بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف الذي يصادف 18 أيار من كل عام، تتجه الأنظار إلى واقع المتاحف السورية، ودورها في حماية الذاكرة الوطنية وصوت الإرث الحضاري.
وفي هذا السياق، أجرت “الثورة السورية” هذا الحوار مع مدير شؤون المتاحف في المديرية العامة للآثار والمتاحف عمار كناوي.
مساحة للحوار وحفظ التنوع الثقافي
يرى كناوي أن المتاحف السورية اليوم مطالبة باستعادة دورها بوصفها مساحة حيّة للثقافة والذاكرة، ولا يقتصر دورها على كونها أماكن لحفظ القطع الأثرية،
ويقول إن المتاحف السورية تضم جزءاً أساسياً من الذاكرة الإنسانية، لأنها لا تمثل تاريخ الشعب السوري وحده، كونها توثق تطور حضارات متعاقبة نشأت على هذه الأرض منذ آلاف السنين.
ويشير إلى أن سوريا تُعد من أغنى دول العالم بالتراث الثقافي والآثار التاريخية، إذ تحتوي متاحفها على كنوز نادرة خرجت من مواقع أثرية شكّلت يوماً مراكز لحضارات متعددة تركت أثرها في التاريخ الإنساني، لذلك فإن حماية هذه المتاحف مسؤولية وطنية وإنسانية في آن واحد.
ويضيف، أهمية المتاحف تتجاوز حفظ المقتنيات إلى تعزيز الوعي المجتمعي بقيمة التراث ودوره في بناء الهوية الثقافية والوطنية، موضحاً أن التعليم يشكل أحد أهم الوسائل الفاعلة لتحقيق هذا الهدف، من خلال إدراج مفاهيم حماية الآثار ضمن المناهج التعليمية والأنشطة المدرسية والجامعية.
ويؤكد أن المتاحف تستطيع أن تتحول إلى فضاء للتفاعل المجتمعي عبر تنظيم الندوات والمعارض والحملات التوعوية التي تشرح مخاطر التنقيب غير المشروع والاتجار بالآثار، ويوضح أن حماية التراث مسؤولية جماعية إلى جانب المؤسسات المختصة.
تحديات الحماية وآفاق التطوير
وعن أبرز التحديات التي تواجه حماية القطع الأثرية السورية، يوضح كناوي أن السنوات الماضية كانت قاسية على المتاحف والمواقع الأثرية، حيث تعرض عدد منها لعمليات سرقة وتهريب وتخريب أثّرت بصورة مباشرة على الإرث الثقافي الوطني والإنساني.
ويقول إن التعديات التي طالت المواقع الأثرية كانت واسعة النطاق في السنوات الماضية، إضافة إلى انتشار مخلفات الحرب التي لا تزال تمنع أو تحد من تنفيذ عمليات توثيق منهجية لرصد الأضرار بشكل كامل.
كما يلفت إلى أن واحدة من أكثر المشكلات تعقيداً تتمثل في غياب بيانات دقيقة حول حجم وعدد القطع الأثرية المهربة، لأن جزءاً كبيراً منها ظهر نتيجة حفريات غير شرعية جرت بعيداً عن أي توثيق رسمي.
ورغم ذلك، يؤكد كناوي أن الجهود السورية والدولية لحماية التراث الثقافي لم تتوقف، موضحاً أن المديرية العامة للآثار والمتاحف عملت على تأمين المقتنيات الأثرية وتوثيقها واستعادة ما أمكن من الآثار المسروقة، إلى جانب استخدام التقنيات الحديثة في الحفظ الرقمي والعرض المتحفي.
ويشير إلى أن المتحف الوطني في دمشق لعب دوراً محورياً خلال السنوات الماضية، إذ جرى الحفاظ على آلاف القطع النادرة وتأمينها في ظروف شديدة الخطورة، في خطوة عكست أهمية المتاحف بوصفها حارسة لذاكرة الشعوب وتاريخها.
الشباب والتراث
وفي حديثه عن كيفية جذب الجيل الشاب وربطه بتاريخ سوريا بطريقة معاصرة، يشدد كناوي على أن إشراك المجتمع، وخصوصاً فئة الشباب، في حماية التراث الثقافي يمثل أولوية أساسية في عمل مديرية شؤون المتاحف.
ويقول إن المديرية تعمل على رفع الوعي بأهمية التراث من خلال الأنشطة التعليمية والبرامج الثقافية والزيارات المدرسية وورشات العمل التي تساعد على تعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بالآثار والمتاحف.
ويضيف أن التكنولوجيا الحديثة باتت عنصراً أساسياً في تطوير العلاقة بين المتحف والجمهور، سواء عبر الجولات الافتراضية أو التطبيقات الرقمية أو العروض التفاعلية التي تجعل المتاحف أكثر قرباً من الناس وأكثر قدرة على الوصول إلى الزوار داخل سوريا وخارجها.
