوة، بالتوازي مع تصاعد وتيرة الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، التي استهدفت مواقع وقوى مرتبطة بإيران، وفي المقابل، تمسك الأسد بتحالفه مع طهران و”حزب الله”، ما بدّد آمال بعض الدول العربية والغربية بإمكانية تجاوبه مع مساعي الانفتاح السياسي.
وفي الشمال السوري، ولا سيما في “المناطق المحررة”، تضاعفت معاناة السكان مع استمرار خروقات النظام وعودة مخاوف النزوح على طول خطوط التماس التي تضم عشرات القرى والبلدات.
وفي وقت كان فيه العالم منشغلاً بتداعيات الحرب في غزة واتساعها إلى لبنان، سعى نظام بشار الأسد إلى انتزاع اعترافات سياسية جديدة تعيد تعويمه، مروّجاً في الوقت ذاته، عبر خطاباته ووسائل إعلامه، لفكرة أن الهجوم على إدلب، آخر معاقل الثورة، بات وشيكاً.
وعملت الفصائل في إدلب والشمال السوري على إيجاد صيغ تفاهم فيما بينها، وأعلنت تشكيل غرفة عمليات مشتركة، اقتصرت مهامها في بدايتها على الرد على القصف وتجاوزات قوات النظام، التي واصلت تهديد المدن بشكل شبه يومي عبر القصف المدفعي والطائرات المسيّرة، فيما استمرت الطائرات الروسية في استهداف مواقع في المنطقة.
وفي 27 تشرين الثاني أعلنت إدارة العمليات العسكرية إطلاق معركة “ردع العدوان”، في تطور عكس حجم الهشاشة التي باتت تعانيها بنية قوات النظام، وأثار دهشة أطراف دولية وإقليمية كانت تسعى إلى إعادة تطبيع علاقاتها معه، ووقفت في معظمها موقف المتفرج، وفي موازاة ذلك، واصل المقاتلون ملاحقة ما تبقى من قوات النظام، في وقت سارع قادة عسكريون ومسؤولون إلى الانسحاب والفرار من مواقعهم، ليسقط النظام المخلوع ويفرّ بشار إلى موسكو في 8 كانون الأول 2024.
الثورة السورية – شمس الدين الأحمد
