الفواكه الاستوائية تغيّر ملامح الزراعة في طرطوس

مع الارتفاع المتواصل لتكاليف الإنتاج الزراعي، يتجه مزارعو محافظة طرطوس بشكل متزايد نحو زراعة الفواكه الاستوائية كخيار اقتصادي بديل يحقق مردوداً جيداً بتكلفة أقل، مستفيدين من المناخ الساحلي الملائم لهذه الأنواع الزراعية.

وخلال السنوات الأخيرة، برزت محاصيل مثل الكيوي، والأفوكادو، والموز، والقشطة، كجزء من مشهد زراعي جديد آخذ بالتوسع في أرياف المحافظة، ما أسهم في إحداث تحوّل ملحوظ في أنماط الزراعة التقليدية.

زراعات مدخلة حديثاً وأرباح مشجعة

يؤكد متابعون للشأن الزراعي أن إدخال الفواكه الاستوائية إلى الخارطة الزراعية في طرطوس جاء نتيجة سعي المزارعين إلى بدائل أكثر جدوى، في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وفي هذا السياق، يقول ياسر علي، رئيس دائرة الشؤون الزراعية والوقاية في مديرية زراعة طرطوس، إن المزارعين في المحافظة اتجهوا إلى الزراعات المُدخلة حديثاً، مثل الكيوي، والأفوكادو، والموز، والقشطة، لكونها من الزراعات المربحة، نظراً لارتفاع إنتاجيتها قياساً بوحدة المساحة.

ويضيف، في حديثه لصحيفة الثورة السورية، إن الارتفاع الكبير في تكاليف الزراعات المحمية دفع عدداً كبيراً من المزارعين إلى التخلي عنها، والبحث عن زراعات لا تحتاج إلى استثمارات مرتفعة، وفي الوقت نفسه تؤمّن سعراً مناسباً للمنتج النهائي في السوق.

انخفاض التكاليف وارتفاع العائد

تتميّز زراعة الفواكه الاستوائية بانخفاض تكاليف مستلزمات الإنتاج مقارنة بغيرها من الزراعات، إذ تقتصر في معظمها على الأسمدة ومياه الري، مع حاجة أقل للبنى التحتية المكلفة، ما يجعلها خياراً جذاباً لشريحة واسعة من المزارعين.

ويُعد محصول الموز من أبرز الأمثلة على نجاح هذه الزراعات في طرطوس، ويوضح ياسر علي أن الدونم الواحد يُزرع بنحو 250 شجرة موز، تعطي كل شجرة ما يقارب خمس خلفات، تبدأ الخلفة الأولى بالإنتاج بعد نحو تسعة أشهر.

ويبلغ متوسط إنتاج الشجرة الواحدة بين 20 و30 كيلوغراماً، ما يعني أن الدونم الواحد يمكن أن ينتج نحو خمسة أطنان من الموز سنوياً.

ومع سعر وسطي يتراوح بين 10 و15 ألف ليرة سورية للكيلوغرام الواحد، يُعد هذا المحصول من الزراعات المربحة قياساً بتكلفة مستلزمات الإنتاج المحدودة.

الأفوكادو كنز زراعي جديد

من جهته، يؤكد باسل ديوب، مزارع ورئيس وحدة إرشادية، أن الأفوكادو باتت من الكنوز الزراعية الجديدة في الساحل السوري، بفضل المناخ المعتدل، ونسب الرطوبة المناسبة، مشيراً إلى نجاح زراعتها في بساتين طرطوس واللاذقية.

ويبيّن أن من أشهر أصناف الأفوكادو المزروعة في الساحل السوري: هاس، فويرت، ريد، إيتنجر، وبيكون، ناصحاً بزراعة أكثر من صنف لتحسين عملية التلقيح، مع الاهتمام بتربة جيدة الصرف وري منتظم.

من مزرعة إلى وجهة سياحية

لا تقتصر تجربة زراعة الفواكه الاستوائية في طرطوس على الجانب الإنتاجي فحسب، بل تتجسّد أيضاً في قصص نجاح فردية تحوّلت إلى معالم زراعية وسياحية.

ويُعد المزارع حسن محمد من أبرز الأسماء في هذا المجال، إذ اتجه إلى زراعة الفواكه الاستوائية منذ سنوات طويلة، مستثمراً وقتاً وجهداً كبيرين، حتى أثمرت تجربته مشروعاً مميزاً.

وأنشأ محمد منتزهاً زراعياً يُعرف باسم “المغارة الاستوائية”، وهو عبارة عن مزرعة تضم أنواعاً متعددة من المزروعات الاستوائية، من بينها الدراكون، والبابايا، وليمون الكافيار، والمشمش الاستوائي، إضافة إلى أصناف مختلفة من الموز والحمضيات.

ويقع المنتزه بالقرب من بلدة البلاطة في ريف طرطوس، وقد أُنشئ ليكون سوقاً مباشراً لتسويق منتجات المزرعة.

وسرعان ما تحوّل المشروع إلى مقصد للزوار من مختلف المحافظات السورية، وحتى من بعض الدول المجاورة، لما يقدمه من تجربة متكاملة تجمع بين جمال الطبيعة وطعم الفواكه الاستوائية الطازجة، إلى جانب العصائر والمشروبات والسلطات والمثلجات المصنوعة بالكامل من منتجات المزرعة نفسها.

ويؤكد حسن محمد أن بذور وغراس هذه المزروعات جمعها على مدى سنوات، وزرعها بيده واعتنى بها حتى أصبحت اليوم مصدراً جيداً للدخل، وواجهة سياحية مميزة للمنطقة.

أثر إيجابي على المستهلكين

لم يقتصر أثر هذا التوسع الزراعي على المزارعين فحسب، بل انعكس إيجاباً على المستهلكين أيضاً.

ويقول المواطن أبو ماهر: إن الفواكه الاستوائية المحلية باتت خياره المفضل، بسبب أسعارها الأنسب مقارنة بالمستوردة، إضافة إلى جودتها وطزاجتها.

ومن جانبها، تقول رهف أم نور، إنها باتت تجد فاكهة الدراكون متوفرة في الأسواق المحلية وبسعر مقبول، بعد أن كانت نادرة في السابق، وهو ما شكّل راحة كبيرة لها خلال فترة الحمل.

بين الحقول التي غيّرت وجهها بحثاً عن الجدوى، والأسواق التي امتلأت بنكهات جديدة، تروي زراعة الفواكه الاستوائية في محافظة طرطوس قصة تكيّف وصمود، لتشكّل جسراً يربط المزارع بالمستهلك، ويمنح العائلة فاكهة طازجة بسعر مقبول، ويمنح المزارع أملاً بالاستمرار.

من موز يؤمّن دخلاً ثابتاً، إلى أفوكادو يفتح آفاقاً استثمارية، وصولاً إلى “مغارة استوائية” تحوّلت إلى وجهة يقصدها الناس.

تؤكد هذه التجربة أن الزراعة، حين تقترب من الإنسان، تصبح أكثر قدرة على البقاء، وأكثر حضوراً في الحياة اليومية.

الثورة السورية – سناء العلي

Exit mobile version