الفيبروميالجيا.. ألم مزمن بين صعوبة التشخيص ووصمة الوهم

تستيقظ رانية سلوم كل صباح مثقلة بتعبٍ مزمن منذ اللحظة الأولى وكأنها لم تنم، يرافقها ألم منتشر في العضلات خصوصاً في الرقبة والكتفين وأسفل الظهر، على هيئة شدّ دائم لا يهدأ.

تروي الخمسينية والأم لطفلين، لـ “الثورة السورية” أنها ومنذ وفاة زوجها قبل ثلاث سنوات أصبحت المسؤولة الوحيدة عن الأسرة، وتعمل بدوامين في عيادة طبيب في دمشق لتأمين متطلبات المعيشة، إلى جانب أعباء المنزل، غير أن جسدها بات عاجزاً عن مجاراة هذا الإيقاع.

ولم تكن رانية تدرك في البداية طبيعة ما تعانيه، قبل أن يتبيّن لاحقاً أنه مرتبط بأعراض “الفيبروميالجيا”، وهو اضطراب معقّد في معالجة الألم، يصعب تشخيصه وتتداخل أعراضه دون مؤشرات واضحة في الفحوصات التقليدية، ما جعله يُشار إليه أحياناً بـ”مرض العصر”.

كذلك، تعاني سميرة الحموي ، وهي صيدلانية متقاعدة في الستين من العمر، من “آلام متنقلة في المفاصل، مع حساسية شديدة حتى من اللمس، إضافة إلى صداع وتقلبات مزاجية زادت بعد التقاعد والعزلة الاجتماعية، وتقول إن المرض غيّر توقعاتها للحياة الهادئة التي كانت تنتظرها” على حد قولها لـ “الثورة السورية”.

وتشير التقديرات إلى أن نسبة المصابين به عالمياً تتراوح بين 2 بالمئة و6 بالمئة من السكان، وفق تحليل منشور في قاعدة بيانات PubMed، أي ما يعادل عشرات الملايين من الحالات.

وفي الولايات المتحدة وحدها يُقدَّر عدد المصابين بنحو 10 ملايين شخص، بحسب National Fibromyalgia Association. وتُظهر البيانات أن النساء يشكّلن ما بين 75 بالمئة و90 بالمئة من الحالات المشخّصة وفق American College of Rheumatology، مع انتشار غالب في الفئة العمرية بين 20 و50 عاماً.

في المقابل، تغيب الإحصاءات الدقيقة في العالم العربي، بما في ذلك سوريا، نتيجة غياب دراسات وبائية واسعة وموثقة.

اضطراب مزمن

توضح الدكتورة نديمة جبلي المختصة بأمراض الروماتيزم، أن “الفيبروميالجيا” هو اضطراب مزمن يتمثل في ألم واسع الانتشار في العضلات والأنسجة الرخوة، مع تعب شديد واضطرابات في النوم ومشكلات في الذاكرة والتركيز. وتشير إلى أنه لا يُعد مرضاً مناعياً أو التهابياً، بل هو خلل في طريقة معالجة الألم داخل الجهاز العصبي.

وتشرح الجبلي أن الدماغ والحبل الشوكي يتحولان إلى ما يشبه “مضخماً للألم”، بحيث تُفسَّر المنبهات البسيطة مثل اللمس الخفيف أو الضغط كألم شديد.

من جهته، يضع الدكتور في الصحة النفسية محمد السليمان في حديثه لـ “الثورة السورية” الحالة ضمن تقاطع معقّد بين البيولوجي والنفسي، حيث تؤثر الحالة النفسية مباشرة في آليات نقل الألم داخل الجهاز العصبي المركزي، ويقول: “القلق والتوتر المزمن، يمكن أن تسبب خللاً في النواقل العصبية، والتوتر يفاقم الأعراض وقد يساهم في ظهور المرض عبر خفض عتبة الألم وزيادة قابلية الانتكاس”.

أعراض تتجاوز الجسد

مع الوقت، بدأت رانية تلاحظ تراجع قدرتها على التركيز، ونسيان تفاصيل بسيطة أثناء العمل، واضطراباً في النوم يجعلها تستيقظ عدة مرات خلال الليل. يترافق ذلك مع قلق مستمر مرتبط بأعباء الحياة، ووخز متقطع في الأطراف، وصعوبة في أداء أعمال جسدية بسيطة. لكنها ترى أن أكثر ما يرهقها ليس الألم فقط، بل استمرارها في العمل رغم محدودية الخيارات.

وحول الصورة السريرية “للفيبروميالجيا” توضح الجبلي أنها تشمل ألماً منتشراً، إرهاقاً شديداً، اضطرابات في النوم غير المرمم، إلى جانب ما يُعرف بـ”الضباب الدماغي”. وتضيف أن ما يميزها عن التهاب المفاصل هو غياب الالتهاب وكون التحاليل طبيعية، مقابل وجود نقاط حساسة للألم. أما التهاب المفاصل فيرتبط بألم موضعي وعلامات التهابية واضحة وارتفاع في المؤشرات المخبرية.