كما يشير إلى السعي المستمر لتنظيم فعاليات ومعارض داخل المتاحف بهدف تحويلها إلى فضاءات نابضة بالحياة لا تقتصر على كونها أماكن صامتة لعرض القطع الأثرية.
ومن بين المبادرات التي يراها مهمة في هذا السياق، يلفت كناوي إلى مشاركة المتحف الوطني بدمشق في مبادرة أطلقتها وزارة التنمية الإدارية عبر منصة “بناة”، والتي تهدف إلى استقبال متطوعين من فئة الشباب للعمل داخل المتحف والمساهمة في أعمال العرض والتوثيق المتحفي،
معتبراً أن هذه الخطوة تشكل نموذجاً حقيقياً لربط المجتمع بالتراث.
رقمنة الذاكرة ومتاحف المستقبل
وعن خطط تطوير المتاحف تقنياً، يؤكد كناوي أن الأرشفة الإلكترونية أصبحت اليوم واحدة من أهم وسائل التوثيق المتحفي وتحديث البيانات، مشيراً إلى أن العمل جارٍ حالياً على رقمنة السجلات المتحفية إلكترونياً.
ويضيف أن المديرية تسعى أيضاً إلى مواكبة التطور التقني في أساليب العرض المتحفي، من خلال إدخال العروض التفاعلية ضمن المشاريع المستقبلية المزمع تنفيذها في عدد من المتاحف السورية، خصوصاً في متحف دمشق وتدمر ومتحف قلعة حلب.
ويرى أن المتحف الحديث لا يكتفي بعرض القطع الأثرية خلف الزجاج، بات مؤسسة ثقافية تستخدم التكنولوجيا لتقديم تجربة معرفية وتفاعلية قادرة على جذب الزوار وإشراكهم في اكتشاف التاريخ.
المتحف والهوية الوطنية
وفي سياق الحديث عن دور المتاحف في تعزيز الهوية الوطنية، يؤكد كناوي أن المتاحف السورية تشكل جسراً يربط السوريين حول قيم المعرفة والجمال والتاريخ، لأنها تعكس التنوع الحضاري الذي شهدته البلاد عبر العصور.
ويقول إن زيارة المتحف لا تعني اكتشاف تاريخ أمة واحدة، يعني التعرف إلى جزء من التاريخ الإنساني المشترك الذي ساهمت الحضارات المختلفة على أرض سوريا في بنائه.
ومن هنا، يرى أن دعم المتاحف وتعزيز دورها الثقافي والتعليمي يمكن أن يسهم في بناء جسور للحوار والتفاهم، ونقل رسالة الحضارة السورية إلى الأجيال القادمة بوصفها رسالة معرفة وسلام.
المتاحف والسياحة الثقافية
أما عن إمكانية تحويل المتاحف السورية إلى جزء من الحركة السياحية والثقافية خلال مرحلة التعافي، فيؤكد كناوي أن إعادة افتتاح المتاحف والقلاع التي أغلقت خلال الحرب ستسهم بصورة كبيرة في تنشيط الحركة السياحية داخلياً وخارجياً.
ويشير إلى أن السياحة الثقافية تمثل الهدف الأساسي لغالبية السياح الأجانب الذين يزورون سوريا، ما يجعل تأهيل المواقع الأثرية والمتاحف خطوة محورية في عملية التعافي الاقتصادي والثقافي.
ويضيف أن مشاريع ترميم المواقع الأثرية يمكن أن تخلق فرصاً لعودة المهجرين إلى مناطقهم، كما في حلب وتدمر والمدن المنسية في شمال غرب سوريا، فضلًا عن مساهمة النشاط السياحي في تحريك الاقتصاد المحلي.
المتاحف توحد عالماً منقسماً
وبمناسبة اليوم العالمي للمتاحف، الذي يحمل هذا العام شعار “المتاحف توحد عالماً منقسماً”، يوجه كناوي رسالة إلى السوريين يؤكد فيها أن متاحف سوريا يمكن أن تكون بوابة لمرحلة جديدة تجمع السوريين.
ويقول إن التنوع الحضاري الذي شهدته سوريا عبر التاريخ يجعل من متاحفها شاهداً حياً على تعاقب الثقافات والحضارات التي مرّت من هذه الأرض، بينما بقيت سوريا نفسها حاضنة لهذا التنوع.
ويكشف كناوي عن إطلاق المديرية العامة للآثار والمتاحف شعار “سوريا تستعيد آثارها”، من خلال إقامة معرض يسلط الضوء على حجم التعديات والانتهاكات التي طالت المتاحف والمواقع الأثرية خلال الحرب،
إضافة إلى عرض عمليات الاسترداد والاستعادة التي تحققت خلال العامين الماضيين بجهود المديرية والجهات الأمنية،
ويضم المعرض مجموعة من القطع الأثرية التي تم استردادها، في رسالة تؤكد أن استعادة الإرث الثقافي السوري لا تزال ممكنة، رغم حجم الكارثة التي تعرض لها التراث.
الثورة السورية- سعاد زاهر