وترى أن بداية المرض قد ترتبط بمحفزات مثل الصدمات أو العدوى أو الضغط النفسي المزمن، بينما تتفاقم الأعراض مع قلة النوم والإجهاد وقلة الحركة. وتعود صعوبة التشخيص إلى غياب اختبار نوعي وتداخل الأعراض، ما يؤدي إلى تأخر الوصول للتشخيص لسنوات.

الأثر النفسي والاجتماعي

يمتد الألم المزمن بحسب السليمان من الجسد إلى الهوية الشخصية، حيث يضطر المريض إلى إعادة تعريف دوره وقدراته، ما يخلق خللاً في التوازن النفسي. كما يتعرض لما يسمى “الانسحاب التكيفي”، حيث ينكفئ المريض تدريجياً نتيجة استنزاف الألم لموارده النفسية، ما يضعف التفاعل الاجتماعي ويقلل الدعم المحيط.

ويشير أيضاً إلى ما يسميه “أزمة المصداقية”، إذ يواجه المرضى تشكيكاً مستمراً بسبب غياب مؤشرات مخبرية واضحة، ما يفتح الباب أمام وصمة اجتماعية، وهذا التشكيك قد يؤدي إلى فقدان الثقة بالمؤسسات الطبية وتكرار محاولات التشخيص دون نتائج حاسمة، وهو ما يزيد الضغط النفسي ويُفاقم الأعراض.

خيارات العلاج

وتشدد الجبلي أن علاج “الفيبروميالجيا” متعدد المحاور، ويشمل مضادات الاكتئاب مثل “الدولوكستين” ومضادات الاختلاج مثل “البريغابالين”، مع محدودية فعالية المسكنات التقليدية، ولكنها تشدد على أن الأساس يبقى في التدخلات غير الدوائية مثل التمارين الهوائية والعلاج السلوكي المعرفي وتحسين النوم، قائلة: “لا يوجد علاج شافٍ، بل تحكم بالأعراض”.

ويقدم السليمان مقاربة شاملة لإدارة الحالة، تجمع بين الأبعاد البيولوجية والنفسية والاجتماعية، مع التركيز على إعادة تشكيل إدراك الألم عبر العلاج المعرفي السلوكي، وإدخال النشاط الحركي تدريجياً، إضافة إلى تقنيات “اللياقة الذهنية” (Mindfulness) لخفض التوتر، ويقول: “ممكن أن نعيد تعريف الإدراك الحسي للألم عند المريض”، موضحاً أن الهدف ليس إلغاء الألم بل تنظيم العلاقة معه.

نمط الحياة

يشكل نمط الحياة حجر الأساس في إدارة المرض، بحسب الجبلي إذ يعد النوم العامل الأكثر تأثيراً، وأي خلل فيه يزيد شدة الألم. كما تؤكد أهمية التمارين الهوائية التدريجية، مع عدم وجود نظام غذائي صارم، رغم أن تقليل السكر والكافيين قد يساعد بعض المرضى.

وبدوره يقترح السليمان مفهوم “الاقتصاد في الطاقة”، أي إدارة الجهد اليومي بوعي، وتوزيعه بشكل يمنع الاستنزاف، مع اعتماد استراحات وقائية قبل الوصول إلى الإنهاك، قائلاً: “استراحة وقائية بدل استراحة علاجية”.

أخطاء شائعة ودور الدعم

تنبه الجبلي إلى أخطاء شائعة لاكتشاف الاضطراب، مثل الإفراط في الفحوصات، والبحث المستمر عن سبب عضوي خفي، والاستخدام المفرط للمسكنات، إضافة إلى تجنب الحركة أو اللجوء إلى مكملات وحميات غير مدروسة، وتوقع الشفاء السريع.

ويؤكد السليمان أن دعم العائلة أساسي، عبر التثقيف النفسي والاعتراف بشرعية الألم، قائلاً: “المريض لا يكذب، هو يتألم فعلاً”. لكنه يحذر من الشفقة المفرطة، ويدعو إلى دعم تمكيني يعزز استقلالية المريض ويشركه في الحياة اليومية دون أحكام أو تقليل من قدرته.

يبقى مريض “الفيبروميالجيا” متأرجحاً بين الوهم وواقع ألم يومي يعيشه بتفاصيله وآثاره. وبين هذا وذاك، لا يملك المريض رفاهية التداوي بقدر ما يضطر إلى إدارة الحالة حيث يتحدد مسارها بقدرته على التكيّف، وبمدى الدعم أو الضغط الذي يفرضه المحيط عليه.

الثورة السورية- ميسون حداد

Exit mobile version